تأثير السوشيال ميديا في العلاقات

نظرًا لأني من مواليد القرن الحادي والعشرين، وكغيري من شباب هذا الجيل، شرعت في البحث عن الغرام بين صفحات إنستغرام، حتى وجدت الفتاة التي بدأت تعيرني الاهتمام؛ تتبادل معي الإعجاب على الصور والقصص، وتتحدث معي في الأمسيات الصيفية الدافئة. ولكن، بعد مرور شهر واحد فقط من تلك العلاقة التي تفصل بينها شاشات الهواتف، بدأت ألاحظ فتورًا في ردودها، وتغيُّرات في سلوكها، حتى جاء اليوم الذي اختفت فيه فجأة، وقامت بحظر حسابي.

نظرًا لأني تعلّقت بها بشدة، فقد ترك اختفاؤها المفاجئ من حياتي فجوة في عواطفي، خواءٌ ابتلع الحياة. ولأن لكلٍّ منّا صديقًا واحدًا في الأقل خبيرًا في العلاقات النسائية، ولا سيما علاقات «إنستغرام» و«سناب شات»، لجأت إلى ذلك الصديق ليُحلِّل سبب رحيلها وفتور مشاعرها.

وفوجئت حين أخبرني صديقي هذا أن السبب وراء ذلك هو «سذاجتي». سألته عمّا يقصد، فأجابني: «لأنك تبحث عن الحب في زمن التسلية والترفيه والعلاقات العابرة»، وأوضح أننا -جيل «إنستغرام»- لا نبحث عن علاقات غرام طويلة المدى، بل عن علاقات لا يزيد مداها على شهر، غرضها التسلية وملء الفراغ. وبانتهاء تلك العلاقة نفتّش عن أخرى جديدة، لكن دون الوقوع في سذاجة الحب. وصدمني حين سألني إذا كنت متحقِّقا من كونها فتاة حقيقية أم كانت مجرد حساب بهوية زائفة، إذ يقع كثير من الشباب في ذلك الفخ. في النهاية، نصحني بأن أسلك الطريق الشائع، ألا وهو الدخول في علاقات كثيرة قصيرة المدى غرضها المتعة العابرة فقط.

هل لك أن تتخيل، عزيزي الإنسان، أننا قد بدأنا نرى الحب والعلاقات المستقرة الجادة بشريك واحد مجرد «سذاجة» في زمن «إنستغرام» و«سناب شات»؟ أصبحنا جيلًا يهتم فقط بالمتعة اللحظية، يخشى الالتزام والمسؤوليات الطويلة، غارقًا في نشوة العلاقات العابرة التي تفصل بينها الشاشات. هل سألت نفسك من قبل إن كان كل ذلك حقيقيًا؟ يُمكن وصف هذه الظاهرة بأنها ثقافة «العلاقات الخفيفة».

في الماضي، كان الهدف النهائي من التعارف هو الزواج أو الارتباط طويل الأمد. أمّا الآن، فقد أصبحت العلاقات مجرد وسيلة لسد فراغ عاطفي أو اجتماعي مؤقت، دون أي نية للالتزام. يمكن تشبيه تلك العلاقات العابرة المرتكزة على المتعة الآنية بالوجبة السريعة؛ فهي مُرضية في لحظتها لكنها لا تغذي الروح على المدى الطويل، وحين انتهاء المتعة أو الشعور بالملل، يتم الانتقال إلى «منتج» جديد.

لقد أثّرت الثقافة الرقمية بشكل كبير على نظرتنا للحب والعلاقات، وأصبحت تشبه كثيرًا سوقًا استهلاكيًا، إذ يُنظر إلى الشريك المحتمل كمنتج يمكن اختياره واستبداله من بين آلاف الخيارات. لقد أدّى وجود خيارات لا نهائية إلى زيادة الخوف من الالتزام بعلاقة واحدة. يُسمّى هذا بـ«مفارقة الاختيار»، إذ إنَّ كثرة الخيارات التي تعرضها تلك التطبيقات لا تجلب الرضا، بل تزيد من الشعور بالقلق من أن يكون هناك «خيار أفضل» في مكان آخر. تلك الثقافة المبنية على التقييم السريع للآخرين بناءً على صورهم ووصفهم القصير أدّت إلى التقليل من قيمة التواصل العميق والمعرفة الحقيقية.

في الماضي، كانت العلاقات تُبنى على أساس التواصل الفكري، والقيم المشتركة، والأهداف المستقبلية. أمّا الآن، فقد أصبح المظهر الخارجي هو العملة الأساسية في سوق العلاقات الرقمية، إذ صارت العلاقات تُبنى على أساس الإعجاب بالصور بدلًا من بناء رابط حقيقي قائم على التفاهم والثقة. ومع هيمنة تطبيقات مثل «إنستغرام» و«سناب شات»، أصبح تقديم «صورة مثالية» عن النفس أمرًا بالغ الأهمية. يُنشئ الأفراد نسخًا معدّلة من حياتهم، تركز على اللحظات السعيدة والمظهر الجذاب، ممّا يخلق توقعات غير واقعية لدى الآخرين.

بمرور الوقت، صرت متيقنًا من أن تلك العوالم الافتراضية باتت تجردنا من مشاعرنا الإنسانية، وتخلق واقعًا موازيًا بمعايير وشروط مبتدَعة. لا عيب في أن نسلك طريق الحداثة والتطور ونهجر العادات القديمة المملّة، ولكن ليس على حساب القيم الإنسانية الأساسية التي لا ينبغي أن تتأثر بعامل الزمن. فبدلًا من تلك النظرة الاستهلاكية التي ترى الشريك كمنتج قابلًا للاستبدال، يمكننا تطبيق مفهوم «الاستثمار» الذي يركز على قيمة الشريك كإنسان فريد لا يمكن تعويضه. هذا يؤسّس لعلاقة جادة قائمة على الاحترام المتبادل، وليس تسلية مؤقتة.

في النهاية، يجدر بي السؤال: هل أصبحت أعمق المشاعر الإنسانية تُختزل في مجرد لعبة تسلية تنتهي بضغطة زر في عصر الثقافة الرقمية والمتعة اللحظية؟ إن الحل يكمن في فهمنا لتأثير السوشيال ميديا على العلاقات، وإعادة تقييمنا لقيمنا الأساسية، ومحاولتنا المستمرة في إعطاء الأولوية للتواصل الحقيقي والعميق، وأن نتذكر دائمًا أن الحب الحقيقي هو استثمار في الروح، وليس استهلاكًا للمتعة العابرة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال رائع 😎 وبداية موفقة يا مكاريوس
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة