بين الشتاء والاحتياج

يتعجب الكثيرون من شرودي الطويل في هذا الفصل، وابتساماتي الساهية الآتية بغير موعد..

في الشتاء، والشتاء خصوصاً دون غيره من الفصول تجد الغريب يشتاق لوطنه أكثر، تشتاق الأم لأولادها أكثر، يشتاق المحب لمحبوبه أكثر...

يشتاق العجوز لأيام الشباب، ويشتاق الشاب لأيام الطفولة، وتشتاق الفتاة لأيام كانت فيها زهرة في بيت أبيها..

الكثير الكثير من الشوق في هذا الفصل الذي لو جاز أن نسميه باسم فسيكون فصل الأشواق بكل تأكيد.

كلٌّ له شجونه في فصل الشتاء، وكلٌّ له أوجاعه، وكلٌّ له حنينه، كل إنسان يبدأ في استدعاء كل مشاعره، يستجديها استجداء لتعود للعمل بعد عام كامل، فصل شحذ المشاعر للمواصلة عام آخر كبشريّ يشعر ويحس....

المتروك يتمنى لو يعود، الوحيد يتمنى الصحبة، الضعيف يتمنى القوة ليجري في الشوارع مع الأطفال، الذي لم يحب يتمنى لو أحب لكي يشعر بما يشعر به المحبون في تلك الأوقات من العام، حتى الذي بصحبة أصحابه وأحبائه يتمنى لو اقتربوا منه أكثر في الشتاء..

في الشتاء الكثير من التفاصيل والصور التي لا يمكن غض الطرف عنها.. الأب الذي غطى رأس ابنه بملابسه، الأم التي تهرول حاملة الخضار الذي سيصير بعد ساعات غداء أولادها غير مبالية بملابسها التي تشوهت بالطين، الدموع التي يواريها أحدهم باختلاطها مع المطر الساقط على وجهه متمنياً أن يتواصل المطر لكي يستجمع كل أحزانه ويذرفها دموعاً لو تمكّن، دون أن يراها أحد أو يسأل عن سببها أحد..

تفاصيل كثيرة.. أشواق كثيرة.. شجون كثيرة.. حنين كثير.. حب كثير.. احتياج أكثر من أي شئ وأي وقت... فصل غنيّ على أي مقياس.

يمتزج أحياناً الحب بالفقد بالاحتياج بالحنين في الشتاء وذلك وسط ملائم للغاية لاستقبال أي شيء على أنه حقيقي فيما يسمى بالوهم..

من مكان ما يصيخ أحدهم سمعه لاستقبال صوت نجاح سلام وهي تشدو .... أنتِ بلادي الجميلة

أو أم كلثوم وهي تلوم الحبيب.... يا مسهرني

أو فيروز وهي تنعي حظها.... قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس، وتشتي الدني ويحملوا شمسية، وأنا بأيام الصحو ما حدا نطرني!

أو ينتبه أحدهم لصوت حليم حاملاً شجون الكون ويقول.. على قد الشوق اللي في عيوني يا جميل سلّم..

تختلف الأغنية باختلاف طبيعة مشاعرك، لكنك تستمع إليها في كل الأحوال قادمة من مكان ما لا تعرف ما هو.. فقط مدّ أذنيك واستمع.. 

الاحتياج لشخص ما أو شئ ما في فصل الشتاء هو أمر محتوم لا فرار منه، يرتبط الاحتياج بالوحشة بدون ذلكَ الشخص أو ذلك الشئ.. وتبدو الأيام حزينة جداً، طويلة جداً، ويستبد الليل استبداداً عنيفا كاستبداد قدماء الإغريق...

أما وأنت بجوار ما تحب ومن تحب أظن أن الأمر وقتها يختلف كثيراً..

... لذلك وبينما نحن في أمسية من تلك الأمسيات الشتوية الباردة شديدة البرودة، الكئيبة شديدة الكآبة، الطويلة شديدة الطول، ذات الليل الكآبي والقمر الذابل والسماء المربدة... أردت فقط القول بأنني أفتقدك.

 

بقلم/كريم عريف

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب