الدولة السعودية الثالثة.. الملك عبدالعزيز وتوحيد المملكة

يُعد تأسيس الدولة السعودية الحديثة لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث، بفضل الجهود الجريئة التي قادها الملك عبد العزيز بن سعود. انطلقت الأسرة السعودية من الدعوة السلفية لإحياء العقيدة الصحيحة، ثم تطورت إلى مشروع سياسي وعسكري كبير غيّر ملامح شبه الجزيرة العربية، من استعادة الرياض إلى السيطرة على الأحساء والحجاز، مرَّ هذا التوحيد بمحطات معقدة، أبرزها التعامل مع الدولة العثمانية، ومواجهة الأشراف، وتحقيق الأمن والاستقرار.

يستعرض هذا المقال رحلة تأسيس المملكة العربية السعودية الثالثة، بدءًا من معركة الرياض المصيرية عام 1902، مرورًا بتوحيد نجد والأحساء، والمناورات السياسية المعقدة مع القوى العظمى كالدولة العثمانية وبريطانيا، وصولًا إلى الصراع الحتمي مع الأشراف في الحجاز الذي أفضى إلى إعلان قيام المملكة.

تحالف ديني وسياسي: أساس الدولة السعودية

مما لا شك فيه أن الأسرة السعودية تبوأت مكانة مرموقة في نظر بعض المجتمعات الإسلامية، وبخاصة بعد احتضانها لما دعا إليه الإمام محمد بن عبد الوهاب من إحياء السنة المحمدية الصحيحة، وأعمال السلف الصالح، ونبذ المنكرات والأباطيل التي جاءت دخيلة على الإسلام والمسلمين، فقد ساعدت تلك الأسرة في نشر الدعوة السلفية، متحملة أخطارًا جسيمة، حتى كتب الله لها الذيوع والانتشار.

معركة الرياض 1902 شرارة التأسيس وفتح الرياض وتوحيد نجد

ظلت العائلة السعودية تكابد المشاق والمتاعب، حتى خرج من بينها الفتى النجدي عبد العزيز بن سعود الذي خاض الثقال الذي وطد دعائم أسرته، ووسع ملكهم في شبه الجزيرة العربية بعد تمكنه من فتح الرياض في سنة 1319هـ/1902م، وجعلها عاصمة لهذا الملك.

فتح الرياض

وانتهى تفكيره إلى عملية جريئة يندر أن يقوم بها إنسان على مرّ التاريخ، استطاع بفضل من الله وعونه أن يقتحم الرياض في نفر قليل، ربما أربعين أو ستين، ويقضي على عامل الرشيد (عجلان)، ويعلن على الملأ في صبيحة يوم 5/10/1319هـ الموافق 1902م: «الحكم لله ثم لعبد العزيز».

تحديات التوحيد: إخضاع القبائل وتوازن القوى

ثم بدأ عبد العزيز بن سعود في استعادة ملك آبائه، وأعاد سيطرته على مقاطعات الوشم، وسدير، والخرج، والحوطة، ووادي الدواسر، وغيرها، حتى اجتمعت بلاد نجد تحت سلطانه، فاتجه ناحية الأحساء واستولى عليها من يد العثمانيين.

وكان على عبد العزيز أن يواجه تمردات كثيرة من القبائل المحيطة بالرياض من كل جانب، وأن يخضعها لسلطانه، كما كان عليه التصرف بحكمة ودقة بالغتين في تعامله مع جيرانه الذين كانوا حوله، سواء أكانوا عربًا أم غير عرب، وسواء أكان هؤلاء الجيران في سواحل الخليج أم في شبه الجزيرة نفسها، كالكويتيين، والأشراف الحجازيين، والعسيريين، والعثمانيين، والإنجليز، وغيرهم.

تحديات التوحيد

واستطاع عبد العزيز بن سعود، بحكمته، أن يخضع معظم القبائل النجدية، وأن يستميل أبناء الرشيد، بعد أن خاض ضدهم معارك طاحنة وصراعات انتهت بالصلح الدائم، فاندرجوا تحت لوائه مخلصين.

العلاقات السعودية العثمانية: من المهادنة إلى المواجهة

عندما شرع عبد العزيز بن سعود في تكوين مملكته، كانت علاقاته بالعثمانيين ترتدي ثوب المهادنة وإظهار حسن النيات، حتى إن ابن سعود كان يرسل الرسائل إلى والي الحجاز العثماني ليطمئنه على سير معاركه الحربية مع الخارجين عليه من قبائل شبه الجزيرة، ويحرص على ذكر استتاب الأمن والأمان في ربوع نجد وعشائرها.

