أنا إنسانة مرت في حياتها بعدة تجارب عاطفية، التي كانت جميعها فاشلة مع الأسف، تلك التجارب جعلتني أنظر إلى الحب على أنّه ليس سوى ألم ونار وعذاب وما إلى ذلك.
وإنني لطالما اعتقدت، بل آمنت بأنّ الحبّ هو شعور يأتي فجأة ودون سابق إنذار، وبالتالي فإنّه لا يمكن التحكُّم فيه أو أن تكون لدى الشخص سلطةٌ عليه.
ويمكن القول إنّ معظم الأغاني والأفلام وباقي الأعمال الفنية الأخرى وبكل أسف وألم تعمل على الترويج لمثل هذه الاعتقادات الخاطئة، سواء أكان ذلك بقصد أم بغير قصد، أقول بكل أسف وألم إنّ معظمنا يصدِّق هذه القناعات السلبية ويتبناها كقوانين تسير عليها حياتُه.
قد يعجبك أيضًا ما تعريف الحب؟ وما علاماته؟
الحب هدف جميل
غير أنني وبعد أن بدأت في العمل على تزكية نفسي وتطويرها باستقبال أفكار ومعلومات جديدة سواء عن طريق القراءة أم حضور الدورات المتخصصة، تولَّدت لدي قناعة جديدة عن الحب، وهي لحسن الحظ مختلفة كل الاختلاف عن ذلك الاعتقاد القديم السائد، الذي كاد يقضي عليّ يومًا.
إذ أدركت أنّ الحبّ هو من أروع وأجمل الأحاسيس والعواطف، التي خلقها الله في هذا الكون، وبالتالي فإنّه من المفروض أن نتعامل مع الحب على أنّه شيء جميل ينبغي أن نسعى للوصول إليه، وليس كشيء مخيف كله ألم وعذاب فنهرب منه، أو نستهزئ بمن يعيشه.
لكن من جهة أخرى قد يقول قائلٌ إنّ مشاعر العذاب والألم، التي تتخلل الحب هي موجودة فعلًا، فكل من يقع في الحب يحكي للمحيطين به عن مثل تلك الأحاسيس، وإنّ شعور الحب لا يمكن التحكُّم فيه؛ لأن هذا ما نسمعه من كل من وقع في الحب.
لكل من لديه مثل هذه الانطباعات أقول: أنا أفهمك جيدًا، فأنا شخصيًّا وقعت في كل هذا، إذ لم أدرِ بنفسي إلا وأنا واقعة في الحب، والمشكلة أنّ تلك المشاعر كانت تجاه شخصٍ لم أكن أتوقع يومًا أن أحبه هو بالذات؛ لأنه كان مجرد صديق فقط.
وبالتالي فإن شعور الحب كان مباغتًا، إذ إنني لم أستطع التحكُّم فيه، وقد كان مؤلمًا جدًّا؛ لأنه كان من طرف واحد، فلو استطعت اختيار من أحب لما أحببته هو، كنت أحببت شخصًا آخر غيره.
قد يعجبك أيضًا الفرق بين الحب والعشق وتعريف كل منهما
لماذا نشعر بالألم في الحب؟
لكن، بعد أن تطور وعيي، وبدأت أتعلم من الأحداث التي تحدث لي، أصبح بإمكاني الإجابة عن هذه التساؤلات فأقول إنّ الحالة الأولى؛ أي ذلك الشعور المؤلم، الذي يجعل الشخص يشعر بالعجز وقلة الحيلة إذا ابتعد الطرف الآخر عنه، هي حالةُ تَعَلُّقٍ، وليس حُبًّا.
فالعلاقة العاطفية الصحية لا يمكن أن تُبنى على خنق كل طرف للطرف الثاني وتقييده والتحكُّم فيه ومراقبته طيلة الوقت، وإنّ مشاعر الحُبِّ الحقيقي لا يمكن أن تكون مصدر ألم وعذاب للمُحِب إلى درجة أنّه قد يشعر أنّه لا يستطيع العيش دون الطرف الآخر، بل هي مشاعر تتصف بالهدوء والسكينة والطمأنينة.
وهي مشاعر من شأنها أن تدفع الإنسان للإبداع والتألُّق في أيِّ مجالٍ ينوي الخوض فيه، وإنّها تحفِّز طاقة الخلق لدى الإنسان حتى يصبح بذلك قادرًا على خلق واقع جديد، غير الواقع الذي يعيشه مهما كان مُرًّا.
ولعلَّ الآية التالية من القرآن خير دليل على هذا الكلام: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [ الروم: 21].
