في العصر الرقمي، لم يعد التأثير مقتصرًا على النجوم والشخصيات العامة، بل برز فئة جديدة من «النجوم» الذين يطلّون من شاشات هواتفنا، إنهم المؤثرون الذين استطاعوا أن يصبحوا جزءًا من حياة جيل برمته، جيل وُلد وسط القصص القصيرة والترندات المتلاحقة. في هذا المقال، نستعرض كيف تحوّل هؤلاء المؤثرون من صانعي محتوى إلى شركاء في تكوين الذوق والهوية والقرارات النفسية والمادية لجيل زد، الجيل الذي أصبح يرى العالم من شاشة.
في زمنٍ لم تعد الشاشة فيه مجرد نافذة على العالم.. بل أصبحت مرآة نرى فيها أنفسنا كما يريد لنا الآخرون. فبين وميض الشاشات وتتابع القصص، وُلد جيلٌ جديد عرف بجيل زد.
عرَّف مركز بيو للبحوث جيل زد بأنهم الأشخاص الذين وُلدوا تقريبًا بين أواخر التسعينيات وبداية العقد الثاني من الألفية الثالثة (نحو 1997–2012)، هذا الجيل الذي يرى الحياة عبر القصص المصوَّرة والمنشورات التي تصنعها شخصيات تحولت من مجرد مؤثرين إلى صانعي واقع تسلل إلى حياتهم بصمت، فغيَّر أفكارهم، وذوقهم، وقناعاتهم.. دون أن ينتبهوا.
فمن هؤلاء المؤثرون؟ وما أدواتهم للتأثير في هذا الجيل؟
نجم العصر الرقمي
لم تعد النجومية حكرًا على الشاشات الكبيرة، بل وُلد نجم جديد.. أقرب وأعمق تأثيرًا على الناس: الإنفلونسر. فبجهاز ذكي، وحضور لافت، وتفاعل صادق مع المتابعين، يمكن لأي شاب أن يصبح جزءًا من المشهد العام، وأن يصنع محتوى يتجاوز حدود الترفيه ليؤثِّر في الآراء والذوق حتى أنماط الحياة.

الإنفلونسر اليوم ليس صانع محتوى فقط، بل شريك يومي في تفاصيل حياة متابعيه، يطلُّ عليهم من شاشتهم الصغيرة ليشاركهم لحظاتهم، وأفكارهم، وقراراته، وأحيانًا مشاعره الأكثر خصوصية.
وهنا يكمن جوهر التأثير: علاقة تنشأ من الألفة، وتتغذى على الثقة. تأثير يتسلَّل بهدوء.. ويزرع حلمًا لدى كثيرين من جيل زد بأن يصبحوا من المؤثرين.
جيل الـ«لايك» والحلم الكبير.. لماذا يريدون أن يصبحوا مؤثرين؟
اليوم، يطمح كثير من شباب جيل زد إلى أن يكونوا نجومًا على السوشيال ميديا، ولكل منهم أهدافه الخاصة. ففي دراسة حديثة أجرتها شركة «مورنينغ كونسلت» المختصة في بحوث الإنترنت عام 2023، كشفت أن 57% من جيل زد يحلمون بالعمل بصفتهم مؤثرين، في حين قال 53% منهم إنهم مستعدون لترك وظائفهم تمامًا إن أُتيحت لهم الفرصة للعمل في هذا المجال.
وأشارت الدراسة إلى أن المحتوى الذي يرغب هؤلاء الشباب في تقديمه متنوِّع؛ فبعضهم يخطط لصناعة محتوى حول الطعام، وآخرون يهتمون بالموضة، في حين لم يحسم البعض طبيعة المحتوى، لكن اللافت أن الأكبر عبَّرت عن رغبتها في تقديم محتوى يركِّز على الألعاب الإلكترونية والتعليق عليها، بعدِّها جزءًا أساسيًّا من يومياتهم وهواياتهم.
الأرقام لم تقف عند الطموح، بل امتدت إلى المتابعين أنفسهم، إذ أشارت «إلين بريغز»، خبيرة العلامات التجارية في شركة «مورنينغ كونسلت» إلى أن 63% من متابعي المؤثرين يرغبون بأن يصبحوا مثلهم.
من قلب هذه الأرقام تخرج قصص حقيقية.. كقصة دُنيا إيهاب، خريجة كلية الإعلام 25 عامًا، التي بدأت رحلتها بالصدفة. تقول: «كنت دومًا أحلم أن أكون قريبة من الناس، أن أترك أثرًا يُذكر». فيديو بسيط جمعها بوالدتها، يحمل لمسة فكاهية، فتح لها باب الانتشار، دون أن تتوقع هذا النجاح.
لكن دنيا لم تتوقف عند الصدفة، بل قررت أن تحوِّل حضورها إلى رسالة. اليوم، تقدِّم محتوى متنوعًا يمزج بين النصائح الحياتية والدينية، بأسلوب شبابي خفيف وسهل، يُشبه جيلها، ويعبِّر عنه.
