"أنا المصري كريم العنصرين بنيت المجد بين الأهرامين
جدودي أنشؤوا العلم العجيب ومجرى النيل في الوادي الخصيب
لهم في الدنيا آلاف السنين ويفنى الكون وهما موجودين"..
هذه الكلمات التي تمتلئ بالوطنية والحماس وتلهب القلوب كلما ترددت على المسامع، تعود إلى الشاعر المصري صاحب الأصول التونسية والزجال الكبير بيرم التونسي الذي عاش حياة أشبه بالدراما التي نتابعها في المسلسلات، ومع أنه ولد في مصر، لكنه لم يحصل على الجنسية المصرية إلا قبل وفاته بأعوام عدة.
وفي هذا المقال، نتناول حياة بيرم التونسي الشاعر والإنسان، ونتعرف على أهم محطاته الإبداعية والشخصية وكثير من الأسرار والمعلومات المدهشة في السطور التالية.
المولد والنشأة
وُلد محمود مصطفى بيرم في مدينة الإسكندرية، وبالتحديد في منطقة السيالة في حي الأنفوشي، يوم 23 مارس عام 1893، وتعلَّم في أحد الكتاتيب حتى بلغ الرابعة من عمره. ويروي عن نفسه أنه كان ضعيفًا في الحساب، وكان كثيرًا ما يتعرض للضرب والعقاب من قبل الشيخ المعلّم، وهو ما جعله ينتقل إلى كُتّاب آخر، لكنه لم يستفد كثيرًا من وجوده داخل الكتاتيب باستثناء الإلمام بالقراءة والكتابة.
عاش بيرم التونسي طفولة صعبة؛ إذ كانت أخته تكبره بنحو 20 عامًا، في حين توفي أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره، وتلاحقت المصائب على أسرته الصغيرة؛ فقد استولت زوجة أبيه على كل ممتلكات والده من أموال سائلة، كما استولى أبناء عمه على البضائع التجارية التي كانت ملكًا لوالده، وهو ما جعل بيرم التونسي يلجأ إلى العمل من أجل إعالة أسرته حتى تزوجت أمه.
كانت حياة بيرم التونسي مع زوج أمه صعبة، فلجأ إلى الزواج وهو في السابعة عشرة من عمره، لكن زوجته توفيت بعد ست سنوات فقط من الزواج، وتركت له ولدًا وبنتًا، وهو ما دفعه إلى الزواج مرة أخرى بعد مدة قصيرة.
بيرم التونسي الشاعر المعروف
لم يكن بيرم التونسي منفتحًا على عالم الأدب والكتابة انفتاحًا كبيرًا سوى من طريق القصص والحكايات الشعبية التي كان يسمعها في صغره، والكتب التي كان يشتريها عن الأساطير مثل عنترة وألف ليلة وليلة، وبعض المجموعات الشعرية والزجلية والأدب الشعبي، لكنه لم يكن أبدًا يتصور أن يعيش حياة الأدباء والكُتَّاب إلى أن حدثت مفاجأة غير متوقعة.
كان بيرم التونسي قد باع المنزل الذي ورثه عن والده، واشترى بيتًا جديدًا، وبدأ في العمل في التجارة، حتى فوجئ في أحد الأيام بموظفي المجلس البلدي في محافظة الإسكندرية يحجزون على بيته ويطالبونه بدفع مبالغ كبيرة تمثل عوائد وضرائب على البيت، وهو ما جعله يؤلف قصيدته المشهورة عن المجلس البلدي التي نُشِرت في صحيفة الأهالي التي كانت تحظى بمتابعة جيدة في ذلك الوقت، وهو ما أحدث ضجة كبيرة.
من الغريب والمفاجئ أن قصيدة بيرم التونسي نُشرت في الصفحة الأولى من صحيفة الأهالي التي استطاعت أن تبيع 4000 نسخة بسبب القصيدة التي بدأ الناس يتناقلونها ويحفظونها، حتى إن موظفي المجلس البلدي في محافظة الإسكندرية عرفوا بالأمر وطلبوا ترجمة القصيدة؛ نظرًا لأن معظمهم كان أجانب ولا يجيدون قراءة اللغة العربية، وهو ما شجع بيرم التونسي على طبع القصيدة في كتاب منفصل وبيعها بمبلغ خمسة مليمات لكل نسخة، وكانت البداية حين بدأ بيرم التونسي في طبع الإصدارات الصغيرة التي تحمل القصائد الزجلية الخفيفة.
أصبح بيرم التونسي أحد الأصوات المسموعة في المجتمع السكندري؛ نظرًا لأنه اتجه إلى شعر العامية والقصيدة الزجلية الشفهية، وهو ما يتناسب مع حالة الشعب المصري في ذلك الوقت الذي كان معظمه لا يجيد القراءة والكتابة، فأصبح يظهر في المناسبات العامة، وتدعوه العائلات لإلقاء قصائده التي تتناول نقد عيوب المجتمع ومشكلات العلاقات بطريقة طريفة وساخرة.

الأحداث السياسية
منذ بداية وعي بيرم التونسي، وهو يشارك في الأحداث السياسية المختلفة، فقد وُلد بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وهو ما أدركه بيرم التونسي في شبابه وجعله يشارك في ثورة 1919، وكان أحد المتضامنين مع المعتصمين في أحداث 12 مارس في الإسكندرية، وخرج معهم في المظاهرات وشاركهم الهتافات، وشارك أيضًا في مظاهرات 17 مارس التي خرجت من حي الأنفوشي، وشاهد إطلاق النار وتساقط الشهداء وإصابة الجرحى، وكانت له كثير من المؤلفات التي تناولت الاحتلال الإنجليزي.
كما كان بيرم التونسي أحد المؤيدين لثورة 1952، وكتب كثيرًا من الأعمال التي عبَّر فيها عن تأييده للرجال في الثورة، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، حتى إنه حصل على الجنسية المصرية بعد قيام الثورة، وهو ما عده بيرم التونسي رد اعتبار له بعد كل ما لاقاه على يد النظام الملكي في مصر من نفي وإزعاج وتضييق.
بيرم التونسي في المنفى
كان بيرم التونسي لاذعًا في نقده، لا يفوِّت فرصة إلا وينتقد فيها الأوضاع السياسية والاجتماعية وربما الأشخاص وأصحاب المناصب، وهو ما كانت له عواقب وخيمة في بعض الأوقات، لا سيما عند نقد الحكومة والأسرة الحاكمة في مصر في ذلك الوقت، فصدر القرار بنفي بيرم التونسي في أغسطس 1920 إلى تونس بعد إلقائه قصيدة بعنوان البامية الملوكي والقرع السلطاني التي لم تخلُ من السخرية والهجوم والنقد اللاذع، ما أغضب الملك فؤاد، وذلك بعد شكوى من محافظ القاهرة في ذلك الوقت الذي كان زوجًا للأميرة فوقية ابنة الملك فؤاد، إذ كان بيرم التونسي قد هاجمه أيضًا في مقال بعنوان لعنة الله على المحافظ.
وصل بيرم التونسي إلى بلاد أجداده في تونس وبدأ يبحث عن عائلته التي لم تستقبله، ما دفعه إلى العيش منفردًا في تونس، وهو ما جعل كثيرين من أهل تونس يعتقدون أن بيرم التونسي رجل تركي طرده الإنجليز من مصر لنشاطه السياسي، وكان تحت الرقابة من قوات الحكومة التونسية، وبذلك لم يستطع ممارسة الأنشطة الصحفية والسياسية حتى الأنشطة الأدبية، ما جعله يعمل في بعض الأعمال التجارية حتى قرر أن يرحل عن تونس بعد أشهر عدة.
انتقل بيرم التونسي إلى فرنسا وعاش بها أيامًا صعبة، حيث لم يجد أعمالًا تناسب مواهبه، وإنما انتقل في العمل بين مصنع الحديد والصلب ومعمل للكيماويات، وعاش أيامًا بلا عمل ولا طعام، حتى عثر على وظيفة في أحد المناجم التي كانت تتطلب مجهودًا كبيرًا، وهو ما تحمَّله بيرم التونسي من أجل الحصول على أي راتب يعينه على الحياة في فرنسا، وكان يراسل إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة ويبيع لها الأزجال، وكان مسؤول المجلة يوصل الأموال إلى زوجته.
