يعد التعبير عن المشاعر والتفاعل مع الآخرين عنصرًا أساسيًا في بناء العلاقات الاجتماعية، ولكن طفل متلازمة إسبرجر يعاني صعوبة في التواصل الانفعالي، ما يؤثر في قدرته على فهم الإشارات الاجتماعية والتفاعل معها. في هذا المقال، نوضح تأثير متلازمة إسبرجر في الأطفال، والفروقات بينها وبين اضطراب طيف التوحد، إضافةً إلى أفضل طرق التعامل مع الطفل لمساعدته على تحسين مهاراته الاجتماعية والانفعالية.
ما هي متلازمة إسبرجر؟
يمكن تعريف متلازمة إسبرجر على أنها أحد الاضطرابات النمائية الشاملة، ويشار إليها أحيانًا باضطراب طيف التوحد عالي الأداء أو الكفاءة؛ نظرًا لما يتمتع به المصاب بها من معدلات طبيعية حسب درجة الذكاء والمهارات اللغوية. ويميل طفل إسبرجر إلى النمطية والتكرار وعدم القدرة على الخروج عن السياق، أو الإبداع.

على الرغم من إصابة الطفل بها مبكرًا منذ الميلاد؛ فإنه لا يمكن اكتشافها إلا في وقت متأخر (4-6 سنوات)، عندما تكتمل مظاهر النمو المختلفة لدى الطفل، لكن لا يصاحبها إعاقة عقلية أو تأخر لغوي أو معرفي، مع سلوكيات نمطية واهتمامات محدودة غير عادية.
الفرق بين متلازمة إسبرجر واضطراب طيف التوحد
بالمقارنة باضطراب طيف التوحد، نجد نقاط تشابه وأخرى اختلاف بينهما، فطفل إسبرجر يختلف عن طفل طيف التوحد في مستوى الأداء الوظيفي العقلي المرتفع، ولديه مهارات لغوية مرتفعة، ورغبة في إقامة علاقات اجتماعية بالآخرين، لكنه غالبًا ما يفشل في تطويرها.
لماذا يعاني طفل إسبرجر صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية؟
يواجه طفل إسبرجر تحديات على مستوى فهم الإشارات الاجتماعية، وصعوبة الانخراط في حوار متبادل مع الأقران، فضلًا على التفسير الحرفي لكلام الآخرين، وعدم القدرة على فهم ما وراء المعنى. فالنكتة أو المزحة قد تسبب مشكلات عديدة بالنسبة له. لك أن تتخيل أمًّا تقول لطفلها البطيء في حركته «انت ماشي على قشر بيض»! فما يكون من هذا الطفل إلا البحث عن البيضة وقشرتها وكيف له أن يمشي فوقها!
لذلك يوصف طفل إسبرجر أو يُتهم بأن تفكيره جامد غير مرن، لديه قصور في حل المشكلات الاجتماعية، وصعوبة في تعميم وتطبيق المهارات المكتسبة على مواقف مختلفة، غير قادر على إدراك مشاعر الآخرين، ومع ذلك لديه ذاكرة قوية جدًا، وقدرات مرتفعة في اكتساب المفاهيم المختلفة.
مشكلة طفل إسبرجر تتمثل خاصة في مهارات التواصل والتفاعل مع الآخرين، وعدم القدرة على حل المشكلات الاجتماعية التي تواجهه، وصعوبة فهم الإشارات والإيماءات والتعبيرات غير اللفظية التي يترتب عليها بالضرورة تحديات انفعالية متمثلة في اضطرابات التواصل الانفعالي، فيبدو عاجزًا عن فهم مشاعر الآخرين، وبذلك يواجه مشكلات كبيرة في الاندماج مع الآخرين والقدرة على التواصل الجيد معهم، كونه لا يستطيع التعبير عن تعاطفه في المواقف التي تتطلب ذلك، وهو ما يجعل أقرانه ينفرون منه.