تقول دنيا: «أسعد كثيرًا عندما تقابلني فتيات ويخبرنني أن محتواي الهادف كان له أثر جميل في حياتهن.. هذا وحده يجعلني أستمر».
دُنيا إيهاب صانعة محتوى
ولم يعد دور المؤثرين أمثال دنيا محدودًا بكونه «أثرًا جميلاً في حياتنا»، بل امتد إلى ما هو أكبر من ذلك، ليؤثر في قراراتنا اليومية، وما نختاره ونشتريه.
من الشاشة إلى عربة التسوق.. كيف يوجِّه المؤثرون قرارات الشراء؟
حسب دراسة أجرتها شركة Matter Communications عام 2023، أقرَّ 81% من المستهلكين أنهم بحثوا أو اشتروا أو فكروا في شراء منتج أو خدمة بعد رؤية منشورات من الأصدقاء أو المؤثرين أو العائلة، وكشف تقرير حديث صادر عن HubSpot عام 2024 عن أن جيل زد يعتمد بصورة أساسية على توصيات المؤثرين والمحتوى القصير لاكتشاف منتجات جديدة، متفوقين بذلك على الإعلانات التقليدية في التأثير الشرائي.

وفي السياق المحلي، توصلت دراسة مصرية حديثة إلى أن جاذبية المؤثر وخبرته ومصداقيته تؤثر بصورة مباشرة في نيات الشراء لدى المتابعين المصريين، ولا سيما من فئة الشباب. كل هذه العلامات ترسم ملامح سوق جديدة تقودها توصيات الإنفلونسرز، إذ باتت عربة التسوق تتبع الخوارزميات أكثر مما تتبع العروض التلفزيونية.
دوافع جيل زد لمتابعة المؤثرين.. بين التسلية والتعلم وتشكيل الهوية
تتعدد دوافع شباب جيل زد لمتابعة المؤثرين، وتشير دراسة منشورة في المجلة العلمية لبحوث الإذاعة والتلفزيون إلى أن أبرز هذه الدوافع يبدأ بالتسلية والترفيه، ثم يلي ذلك دافع الاطلاع على كل ما هو جديد من ترندات وأفكار تساعدهم في مواكبة العصر. أما دافع التقليد فهو الأخير، لكنه يؤدي دورًا مهمًا في تكوين الهوية الشخصية وأسلوب الحياة، بجانب دافع الاستفادة الشخصية من المحتوى المفيد والموجه حسب اهتمامات كل فرد.
وهذا ما تؤكده إسراء مصطفى، طالبة في كلية الآداب، التي تقول: «أتابع كثيرًا من البلوجرز المتخصصين في مجالات الموضة والعناية بالبشرة والميكب. أجد في محتواهم أفكارًا جديدة، مثل طرق تنسيق الملابس أو لفّات الطرح الجديدة، وأحيانًا وصفات أكلات جذابة. فالمتابعة عندي ليست ترفيهًا فقط».
على الرغم من إعجابها بهذه المحتويات، تؤكد إسراء أنها لا تتأثر نفسيًّا بالمظاهر المبالغ فيها التي يعرضها بعض المؤثرين، مثل السفر أو حياة الرفاهية، فهي لا تقارن حياتها بحياتهم لأنها تدرك أن ما يُعرض هو جزء محدود من الواقع.
بينما أشارت سما مدحت، الطالبة بالصف الثالث الإعدادي في مدرسة القديس يوسف، إلى أن عددًا من صديقاتها المقربات يتأثرن نفسيًّا بمحتوى الإنفلونسرز، خاصة ما يتعلق بالسفر المستمر وأنماط الحياة الفاخرة التي تظهر على حساباتهم. هذا التأثير أحيانًا يسبب لهن ضغطًا نفسيًّا نتيجة المقارنة المستمرة مع ما يعرضونه من صور لحياة مختلفة تمامًا عن واقعهن.
من وراء الشاشة إلى داخل النفس.. كيف يؤثر الإنفلونسر على جيل زد نفسيًّا؟
أظهرت دراسة في المجلة الطبية الوطنية الأمريكية أن أنماط الحياة المثالية التي يعرضها بعض المؤثرين تخلق حالة من المقارنة المستمرة، ما يولِّد شعورًا بعدم الكفاية وتدنِّي تقدير الذات، خصوصًا لدى الفتيات، وكشفت دراسة تحليلية من شركة ماكينزي أن أكثر من نصف أفراد جيل زد يشعرون بضغط نفسي متزايد، لا سيما عند تعرضهم المستمر لحياة «مثالية» ينشرها المؤثرون عبر المنصات المختلفة.