أما بالنسبة للتحكُّم في تلك المشاعر، فإن ذلك حسب رأيي ممكنٌ جدًّا، إذ ينبغي أن نتذكر دائمًا بأن الله خلقنا خلفاء في الأرض، وبالتالي فإنه من غير المعقول أن تأتي مجرد عاطفة لتتحكم فينا وتتلاعب بمصائرنا كيفما شاءت.
قد يعجبك أيضًا أنواع الحب عند الإعريق.. تعرف عليهم الآن
بعيدًا عن التعلق
لكن على شرط أن يكون ذلك قبل أن يشتد التعلُّق وتتهيج العواطف، فمن الضروري أنه بمجرد أن نتعرف إلى شخص ونشعر أنه من الممكن أن تجمعنا به علاقة ما، يجب أن نجلسَ مع أنفسنا جلسة صِدق لنبدأ في تقييم ذلك الشخص ومدى تناسبه معنا.
فننظر مثلًا إن كان سنه مناسبًا، وإن كان مركزه الاجتماعي مناسبًا، وإن كان مستواه التعليمي والفكري يتناسب مع تطلُّعاتنا، وإن كان مركزه الاجتماعي يتوافق مع ما نرغب فيه، إن كانت كُلُّ الظروف تسمح بأن نرتبط على نحو رسمي في أقرب وقت، وما إلى ذلك.
وطبعًا ما أشرت إليه هي مجرد أمثلة، فلكل شخص تطلُّعاته ورغباته، ثم بعد التقييم، نقرر إذا ما كنا سنطلق العنان لعواطفنا أم لا.
في الحقيقة، إنّ ما قلته في هذا المقال هو مجرد نبذة بسيطة عن الموضوع، ولمن يريد التعمُّق أكثر فإنّه يوجد عدد من المتخصصين النفسانيين والمتخصصين في مجال الوعي من تطرَّق لموضوع التعلُّقِ على نحو أوسع.
وجميعهم حذَّر من موضوع التعلُّق وشدد على أنّ التعلُّق لا ينبغي أن يكون بغير الله خالق الكون، ومن بين هؤلاء الماستر أمينة هلالي والدكتورة سمية الناصر والدكتورة رشا برهان.
ولعل أبرز من تطرَّق للفرق بين الحب والتعلُّق، وتكلم عن الحب وشرحه على نحو أروع من الخيال هو الدكتور أحمد عمارة، وهو متخصص نفساني ومعالج بالطاقة الحيوية، إذ إنّه قال: من الأشياء التي توحي بأن الشخص يمر بتجربة حب حقيقي تتمثَّل في أنّ ذلك الشخص يكون سعيدًا، حتى وهو بعيد عن من يحب.
أما عندما يكون قريبًا منه، فإن ذلك القرب يضيف سعادةً إلى سعادته؛ أي أن من يعيش الحب الحقيقي لا يشترط أن يظل ملتصقًا بمحبوبه طيلة الوقت، حتى يشعر بالسعادة والرضا، فهو سعيد أصلًا بفضل شعور الحب، الذي يعيشه.
زيادة على أنّه يكون مُشبَعًا عاطفيًّا قبل أن يُحِب ذلك الشخص، ويجب التشديد على ضرورة الإشباع العاطفي في حياة الفرد، وهذا يتطلب أن نخصص مقالًا آخر له؛ لأنّ الموضوع واسع جدًّا.
قد يعجبك أيضًا الحبّ بين كيمياء الجسد وكيمـياء الرّوح
هل هو حب أو تعلق؟
وبعد متابعتي الدقيقة للموضوع صار بإمكاني أن أطرح طريقة يمكن بها أن يعرف الشخص إذا ما كان يمر به هو تعلُّق أم حب حقيقي، فإذا شعر الإنسانُ عندما يكون قرب محبوبه بأن قلبه يخفق على نحو شديد وأن أطرافه ترتعش ويتلعثم في الكلام مثلًا، وإذا شعر أنّه لا يستطيع أن تمر عليه ساعة لا يسمع فيها صوت محبوبه أو لا يراه فيها، فإن كل هذه الأشياء توحي بأن هذا الشخص واقع في التعلُّق، وليس الحب.
وفي الختام، أريد أن أُنَوِّه بأنني أتمنى ومن كل قلبي لي ولكل من يقرأ هذا المقال أن نعيش الحب الحقيقي الذي خلقه الله؛ لِسعادتنا وليَبُثَّ في قلوبنا السكينة والطمأنينة، وأن نبتعد عن التعلُّق بكل أنواعه طالما عرفنا أنّ الله خلقنا ووهبنا القدرة على قيادة انفعالاتنا ومشاعرنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.