بين جيل الأمس و جيل اليوم

في الأمس غير البعيد ..لقد كنا في الماضي جميعًا شعراء، كلٌّ على طريقته، لم تكن كنية أو مهنة الرجل معيارًا لما هو عليه سواء أكان فناناً أم حرفياً، خياطاً أم خبازاً، ساعي بريد أم صانع أحذية، ليس مهمًا بقدر ما كانت أفعاله وأخلاقه.

لقد كان حس الجمال في متناول الجميع صادقين في قلوبهم، وشجعاناً في أفعالهم.

كان القليل من الشيء كافيًا للاستمتاع به؛ لأن العالم كان في متناول يد كل واحد منهم وكأنهم كانوا صنّاعًا لحكاية جميلة وشيقة تحكي وتروي نفسها.

كان للناس أمل وطموح وحب وحنكة ذهنية تبعث الفرحة والسعادة في الحياة، كان للغة مكانتها الخاصة.

اقرأ أيضًا: لماذا نسترجع الذكريات؟

لغة الشاعر تصف بكل صدق أمور الحياة وعادات الناس كما كان هناك ما يكفي من الدفء من تواصل بين الناس عندما لا يكون هناك ما يشتعل في الموقد في أيام الشتاء الباردة؛ لأن الكلمات الطيبة كانت كافية للقضاء من حدة هموم العيش وعنائه.

لقد أبدع رجل الأمس في ترويض الأشياء البسيطة في صالحه وفي الصالح العام بحسن نية ليخدم الناس من حوله.

لقد كان لهؤلاء الناس أياد مليئة بالتجاعيد، ووجوه مشرقة تفوح منها رائحة الملح كل يوم تبعث في الحياة معنى وقيمة.

كان لديهم الوقت للحب والتعايش في سلام، وكان لديهم الوقت للحياة والحياة للوقت، كما كان لديهم وقت للقراءة والكتابة وحتى السفر، يتميزون بالأحاسيس الجياشة والاحترام المتبادل حتى وإن كانت أغانيهم بالأبيض والأسود.

لكن الألوان كانت موجودة في أعماقها، يستمعون إلى ألحانها الطيبة بقلب واسع ورحب، بقيت متوغلة في كيانهم إلى الأبد حتى استطاعت أن تلين مشقة الحياة اليومية لديهم وشحذت فيهم حب التفاؤل والتواضع، وأيقظت فيهم الأحلام الجامحة.

كان لتذوق الفن والموسيقى معنى ورائحة، وكانت الابتسامة كأنها عملة متداولة بين الناس، يتميزون بقلب كريم وروح سعيدة.

كان الجيل الذي مضى مبدعًا وقنوعًا لدرجة أن المال كان مجرد وسيلة وليس غاية تسمم القلوب، لم يكونوا بحاجة إلى المال ليكونوا سعداء؛ لأن بساطة العيش والمحبة كانت مصدر ثروتهم.

كانت الرجولة في تصرفاتهم، وكان أغلب الناس أحرارًا في أفكارهم، وبسطاء في طريقة عيشهم ورؤيتهم للأشياء؛ لأن القلب كان هو المركز الأساس لعلاقاتهم، وكانوا نشيطين للغاية لدرجة أن السماء والأرض وحتى الأشجار باركت مسيرتهم في كل مكان.

حتى الأطفال آنذاك لم يكن لديهم ألعاب، يصنعون كرياتٍ مبتسمين دومًا للحياة، وكانت ألعابهم مجرد ركض وقفز وضحك جميعًا متشابهين، لأن صفات الحب والاحترام والمودة كانت أصل بذور الخصوبة فيهم.

اقرأ أيضًا: حين نؤلم من نحب أو نتألم ممن نحب! خواطر أدبية

أما المرأة هي كذلك حَظيت بما يكفي من الكثير من الحب والاحترام، وكانت رقتها تسبق جمالها، وعيناها مصدر جمالها ونعومة روحها وأنوثتها.

بينما اليوم يبدو أن الحزن والفراغ توغل في قلوب الناس وعقولهم مع أن الأشياء تطورت ووفرت العديد من وسائل الراحة التي سهلت الحياة اليومية لديهم، وإذا نظرت إليهم ترى ملامح الخوف والحزن ظاهرة على وجوههم محاصرين بهاجس مليء بالمخاوف يزداد يومًا بعد يوم، حتى إن سهولة الأمور بالنسبة لرجل اليوم حولته عبداً لكسله، غارقًا في فوضى حياته اليومية، وكلٌ يحصد حسبما زرع.

لقد أصبح الناس اليوم مهووسين بامتلاك كل شيء بغض النظر عن الكيفية، وأصبحت المبادئ والفضيلة مجرد وهم وشكليات قديمة لا معنى لها ولا قيمة.

وإنني أتساءل.. هل سيكون الفرد منا اليوم قادرًا على رؤية نفسه في مرآة الأمس حتى يستطيع فهم نفسه ويفهم أن الحياة كانت جميلة؟

وأنه يمكن أن تكون أكثر جمالًا إذا تمكن فعلًا أن يكون هو أول من يبني نفسه، ويغرس في روحه بذرة الجمال قبل أن ينتظرها من الآخرين من حوله؟

 اقرأ أيضًا

-ربطة عنق أبي.. قصة من نوادر الماضي

-شريد | خاطرة وجدانية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة