كيف تتلاعب بنا المنصات؟ فهم تأثير الخوارزميات في قراراتنا اليومية

تأثير الخوارزميات في قراراتنا اليومية أصبح واقعًا ملموسًا، وإذا كنت تتساءل: هل أصبحت الخوارزميات تتحكم في اختياراتنا؟ فالإجابة هي نعم؛ لأنها توجه الرغبات الاستهلاكية عبر هندسة بيئة القرار.

في هذا الدليل، نكشف لك عن كيف تؤثر الخوارزميات على خياراتنا؟ وكيف تستغل هرمون الدوبامين والتصفح، مع تقديم أفضل طرق الحد من تأثير الخوارزميات لتفعيل تأثير الوعي الرقمي في قراراتنا الشرائية والمصيرية. وكيف أثَّر تطور الخوارزميات في سلوك المستخدم، ونشرح لك كيف تتوقع الخوارزميات القرارات قبل اتخاذها، وكيفية تحويل الاختيارات اليومية إلى سلع استهلاكية.

في الحقيقة، أصبحت الخوارزميات تؤثر كثيرًا في قراراتنا اليومية، وهو ما يحدث بطريقة موجَّهة ومحسوبة بواسطة ما يُعرف بتشكيل بيئة القرار، وتوجيه الرغبات الاستهلاكية، والتأثير الكبير في حياتنا وقراراتنا الحاسمة، وهو ما تُظهره الدراسات والإحصائيات الحديثة.

كيف تتحكم الخوارزميات في اختياراتنا؟

توجِّه الخوارزميات اختيارات المستهلكين اليومية بطريقة غير محسوسة؛ لذا يسأل بعض المهتمين: كيف تمارس الخوارزميات التحكم الناعم في المستخدمين؟ الإجابة ليست سهلة، وبكن سنوضحها في النقاط التالية:

  • هندسة الاختيار: عن طريق هندسة الاختيار تقود الخوارزميات المستهلكين إلى محتوى محدد يمكن متابعته وقراءته ومشاهدته على الإنترنت، من نتائج البحث إلى منشورات التواصل.
  • توجيه الرغبات الاستهلاكية: يتجلى تأثير الخوارزميات كبيرًا في الإعلانات المتتابعة التي توجِّه المستهلكين إلى شراء منتجات معينة بناءً على بيانات سابقة.
  • فقاعات التصفية: تعتمد الخوارزميات على وضع المستهلك في فقاعات تتوافق مع آرائه ومعتقداته، وعلى هذا يبدو راضيًا ويستمر في الاستهلاك، لكنها في الحقيقة قد أفقدته القدرة على الاطلاع على الرؤى المختلفة والوجهات الأخرى المتعارضة مع وجهته.
  • القرارات المصيرية: مع الوقت، لم يعد توجيه الخوارزميات للمستهلكين مقتصرًا فقط على المحتوى والترفيه والتسوق، وإنما بدأ الأمر يرتبط بقرارات مصيرية مثل الوظائف والقروض والارتباط العاطفي.
  • إدارة الانتباه: الهدف الأساسي للخوارزميات التي تتحكم في التواصل الاجتماعي هو إبقاء الشخص متصلًا لأطول مدة ممكنة، وهو ما يجعله منتبهًا مدة طويلة؛ ما يُفقده القدرة على أداء كثير من المهام الأخرى ذات الأولوية.

كيف تستغل الخوارزميات هرمون الدوبامين لتوجيه المستهلكين؟

على الرغم من أن الخوارزميات لا تُجبر أي شخص على الشراء أو الاستهلاك أو اختيار السلعة بالقوة، فإنها في الوقت نفسه تستخدم الدوبامين لدفعك لاتخاذ القرار بنفسك وبمنتهى الرضا عن طريق الخطوات التالية:

  • مبدأ المكافأة المتغيرة: يشبه الأمر ما يحدث في الألعاب وماكينات القمار، فلا يعرف الشخص ماذا ينتظره عندما يسحب الشاشة؛ فقد يجد خبرًا مثيرًا أو صورة جميلة أو تعليقًا حادًا، وهو ما يحفز إفراز الدوبامين بشكل كبير كمكافأة غير متوقعة.
  • التحفيز الفائق: تعتمد الخوارزميات على استخدام محفزاتك الشخصية التي تظهر في معدل النقرات والتوقف أمام الصور ومتابعة الأخبار لتبني لك ملفًا عصبيًا، وعلى هذا تظهر لك ما يلائم حالتك النفسية؛ وهذا يجعلك لا تقاوم المكافأة أبدًا.
  • التمرير اللانهائي: كلما استمتعت بالمحتوى والمعلومات، تدفقت أكثر ومنحتك المكافآت ووعدتك بمكافأة جديدة، هذا الربط بين هرمون الدوبامين والتصفح يُطلق عليه حالة التصفح الزومبي، فيتورط فيها الدماغ ويتخذ قرارات استهلاكية آلي دون حتى الحاجة إلى هذه المنتجات.
  • الضغط الاجتماعي: في كثير من الأحيان تستخدم الخوارزميات الضغط الاجتماعي لكي تجبرك على الاستمرار في التصفح واستهلاك المحتوى. فعلى سبيل المثال قد تتلقى تعليقًا مرضيًا أو عددًا كبيرًا من الإعجابات دفعة واحدة لتشعر بالسعادة وتعود إلى المنصة مرة أخرى.

تعتمد الخوارزميات الحديثة على ما يُعرف بـ(Predictive Analytics) أو التحليلات التنبؤية، هي لا تكتفي بجمع بياناتك الحالية، بل تحلل سرعة تمريرك للشاشة وأوقات توقفك عند صور معينة ولو لأجزاء من الثانية.

هذا النمط الدقيق يسمح للخوارزمية بإنشاء توأم رقمي لك، يتوقع متى ستشعر بالملل أو الحزن، ليعرض لك الإعلان المناسب في اللحظة التي تكون فيها مقاومتك النفسية أضعف ما يمكن.

هرمون الدوبامين والتصفح

كيف أفرق بين رغبتي ورغبة الخوارزميات؟

يتساءل كثيرون: كيف تفرق بين رغبتك ورغبة الخوارزميات؟ يُعد الأمر صعبًا لكنه ليس مستحيلًا، ففي وسط هذا الزحام من المستهلكين، يوجد بعض الأشخاص الذين يملكون مهارة يطلق عليها (الوعي الرقمي)، والذين يستطيعون التفريق بين رغباتهم الحقيقية ورغبة الآلة لتعزيز تأثير الوعي الرقمي في قراراتنا بالاستراتيجيات التالية:

قاعدة التأجيل

تعتمد استراتيجية قاعدة التأجيل على عدم شراء أي منتج على الإنترنت قبل مرور 24 ساعة من اتخاذ القرار، حيث يقل تأثير الدوبامين وسيطرة الخوارزميات على الدماغ، وبذلك يصبح قرار الشراء عقلانيًا إذا لم يتراجع عنه المستخدم.

تتبع المسار

استراتيجية رائعة تعتمد على طرح سؤال عقلي بسيط وهو: (لماذا الآن؟). بما أن الخوارزميات تحاول دفع المستخدم إلى الاستهلاك، فإذا سأل نفسه لماذا ظهر هذا المنتج أمامه في هذه اللحظة، ولماذا ظهر الإعلان بعد تصفح فيديو معين، فقد يتأكد أنه ظهور مفاجئ وتوجيه نحو الشراء والاستهلاك دون رغبته الحقيقية.

تحليل الفائدة

كما تسعى الخوارزميات للتسويق وزيادة الاستهلاك والتصفح عن طريق المتعة، فعلى المستخدم أن يحلِّل الفائدة ويسأل نفسه عن هذه المنتجات إذا كانت فعلًا تقدم له قيمة حقيقية وفائدة مقابل تلك المتعة التي يشعر بها عند مشاهدة الإعلانات والمحتوى الجذاب، حتى يشتري المنفعة بدلًا من الشعور.

