استنشق رائحة التراب النديَّة عند استقبالها لأولى قطرات المطر، وهو جاثم إلى جذع شجرة الزيتون يتابع باهتمام كبير مشهد العناق الحار بين السماء والأرض بعد غياب طويل. كان المطر ينهمر برقة، يغسل الوجوه والقلوب، ويوقظ الذكريات القديمة من سباتها الطويل.
جال بنظره في الأرجاء، فتدفقت إلى ذهنه صور عالقة تأبى أن تغادره. تذكَّر أمه، ودفء عناقها عند عودتها من السفر، ذلك العناق الذي كان يبدِّد كل خوف ووحدة. وتذكَّر عودته من المدرسة ذات مساء شتوي، ليجدها بجانب موقد النار، تعدُّ خبزًا شهيًا تفوح رائحته في أرجاء البيت.
تذكر ابتسامتها الدافئة، تلك التي كان الدخان المتصاعد من الموقد يخفيها أحيانًا، لكنه كان يراها بقلبه. كانت تستمع إليه بكل صبر واهتمام، وهو يحكي بشغف عما دار في قسمه، وما قاله أستاذه، يحكي ويحكي... وهي تُنصت كما لو كانت تسمع شيئًا لا يُملُّ، وتبتسم كما لو كان حديثه أغنيةً تحفظها عن ظهر قلب. في حين كان هو ينظر إليها وإلى ابتسامتها التي كانت تخترق الدخان المتصاعد وتستقر في قلبه.
تذكَّر كل هذا... لكنه لم يتذكر كلماتها، ولا ملامح وجهها بوضوح. كأن الزمن أزال تفاصيل وجهها من ذاكرته، وترك له فقط الإحساس بالحنان الذي لا يُنسى. لقد مرت سنوات على رحيلها إلى دار الخلد والبقاء، سنوات طويلة لم يرها فيها، ولم يسمع صوتها، لكنه ما زال يشعر بحضورها في تفاصيل الحياة الصغيرة: في رائحة المطر، في دفء الخبز، وفي صدى الحكايات التي لا تموت.
كان الألم يعتصر قلبه وهو يتذكّر لحظة معرفته برحيلها. لم يتلقَّ الخبر كباقي الأطفال الذين غابت أمهاتهم، فلم يحضر والده ليخبره، ولم يواسه أحد من إخوته.
وإنما جاءت الصدمة فجأة، في صورة غريبة، نزلت عليه كالصاعقة، وهو جالس بجانب الطريق ينتظر وصول الحافلة التي تُقلُّ أمه من المشفى حيث كانت ترقد منذ أيام.
فجأة سمع صوتًا يناديه من بعيد. التفت ليرى من يكون، فإذا به صديقه وجاره، واقفًا بجانب عمود كهرباء، يحدِّق فيه ويصرخ بأعلى صوته: «تعالَ وانظر ما كُتب هنا»!
في البداية لم يُعره اهتمامًا، لكن بعد إلحاحه، نهض وتقدَّم نحوه بخطوات متثاقلة، وهو يردِّد بقلق:
«ماذا هناك؟».
وما إن اقترب وقرأ ما كُتب، حتى صُعق:
أمه ماتت... الجميع يبكي: والده، إخوته، جيرانه.
وكانوا يوصون بعضهم بعضًا أن يخفوا الخبر عنه، لئلا ينكسر قلبه الصغير.
أخذ يحدِّق في الكلمات بعينين زائغتين، ثم صرخ في وجه صديقه:
«أنت من كتب هذا! لماذا؟ ما هدفك؟».
أسئلة متوالية، يحاول بها تكذيب الحقيقة، وكأن الصراخ يعيدها للحياة.
ثم لم يلبث أن انهار بالبكاء.
رفع رأسه إلى السماء، وقد اختلطت قطرات المطر بدموعه، وهمس: «أشتاق إليكِ يا أمي... كما تشتاق الأرض للمطر».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.