تفاعل الأدب العربي مع الآداب الأجنبية.. قراءة تاريخية وتحليلية

يمثل الأدب العربي مرآة تظهر تاريخ الأمة وتفاعلها مع الحضارات الأخرى. منذ العصر العباسي، شهد هذا الأدب تحولًا جذريًّا بفضل الامتزاج الثقافي بين العرب والأمم التي دانت لهم، لم يقتصر التأثير على اللغة والفكر فحسب، بل امتد ليشمل الأدب، ما أثرى النثر والشعر العربي بفنون وأساليب جديدة، كانت نتاج هذا التفاعل الحضاري الذي بدأ مبكرًا مع الفرس واليونان، ثم تجدد بقوة في العصر الحديث مع الآداب الأوروبية، فكيف تكوَّن الأدب العربي في ظل هذه المؤثرات؟ وما أبرز ملامح هذا التأثير عبر العصور؟

تأثير الحضارات في الأدب العربي بالعصر العباسي

لا شك أن التفاعل بين أدبنا العربي والآداب الأخرى بدا واضحًا من العصر العباسي، وبعد أن دانت الفرس والروم للعرب، وامتدت حدود الدولة العباسية لتشمل أممًا وشعوبًا متباينة في الجنس واللغة والثقافة لم تكد تنطوي تحت لواء الدولة الإسلامية العربية حتى امتزجت جميعها بفعل ما أحدثه الإسلام من ترابط بين القلوب، وأصبحت تلك الشعوب جميعًا عربية اللغة والفكر والثقافة والأدب.

تأثير الآداب الفارسية والهندية

ساعد هذا الامتزاج على التفاعل والتلاحم بين أدبنا العربي وآداب تلك الأمم، فقد عمد العرب إلى ترجمة آداب الفرس، ونقل ما ترجم إليها من آداب اللغات الأخرى كالهندية، فكانت الفارسية وسيطًا مهمًا في نقل كثير من آداب الهند ومعارفها مثل كليلة ودمنة التي نجح ابن المقفع في نقلها إلى العربية، وترجمت حكايات ألف ليلة وليلة، ونقل كتاب سندباد الكبير والصغير.

كانت الفارسية وسيطًا مهمًا  في نقل كثير من آداب الهند ومعارفها مثل كليلة ودمنة التي نقلها ابن المقفع إلى العربية

وقد عكف أدباء العربية على دراسة ما حوته تلك الحضارات، واستطاعوا تقديم ألوان من القصص تتميز بطابع فني أرفع بكثير مما سبقها، وأكثر تنوعًا ومحاكاة للواقع.

تأثير الثقافة اليونانية

قد أسهمت تلك الحكايات في وضع بذور القصة العربية التي برزت ملامحها في العصر الحديث، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اطلع العرب في العصر ذاته على إبداعات الحضارة اليونانية وثقافتها، وتفاعلوا معها، فقد تُرجم عدد من روائع الكتب اليونانية مثل منطق أرسطو الذي عكف عليه ابن المقفع، ومع ذلك لم ينقل العرب شيئًا من أدبهم، فلم يترجموا أعمال هوميروس الإلياذة والأوديسة، والسبب في ذلك أن أكثر ما بعث المسلمين على النقل رغبتهم في الفلسفة والطب والنجوم والمنطق.

ولا ريب في أن التلاحم بين الأدب والثقافة العربية وبين الآداب والثقافات الهندية والفارسية واليونانية كان له آثاره في النثر العربي، فقد أصبح النثر ثقافة متشعبة تُمدها روافد كبيرة من إيران والهند واليونان.

تأثير الثقافات الدخيلة في الشعر العربي

لم يقف أثر الثقافات الدخيلة عند حد النثر، بل امتد إلى الشعر أيضًا، فاستحدث الشعراء معانيَ وموضوعات جديدة لم تكن معروفة من قبل، كالشعر التعليمي الذي دفعت إليه الحياة الجديدة، وما أصابها من رقي فكري وأدبي، فنظم الشعراء فيه القصص والمعارف والأخبار.

واستحدثوا أيضًا بعضًا من المعاني الفارسية، فالهجاء القصير الذي شاع عند بشار بن برد وحماد عجرد وأضرابهما إنما نشأ من التأثر بمعاني الفرس وأمثالهم، ويدخل في هذا الجانب ما تسرب إلى الشعر من أخيلة فارسية، يقول أحدهم:

وياقوتة صفراء في رأس درة      ***   مركبة في قائم من زبرجد

كأن بقايا الطل في جنباتها         ***   بقية دمع فوق خد مورد

واتخذوا من بعض الآراء والأفكار والقصص الهندية مثالًا يحتذونه، فقد اتخذ أبو العتاهية من قصة (بوذا) الملك الذي ترك ملكه، وهام على وجه الأرض منقطعًا لعبادة ربه مثالًا للرجل الصالح، فيقول:

يا من تشرف بالدنيا وزينتها        ***    ليس التشرف رفع الطين بالطين

إذا أردت شريف الناس كلهم       ***    فانظر إلى ملك في زي مسكين

ونظم إبان بن عبد الحميد كليلة ودمنة شعرًا على نحو ما قدمنا في الشعر التعليمي.

وبلغ من تأثير الثقافة اليونانية في الشعر العربي أن امتد أثر المنطق والفلسفة إلى الشعراء، فانطبع شعرهم بالتحليل والدقة والعمق والقدرة على الاستدلال، وقد كان المتكلمون أول من عمل على نشر هذه الثقافة بين الشعراء، فأثروا فيهم، ويبدو هذا الأثر في شعر بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن         ***   برأي نصيح أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة    ***    فإن الخوافي قوة للقوادم

وما خير كف أمسك الغل أختها        ***   وما خير سيف لم يؤيد بقائم

ولعل في هذا وغيره ما يؤكد الصلة الوثيقة التي نشأت بين الشعر العربي والثقافات الدخيلة على العربية طوال العصر العباسي.

عوامل ركود الأدب العربي

غير أن هذا الازدهار الذي أحدثه التمازج بين الآداب الأجنبية وأدبنا العربي لم يستمر طويلًا، فما أن انتقلت الخلافة إلى الأتراك حتى أخذ نوره يخبو رويدًا بفعل انصراف الأتراك عن تذوق العربية، ورغبتهم في الاستئثار بالمكتبة العربية، وعدّها من مظاهر السلطان، فنقلوها إلى بلادهم، فكان لهم من الخلافة شكلها ورونقها دون عمقها وتقواها، وانعكس ذلك على الأدباء، فانصرفوا إلى الصناعة اللفظية وزخرف الكلام والوقوف عند حد محاكاة من سبقوهم، بعد أن حيل بينهم وبين الاتصال بالآداب الأجنبية.

النهضة الحديثة وتأثير الآداب الأوروبية

واستمر هذا التخلف والركود الأدبي حتى مطلع القرن السابع عشر، حين بدأ الازدهار يأخذ طريقه إلى الأدب العربي مرة أخرى، وأخذت النهضة تسير في طرق مختلفة، فقد عمد العلماء إلى إحياء التراث القديم بإعادة نشر الكتب والمخطوطات، وإعادة إخراج أمهات الكتب في ثوب جديد من أمثال الأغاني ونهاية الأرب والنجوم الزاهرة.

وقد شعروا بحاجتهم الماسة إلى التزود من مناهل العلوم والآداب والثقافات الغربية، والوقوف على ما بلغته من تطور وازدهار، وحقق إيفاد المبعوثين واتساع حركة الترجمة التمازج الفكري والثقافي بين تلك الآداب المزدهرة وبين آداب العربية التي خيم عليها الركود ردحًا طويلًا من الزمن.