البيئة المحايدة

من الاستراتيجيات الرائعة التي تجعلنا نقيِّم أي منتج أو موضوع بحيادية، هي البحث عن خيارات بديلة للمنتج أو الفكرة، واستخدام متصفح خفي لا يتتبع المستخدم، وهو ما قد يظهر كثيرًا من الخيارات الأخرى دون الوقوع تحت تأثير الخوارزميات.

مراقبة الإجهاد الرقمي

يستطيع الشخص الواعي أن يراقب نفسه إذا كان يشعر بالتعب أو التشتت في أثناء ممارسة عملية التصفح، وبذلك يعرف أنه واقع تحت ضغط الاستمرار في الاستهلاك دون رغبة حقيقية، وهو ما يعبر عن الإجهاد الرقمي والدخول في حلقة إدمانية، وبذلك سيطرة الخوارزميات على حركة اليد.

مقارنة بين رغبتك الحقيقية ورغبة الخوارزميات

رغبتك الحقيقية (الوعي الرقمي) رغبة الخوارزميات (الاستهلاك الآلي)
تبحث عن المنتج بشكل متعمد لتلبية حاجة. يظهر المنتج أمامك فجأة وتقرر شراءه فوراً.
تقارن الأسعار والخيارات بوعي وهدوء. تشعر بضغط العروض المحدودة (FOMO).
تتوقف عن التصفح عند إتمام مهمتك. تستمر في التمرير اللانهائي بلا هدف.

كيف يمكن الحد من تأثير الخوارزميات؟

يتطلب الأمر أن تكون واعيًا ومنظمًا وفعَّالًا، فإذا سألت نفسك: هل يمكنك التحكم في خوارزميتك؟ الإجابة نعم، بالنصائح التالية:

  • أولًا: مسح سجل البحث أولًا بأول؛ حتى تنسى الخوارزميات تفضيلاتك، وعلى هذا عليها أن تبدأ من الصفر في كل مرة.
  • ثانيًا: تعطيل التتبع المرتبط بالتطبيقات التي تستخدمها، وهي خاصية موجودة في جميع الهواتف تمنع التطبيقات من مشاركة بياناتك.
  • ثالثًا: لا تتصفح عشوائيًا، ولا تترك نفسك للمحتوى المتتابع، وإنما عليك البحث عما تريده مباشرة في شريط البحث.
  • رابعًا: تعلَّم أن تستخدم محركات البحث المحايدة التي لا تخزن البيانات، ولا تُظهر نتائج مبنية على شخصية المستخدم الرقمية.
  • خامسًا: تعلَّم أن تتابع حسابات أخرى، وتستمع لآراء مناقِدة لآرائك؛ حتى تمارس التمرد الرقمي، وتكسر فقاعة الفلتر.
  • سادسًا: تابع الأخبار من مصادرها الرئيسة دون انتظار قائمة أخبار فيسبوك ومواقع التواصل.
  • سابعًا: عليك إيقاف التشغيل التلقائي للفيديوهات على المواقع المختلفة؛ حتى لا تبقى في حالة استهلاك مستمر.

طرق الحد من تأثير الخوارزميات

هل أصبحت الخوارزميات تتحكم في اختياراتنا؟

نعم، فهي توزع المحتوى بطريقة تعتمد على هندسة الاختيار، ما يجعلك تميل لخيارات محددة تتوافق مع التوجهات التسويقية والإعلانية للمنصات.

كيف تؤثر الخوارزميات على خياراتنا؟

تؤثر بمراقبة تفاعلاتك السابقة، وسرعة تصفحك، لتبني لك ملفًا نفسيًّا، ثم تعرض لك المنتجات أو الأخبار في الوقت الذي تكون فيه أكثر قابلية للتأثر (مثل أوقات الملل).

هل يمكنك التحكم في خوارزميتك؟

بالتأكيد، يمكنك ذلك عبر تطبيق خطوات الوعي الرقمي، مثل البحث المباشر بدلًا من التصفح العشوائي، مسح سجلات التصفح دوريًّا، وتعطيل خاصية تتبع التطبيقات (App Tracking) في هاتفك.

وفي نهاية مقالنا عن مدى تحكُّم الخوارزميات في اختياراتنا، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.