إن كثيرًا من الممارسات التي يفعلها الإنسان وتكون على هيئة ظواهر اجتماعية ومن غير قصد وبطريقة شبه تلقائية، لتنطوي في مضامينها بعفوية، غايتها خلق حالة من التوافق بين أبناء الجنس البشري.
تنسجم إلى أبعد الحدود مع طبيعته الإنسانية الودية وجنوحه إلى خلق تناغم وانسجام، وإبراز اعتراف ضمني للرضا وتقبل الآخر، مع ميول أيضًا لتمرير حالة تميزية تلبي طموحاته الإنسانية لحب الظهور وإبراز المواهب الفردية.
قد يعجبك أيضًا استراتيجيات التسويق في صناعة الموضة والأزياء من كتاب "تسويق الأزياء"
الموضة تخلق التميز
وهذه الحالات كثيرة ومتعددة كالنكتة والتفوق والموضة التي هي محور حديثنا هنا.
يقول بل غيتس: «إن الشركات المنتجة للألبسة اخترعت الماركات للأغنياء فصدقها الفقراء».
وهذه مقولة مهمة تبين لنا أن وجود الماركة أي الموضة غايتها وجود تلك الحالة التميزية عند بعض البشر، وضمن جماعات معينة قادرة ماديًّا على امتلاكها، إلا أن التقدم العلمي في هذا المجال أدى إلى وفرة كبيرة في الإنتاج والتنوع والتعدد.
فكثرة المنتج وفتح الأسواق أتاحا المجال لطرح كثير من الماركات الرائدة وأسعار شبه مقدور عليها، ما أدى بالغالبية العظمى وبسهولة لامتلاك هذه المنتجات وممارسة التفرد والتميز بامتلاكها والتمظهر بها، فأصبحت الموضة أكثر انتشارًا وتداولًا وعلى مستويات أعم وأكبر.
وبات أي إنسان لا يحصل على ولو منتج واحد في الأقل، يعد مغردًا خارج السرب، فحمى الامتلاك بغاية التميز أصبحت من الممارسات الضرورية، إضافة إلى امتلاك النوع الجيد من المنتجات، وأضحت رسالة غير مكتوبة تصدر للجميع دون ضجيج أو صخب.
في القرن الماضي كان المنتج يصنع بحرفية ودقة وإتقان إلى أبعد الحدود، لأن عملية الصنع كانت مترافقة مع أبعاد أخلاقية ونفسية، تضمن للمنتج أن يخرج بأفضل وأرقى صناعة، وذلك من غير أي اسم تجاري يذكر، بقدر ما يحمل ذلك المنتج اسم صانعه الأصلي، فبالدلالة على المنتج يستدل على صاحبه، وبذلك على مستوى القيم والأخلاق اللذين يتمتع بهما.
فبواسطة منتجك أستدل وأحكم على أخلاقك ورفعتها، أما اليوم وبحلول الاسم التجاري مع الشعار للمنتج فقد أصبح الصانع مجهولًا، وأصبحت معه الأحكام على الأشخاص الصانعين مستحيلة، فلم يعد يوجد أي مجال لمعرفة الصانع الفردي لأن العمل آلي جماعي استهلاكي بحت.
قد يعجبك أيضًا أحدث صيحات موضة الملابس والإكسسوارات
حب الامتلاك
وأما التقييم فقد أصبح للشركات ورؤوس الأموال والأسواق، ما أسهم في عدم ممارسة العمل الأخلاقي وأضحى مكانه تقديس القيمة المادية.
إن امتلاك المنتج الموضوي لم يعد بغاية التميز فقط، بقدر ما أضحى محاولة لامتلاك النوعية الأفضل والجيدة والمتينة، فأصبح التميز بها لجودتها أكثر من اسمها.
وكأن لسان الحال يقول إنه لا يوجد مجال للحديث عن أي إنتاج تجاري فردي وبجودة عالية ومتقنة، لأن الكلفة ستكون كبيرة وباهظة جدًّا، فنستغني عنها وبذلك نستغني عن الأعمال الفردية، وهذه محصلة طبيعية لسيطرة النظام الرأسمالي على مجال الإنتاج والصناعة.
وعلى هذا السيطرة على القيم والأخلاق والمبادئ، فحل تقييم وسمو الاسم التجاري المجرد عن الصفات الأخلاقية بديلًا عن التقييم الإنساني الفردي، وأضحى الإنسان رهين الشركات الكبرى التي بدأت بالتخلي عنه لمصلحة الإنسان الآلي.
وفي الحقيقة فإن المنتج الجيد والمتقن هو الشيء الطبيعي الذي يجب أن يكون عليه ذلك المنتج، وبتلك المواصفات التي جعلت منه ماركة وموضة.
ولكثرة الإنتاج السيئ الذي يسمى "تجاريًّا" أصبح الطبيعي هو حالة استثنائية نتصارع ونتهافت لامتلاكها والتمتع والتباهي بها بآن معًا.
فهنيئًا لنا بمنتجات صماء، صنعت ووصلت إلينا من غير أحاسيس ودفء مشاعر صانعها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.