كل هذا يؤكِّد أن محتوى المؤثرين يمكن أن يكون له تأثير مزدوج: إما يرفع من مستوى القلق والتوتر أو يعزِّز من الوعي والثقة، وهذا يعتمد على نية المحتوى وكيفية تقديمه.

وأشار الداعية مصطفى حسني في برنامجه «كنوز» على قناة ON E إلى أن كثيرًا من الشباب أصبحوا أسرى لمقارنات لا تنتهي، يطاردون صورًا مثالية لحياة الآخرين، فيشعرون بالنقص وتضيع ثقتهم بأنفسهم.
وجاءت الدكتورة نانسي بنيامين، اختصاصية الصحة النفسية، لتؤكِّد هذه الرؤية في مداخلة ببرنامج «هي ومي»، موضحةً أن المحتوى الزائف الذي ينشره بعض المؤثرين يُشعِر المراهقين بالضغط والقلق، ويؤثِّر سلبًا على حالتهم النفسية.
نماذج ملهمة.. كيف يصنع المؤثرون المصريون محتوى يثري الروح والعقل
- الدحيح
- حجاجفيتوش
- جبس مصر
لا يقتصر تأثير المؤثرين في جيل زد في مصر على الجوانب السلبية فقط، بل يبرز من بينهم منارات مضيئة تنشر الوعي وتبني ثقة الشباب بأنفسهم. من هؤلاء:
أحمد الغندور المعروف بـ«الدحيح» الذي حقَّق شهرة واسعة بتقديمه للعلوم بطريقة مبسطة وسلسة، تبتعد تمامًا عن التظاهر والسطحية. محتواه يُمكن الشباب من رؤية العالم بعين عقلانية وعمق فكري، محاربًا بذلك التأثيرات السلبية للمقارنات المزيفة التي تؤرّق النفوس.
أما أحمد حجاجوفتيش، فهو الشاب المصري الذي يأخذ متابعيه في رحلات فلوجية في أنحاء العالم، يعرضها بعفوية وصدق، مانحًا صورة حقيقية لحياة متنوعة ومملوءة بالتجارب الواقعية، ملهمًا بذلك أجيالًا من الشباب للسعي وراء تجاربهم الخاصة بثقة وجرأة.
وفي مشهد مقابل يكشف جانبًا من الواقع الزائف خلف بعض المؤثرين، خرج صانع المحتوى المعروف باسم «جبس مصر» باعتراف بعد مرور 4 سنوات على نشر مقاطع شهيرة عن حياته الشخصية. أقرَّ بأنه قدَّم فيديو يُعلن فيه عن جنس مولوده، في حين أن زوجته لم تكن حاملًا، تلاه مقطع آخر بعنوان «بنتي في الجنة»! أوضح «جبس مصر» أن دافعه لم يكن سوى جذب المشاهدات ورفع نسب الوصول (الريتش)، وهو ما يلجأ إليه بعضهم من أجل الشهرة على حساب المصداقية. فيؤثرون سلبًا في الشباب الذين يضعونهم في موضع القدوة.

كيف غيَّرنا المحتوى الهادف؟
يوجد محتوى مختلف استطاع أن يترك أثرًا أعمق في نفوس شباب جيل زد، محتوى لا يكتفي بإضحاكهم، بل يدفعهم للتغيير.
محمد مدحت، طالب في المرحلة الثانوية، لم يكن مهتمًا كثيرًا بالرياضة، حتى صادف فيديوهات اليوتيوبر المصري حسام منصور الذي يقدم محتوى موجهًا للشباب عن بناء العادات الصحية، وأساسيات التمرين. يقول محمد: «بقيت أتمرن بانتظام، وثقتي بنفسي زادت جدًا، وكل ده بدأ من فيديو بسيط شفته لحسام».
وعلى الجانب الروحي، تشير جنى سيد، الطالبة في الصف الأول الثانوي، إلى أن متابعتها لأحمد عامر الذي يقدم محتوى دينيًّا هادئًا ومتزنًا، جعلها تتأمَّل في علاقتها بالله بصورة أعمق.
أما مريم حسام، خريجة كلية الآثار، فتؤكِّد أن متابعتها لقناة «بيس كيك» التي تقدِّم محتوى ترفيهيا ومسابقات مبتكرة، ساعدتها على الخروج من حالة ملل، وكانت سببًا في استعادة شغفها بالحياة والتفاعل.
بعد رحلة طويلة في عالم جيل زد ودور المؤثرين فيهم، يتضح أن هذا العالم الرقمي يحمل فرصًا وتحديات، إذ يمكن للمحتوى الهادف أن يغيِّر حياة الشباب للأفضل، وفي المقابل قد يترك المحتوى غير المسؤول آثارًا سلبية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل نحن مستعدون لنختار المؤثرين الذين يبنون عقولنا، أم سنظل نترك الفوضى تتحكم في حياتنا الرقمية؟
وهل نبدأ هذه الخطوة اليوم؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.