تأثير الترجمة في النثر

اتسعت حركة التعريب والترجمة، لا سيما في النثر، فاهتم العلماء والأدباء بترجمة القصص والروايات، وقد كان للكلية الأمريكية والكلية اليسوعية ببيروت أثر بارز في توجيه النشء إلى القصة الغربية، ويعد نجيب حداد اللبناني من أقدم من اهتموا بترجمة القصص، فقد نقل إلى العربية رواية صلاح الدين التي كانت من تأليف ولتر سكوت، ورواية السيد (Cid) التي كانت من تأليف (كورني Corneille).

وقد تابع كثيرون من أمثال مطران ونقولا رزق الله وغيرهما هذا النهج.

وكثرت الأعمال الأدبية المترجمة، فاتجه فريق منهم إلى محاكاتها، وقد كان لجورجي زيدان فضل السبق في التقليد، وإن استمد قصصه وأبطاله من التاريخ العربي والإسلامي، مثل (فتاة غسان) و(عذراء قريش) و(غادة كربلاء) و(فتح الأندلس) وغيرها.

كان لجورجي زيدان فضل السبق  في التقليد وإن استمد قصصه وأبطاله من التاريخ العربي والإسلامي

وقد وضح التفاعل بين الأدب العربي والآداب الأوروبية عبر حركة الترجمة بالذات، فمع أن الأدباء اتجهوا إلى محاكاة القصص الغربي واعتمدوا على النقل بادئ الأمر، لكنهم ما لبثوا أن شقوا لأنفسهم طريقا متميزًا يتخذ من الواقع العربي مادته، وكان هذا بداية ظهور حركة التأليف.

تأثير الترجمة في المسرح

أما في مجال المسرح فقد نهج الأدباء العرب النهج عينه، فأخذوا يترجمون المسرحيات العالمية، واتخذوا من مسرحيات الفودفيل التي تتميز بسطحية الهدف أساسًا لمسرحياتهم المقتبسة، ويعد الريحاني والكسار من أسبق من اقتبس من المسرح الأوروبي.

ولم يطل الأمر بالأدباء في الاقتباس، فسرعان ما ظهر المسرح العربي الذي يأخذ من واقع المجتمع وطبيعة مشكلاته أساسًا لموضوعاته، فأرسيت بذلك أولى دعائم المسرح العربي في مصر.

ولم يكن للمقالة طريق مغاير، فقد بدأها العرب نقلًا عن الغرب، وسرعان ما قدمت لها الصحافة المجال الخصب لكي تبعد عن نهج المحاكاة، وتتخذ من مشكلات المجتمع اليومية مادتها.

ويظهر هذا العرض السريع مدى ما أحدثه الاتصال بالآداب الغربية في أدبنا العربي، من تأثير في فنون النثر، غير أن هذا التأثير امتد ليشمل الشعر أيضًا.

تأثير الترجمة في الشعر

على الرغم من أن العرب قد نجحوا في الشعر الغنائي، واقتصر شعرهم عليه، حتى العصر العباسي الذي ظهر فيه الشعر التعليمي ونما، لكن التلاحم بين أدبنا العربي والآداب الأجنبية في العصر الحديث أسهم في التعرف إلى الشعر الملحمي، فترجم بطرس البستاني الإلياذة والأوديسة، وأسهم في الوقوف على الشعر التمثيلي، وكان لشوقي الفضل في كتابة مسرحيات شعرية كمصرع كليوباترا ومجنون ليلى، واستمد موضوعاتها من التاريخ الإسلامي والعربي.

وهكذا عرف أدبنا العربي ألوانًا من الفنون لم تكن معروفة من قبل نثرًا وشعرًا، وفاض إنتاج أدباء العربية ليطرق فنونه كافة، ويجد من لغته الطيعة ما يعينه على التنقل عبر هذه الفنون، ليضاف إلى المكتبة العربية في كل يوم جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.