على سبيل المثال، أحد الأصدقاء يخبره بحادث مروع، أو تجربة قاسية مرَّ بها، وتركت أثرًا نفسيًا سيئًا. في الوضع الطبيعي، من يستمع له يبدي تعاطفه سواء بالكلمات أو تعبيرات الوجه ولغة الجسد، لكنه في حالة طفل إسبرجر، فإنه عاجز عن كل ذلك، وهو أمر خارج عن إرادته.
ماذا عن المهارات الانفعالية لدى طفل متلازمة إسبرجر؟
من الأمور التي تنفِّر الأقران منه أيضًا، ليس فقط عدم إبداء التجاوب والتعاطف إزاء انفعالاتهم، بل أيضًا، لتمركز حديثه حول ذاته، فهو ليست لديه القدرة على الاستماع إلى ما يقوله الآخرون، فالحديث يسير في اتجاه أحادي، وبذلك يفتقد القدرة على إقامة الحوار.
لذلك تؤكد إحدى الدراسات «جولمان 2000» أن الطلاب ذوي المهارات الانفعالية المرتفعة أكثر شعبية ومحبوبون من أصدقائهم، وأيضًا القادرين منهم على التعبير عن انفعالاتهم بأساليب مقبولة اجتماعيًا، من المتوقع أن يكونوا أكثر تكيفًا وتوافقًا مع الأصدقاء.
في هذا السياق تشير دراسة «سهى أحمد أمين» إلى أن صعوبات التعبير عن الانفعالات من أكثر الصعوبات التي تواجه أطفال طيف التوحد، وتتمثل ملامحها في عدم قدرة هؤلاء الأطفال على التعبير عن الانفعالات سواء بالحركات أو ملامح الوجه أو الصوت أو الإشارات بأسلوب جيد. فالأطفال من ذوي متلازمة إسبرجر دائمًا ما يكون أداؤهم منخفضًا مقارنة بالأطفال العاديين فيما يتعلق بمهارات التعبير عن العواطف والانفعالات بمقدار ثلاث سنوات في الأقل.
التحديات التي تواجه أولياء الأمور في التعامل مع طفل إسبرجر
يواجه أولياء الأمور تحديات كبيرة في فهم مشاعر الطفل المصاب بهذه المتلازمة، خاصة وأنه لا يجيد التعبير عنها أو إظهارها، وهو أمر محير بالنسبة لأولياء الأمور للوقوف على حقيقة المشاعر التي يشعر بها الطفل ومن ثم إمكانية تقديم الدعم الذي يحتاج إليه.

تبدو الصعوبة جلية في أثناء وجود هؤلاء الأطفال في المدارس، فعلى الرغم من قدراتهم العالية على مجاراة أقرانهم في الروضة والمدرسة، فإن التحدي يكمن في صعوبات التواصل والتفاعل؛ ما يجعلهم أكثر عرضة لحالات القلق والاكتئاب، لوجودهم في بيئة لا يمكنهم التواصل معها.
العلاقة بين متلازمة إسبرجر وفرط الحساسية الحسية للأصوات العالية
تشير الدراسات إلى أن 70 - 80% من أطفال متلازمة إسبرجر يعانون اضطرابات في المعالجة الحسية، ومن أبرز المشكلات التي يواجهونها:
- حساسية شديدة للأصوات: قد ينزعجون من الأصوات العالية مثل جرس المدرسة أو المكنسة الكهربائية.
- انزعاج من بعض أنواع الملابس: قد يرفض ارتداء ملابس معينة بسبب ملمسها.
- خلل في الإحساس بالألم: قد لايشعر بالألم عند الإصابة، أو على العكس، قد يكون حساسًا للغاية تجاه اللمسات الخفيفة.
- مشكلات في التكيف مع الطقس: قد يرتدي ملابس شتوية في الصيف أو العكس، نتيجةً لعدم قدرته على إدراك الإحساس بالحرارة بدرجة طبيعية.
تُعد متلازمة إسبرجر اضطرابًا يؤثر في المهارات الانفعالية والاجتماعية للأطفال، ما يجعله يواجه تحديات في فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معهم. كما أن أولياء الأمور يحتاجون إلى استراتيجيات خاصة لمساعدته في التعبير عن مشاعره والتكيف مع محيطه. ومع استمرار البحث والدراسات، يمكن تطوير أساليب دعم أكثر فاعلية لتحسين جودة حياة الأطفال المصابين بهذه المتلازمة.
خلاصة القول، تشير نتائج الدراسات عن أطفال متلازمة إسبرجر، ومنها دراسة في جامعة هارفارد، إلى أن الاضطرابات الانفعالية إحدى أخطر المشكلات التي تواجه هؤلاء الأطفال، وأن لديهم قصورًا واضحًا في ترجمة المشاعر والانفعالات لهم وللآخرين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.