ومن ذلك ما حدث في سنة 1325هـ/1907م، عندما أرسل ابن سعود إلى والي الحجاز رسالة ودية، ذكر فيها: «أننا كنا بالخارج قبل شهرين نلاحظ شمول الأمن وتأديب الأشقياء الخارجين عن الطاعة، وقد تتبعنا أثر المفسدين ونكّلنا بهم»، وختم رسالته بالدعاء للدولة العلية، موقّعًا بلفظ: «خادم الدولة والملة والوطن عبد العزيز».

وبعد عدة سنوات، انتهز عبد العزيز فرصة تصدع الدولة العثمانية، فانقض على إقليم الأحساء وحرّره من أيدي العثمانيين، وذلك في عام 1331هـ/1913م، وتمكن من الحصول على منفذ له على الخليج، وتمكن عبد العزيز من السيطرة على أبها، عاصمة منطقة عسير، عام 1922م، بعد انسحاب القوات العثمانية منها.

وبعد أن اشتعلت الثورة العربية في الحجاز ضد الحكم العثماني سنة 1334هـ/1916م، استمرت المراسلات بين عبد العزيز والقادة العثمانيين للعمل معًا ضد الشريف حسين الذي بسط سلطانه على منطقة الحجاز وأعلن نفسه ملكًا، ويظهر ذلك في رسالة قائد الحملة الحجازية العثماني الذي نصح عبد العزيز بن سعود بالعمل والتنسيق مع القوات العثمانية، حتى يتسنى للقائد طلب توسيع رقعة ابن سعود في المنطقة من الحكومة العثمانية.

إن مدينة جدة قد تعرضت في سنة 1334هـ الموافق 1916م لحصار الشريف حسين في نطاق ثورته الكبرى على حكم العثمانيين، فحاصرها برًا، وترك للإنجليز مهمة ضربها بحرًا إن لم تستسلم. وتم ضرب جدة من جانب الإنجليز ليلة التاسع من شعبان 1334هـ/10/6/1916م، وسقطت قنابل البوارج في جدة، فأصابت مساكنها، وأصابت الثكنة العسكرية العثمانية، وبعض مراكز الجيش العثماني فيها، بإرشاد رسل الشريف. فلما طال أمد الحصار، ضربها الإنجليز بطائراتهم، وإزاء ذلك، وأمام إنذار الشريف لأهالي جدة، سلّمت المدينة له في 15/8/1334هـ الموافق 1916م.

ثورة الشريف حسين

الصراع على الحجاز بين عبد العزيز آل سعود والشريف حسين

إن علاقة ابن سعود، أمير نجد، بالشريف حسين في الحجاز، قد شابها التوتر بادئ ذي بدء، فعلى الرغم من محاولة أمير نجد إشاعة حسن الجوار مع جاره؛ فإن الشريف بادره بالعداء.

إن الحجاز لم يخضع للحكم السعودي إلا مدة قصيرة في أوائل القرن التاسع عشر، ولم يتدعم خلالها هناك. وقد سبق استيلاء عبد العزيز بن سعود على الحجاز بعض الأحداث التي نجملها فيما يلي:

فمن الثابت تاريخيًّا أن الشريف حسين، عند توليه الحجاز، أراد بسط سلطانه على منازل قبائل عتيبة في طرف الحجاز الشرقي، وكانت هذه المنازل تابعة لنفوذ ابن سعود. ونظرًا لبعض الثورات التي أعاقت ابن سعود عن المقاومة، فقد اضطر إلى أن يُبرم صلحًا مع الشريف حسين، وصبر على كره منه ليتفرغ لمواجهة تلك الثورات.

وهكذا، وبمزيج فريد من البراعة العسكرية والحنكة السياسية والصبر الإستراتيجي، تمكن الملك عبدالعزيز آل سعود من تحويل حلم استعادة ملك الأجداد إلى واقع ملموس، لقد نجح في الإبحار وسط بحر من التحديات، من ولاءات القبائل المتقلبة إلى طموحات القوى الإقليمية والدولية، ليضع حجر الأساس لمملكة حديثة وموحدة. إن قصة تأسيس المملكة العربية السعودية تظل شاهدًا على أن الرؤية الثاقبة والقيادة الصلبة قادرتان على صناعة التاريخ ورسم مستقبل أمة كلها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.