قد لا ننتبه دائمًا لتأثير وظائفنا اليومية في كيمياء أجسامنا، لكن البحوث الحديثة تشير إلى أن الأدوار الاجتماعية التي نؤديها قد تغيّر مستويات الهرمونات لدينا، فتؤثر في مشاعرنا، وعلاقاتنا بأزواجنا وأطفالنا. الرجل الذي يشارك في تربية أبنائه، والمرأة التي تتحمل مسؤوليات قيادية، يتغير تركيبهم البيولوجي تدريجيًا ليواكب ضغوط الحياة الحديثة. فهل يمكن أن تفسّر الوظيفة سلوك الرجل؟ وهل تتراجع رغبة التعدد فعلًا حين يشارك الرجل في تربية أطفاله؟ هذا ما نحلله في المقال بالاستناد إلى دراسات علمية موثوقة.
قرأتُ مرة في مقال أن رجل الكهوف القديم اعتاد التنقل الدائم والبحث المستمر عن الطعام والشراب الجيد لأسرته، بعيدًا عن أطفاله وزوجته، فبذلك فإن رجل الكهوف القديم كان فِكرة تعدد الزوجات لديه أكبر، وارتباطه بأسرته وأولاده أقل. فهل وظيفة الرجل تؤثر في قراراته وعلاقته بزوجته وأولاده؟ هذا ما أثار فضولي للبحث عن الأساس العلمي لذلك، وهذا ما سوف أطرحه في المقال.
هل تغيَّرت الأدوار؟
كيف يؤثر العمل والاستقلال على هرمونات الرجل والمرأة؟
في زمن أصبحت فيه المرأة تعمل وتتحمّل المسؤوليات، والرجل يشارك في تربية الأبناء وأعمال المنزل، انتشرت فكرة تقول إن الأدوار الاجتماعية قد تؤثر في هرموناتنا:
«الرجل الذي يساعد زوجته أو يعتني بأطفاله يزداد لديه هرمون الأنوثة، والمرأة التي تعمل كثيرًا وتتحمل أدوارًا قيادية يرتفع لديها هرمون الذكورة!»، فما مدى صحة هذه الفكرة؟ وهل فعلًا تتغير كيمياء أجسادنا بتغير الأدوار التي نؤديها؟

أولًا: الرجل القديم والرجل الحديث.. ما الذي تغير؟
في المجتمعات البدائية، كان الرجل يؤدي دور «الصياد» والمسؤول عن توفير الطعام والحماية. وكانت علاقته بأسرته محدودة نسبيًا، ما ارتبط بمستويات مرتفعة من هرمون التستوستيرون، وهو هرمون الذكورة المرتبط بالقوة، الحسم، الميل للتنافس، وأحيانًا التعدد.
لكن مع تطور المجتمعات وتغير أنماط الحياة، بدأ كثير من الرجال يشاركون في تربية الأبناء، ويقضون وقتًا أطول داخل الأسرة. ووفقًا لعدة دراسات علمية:
1. الدراسة الفلبينية المشهورة
المنشورة في مجلة (PNAS) عام 2011، وُجد أن الرجال الذين يشاركون فعليًا في رعاية أطفالهم تنخفض لديهم مستويات التستوستيرون، وترتفع مستويات هرمونات مثل:
-
الأوكسيتوسين: هرمون الحب والارتباط
-
البرولاكتين: هرمون يرتبط بالتعاطف والرعاية
-
الإستراديول: أحد أنواع هرمون الأستروجين، ويوجد بنسب قليلة لدى الذكور
هذه التغيرات تجعل الرجل:
-
أكثر قربًا عاطفيًا من أسرته
-
أقل ميلًا للعدوانية أو التعدد
-
أكثر استقرارًا نفسيًا ورضًا عاطفيًا
2. دراسة في جامعة (Emory University)
أثبتت أن الرجل الذي يحتضن أطفاله، أو يتفاعل معهم يوميًّا، يرتفع لديه الأوكسيتوسين، وهذا بدوره يزيد الرضا عن العلاقة العاطفية ويقلل التفكير في علاقات خارجها.
ثانيًا: المرأة التي تؤدي أدوارًا «ذكورية».. ما الذي يحدث؟
حين تتحمل المرأة مسؤوليات تقليدية كانت تُنسب للرجال -كالقيادة، العمل تحت الضغط، واتخاذ قرارات حاسمة- فإن جسدها يبدأ في التكيّف بيولوجيًا مع ذلك.

وقد ثبت في دراسات، منها دراسة لجامعة (ستانفورد)، أن المرأة في البيئات التنافسية قد تشهد ارتفاعًا طفيفًا في هرمون التستوستيرون. وهذا لا يعني أنها «أصبحت رجلًا»، بل أن جسمها يستجيب للضغط والمسؤولية، ما يمنحها:
-
طاقة أكبر
-
قدرة على الحسم
-
لكن أيضًا مستويات توتر أعلى، وشعورًا بالوحدة أحيانًا
وعندما تدخل المرأة في بيئة آمنة نفسيًا، أو تحظى بعلاقات داعمة ومليئة بالحب، تعود مستويات الأوكسيتوسين والاستروجين إلى الارتفاع، فتعيد إليها الشعور بالدفء والاتزان العاطفي.
الهرمونات تتكيف والجوهر لا يتغير
نحن لا نصبح «أقل رجولة» أو «أقل أنوثة» حين نؤدي أدوارًا غير تقليدية، لكن أجسادنا تتكيَّف بيولوجيًا مع البيئة والضغوط المحيطة بنا. الهرمونات تتغير، نعم، لكنها لا تغيّر جوهرنا، بل تدعمنا كي نواجه واقعنا.
مقارنة بين التغيرات الهرمونية وتأثيرها النفسي والسلوكي
| الحالة | التغيرات الهرمونية | التأثير النفسي والسلوكي |
| الرجل «القديم» (غير المشارك في الأسرة) | ↑ التستوستيرون – ↓ | ميل للتعدد – رغبة في السيطرة |
| الرجل «الحديث» (المشارك في المنزل) | ↓ التستوستيرون – ↑ الأوكسيتوسين | استقرار – عاطفة – التزام |
| المرأة في دور قيادي أو تحت ضغط | ↑ التستوستيرون – ↓ الأوكسيتوسين | قوة – توتر – إرهاق |
| المرأة في بيئة داعمة عاطفيًا | ↑ الأوكسيتوسين – ↑ الاستروجين | دفء – ارتباط – راحة نفسية |
الأدوار الاجتماعية وتوازن العلاقات الأسرية
إن الأدوار الاجتماعية والوظائف التي نقوم بها لا تغيّر هويتنا، لكنها تؤثر في أجسادنا بطرق لا ندركها. نحن نمتلك قدرة مدهشة على التكيّف، وما نحياه كل يوم يصنع تركيبتنا الهرمونية، ثَمّ مشاعرنا.
إن مشاركة الرجل في الأعمال المنزلية وعنايته بأطفاله تجعله أكثر ارتباطًا بأسرته وتقلل نسبة التعدد لديه، ثم إن مشاركة المرأة الرجل في مهماته تجعلها أكثر فهمًا للرجل وطبيعته، وبذلك تقل المشكلات والخصومات، إن الأمر لمفيد حقًا إذا مارسناه باعتدال ووعي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.