الغريب في الأمر أن بيرم التونسي، بعد عام ونصف من الحياة في فرنسا، قرر أن يعود إلى مصر مع تغيير بسيط في اسمه في جواز السفر، وهو ما استطاع بواسطته أن يسافر إلى مصر على متن سفينة متجهة إلى بورسعيد، ثم اتجه إلى الإسكندرية، فكانت المفاجأة؛ فقد طلبت زوجته الطلاق وحصلت عليه في غيابه، وأنجبت طفلة كانت حاملًا فيها قبل أن يسافر بيرم التونسي.
واستمر تخفي بيرم التونسي مدة 14 شهرًا، حتى قُبض عليه مرة أخرى ونُفي إلى فرنسا في مايو عام 1923، وهو ما يتحدث عنه بيرم التونسي قائلًا: "إن رجال الأدب وزملائي في الإبداع هم من قاموا بالإبلاغ عنه للسلطات المصرية؛ فهم من كانوا يعرفون مكانه وتحركاته وليس رجال السياسة".
قضى بيرم التونسي تسع سنوات في فرنسا هي الأصعب في حياته، يعاني الآلام النفسية والجسدية وينتقل من عمل إلى عمل، لكنه كان يمارس الكتابة والنشر ويحاول الوصول إلى أي شخص يتوسط له عند القصر الملكي للعودة إلى مصر، ثم كانت المفاجأة الأخرى؛ إذ قررت فرنسا إجلاء جميع المقيمين الأجانب، وهو ما جعل بيرم التونسي يغادر فرنسا إلى تونس لبعض الوقت، ومنها غادر إلى سوريا، ثم عاد هاربًا مرة أخرى إلى بورسعيد في عام 1938.
ويحكي بيرم التونسي أنه عاد إلى مصر وأرسل قصيدة زجلية إلى كامل الشناوي يقول فيها:
"غلبت أقطع تذاكر وشبعت يا رب غربة".
وهي القصيدة التي تم نشرها في صحيفة الأهرام التي جعلت وزير الداخلية يصدر أمرًا بعدم البحث عن بيرم التونسي، لذا تجاهل وجوده في مصر ليعيش بحرية على الرغم من أوامر القصر الملكي.
التجربة الصحفية
كما كان بيرم التونسي شاعرًا وزجالًا كبيرًا، كان أيضًا ممارسًا للصحافة، فقد أصدر صحيفة (المسلة) التي كتبها بالكامل في عددها الأول في مايو 1919، الذي وُزِّع على المقاهي والدواوين والطلبة والتجار في الإسكندرية، وحازت الصحيفة على إعجاب أهالي الإسكندرية؛ نظرًا لأنها كانت تتناول مشكلات الحياة اليومية، إضافة إلى المساندة الكبيرة للقضية المصرية ومناهضة الاحتلال الإنجليزي، إضافة إلى أشعار وأزجال بيرم التونسي.

بعد ذلك توجه بيرم التونسي إلى القاهرة من أجل ضمان انتشار أكبر لصحيفة (المسلة) التي أصدر منها العدد الثاني، إذ شهدت كثيرًا من الهجوم على مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت، الشيخ (محمد بخيت) الذي كان يعارض فكرة سفر سعد زغلول لعرض القضية المصرية في مؤتمر فرساي، وهو ما جعل الشيخ بخيت يتهم بيرم التونسي بالكفر والإلحاد وعدَّه مارقًا، لكن بيرم التونسي استمر في إصدار صحيفته التي وصلت إلى العدد 13، وهو العدد الذي شهد هجومًا صريحًا على الأسرة الملكية، فصدر قرار بإغلاق الصحيفة.
يُذكر أن بيرم التونسي أعاد بعد ذلك إصدار صحيفته تحت اسم (الخازوق)، لكنه لم يستطع أن يصدر منها أكثر من عدد واحد، إذ نُفِي بعدها، وهو ما أدى إلى انقطاع بيرم التونسي عن الصحافة المصرية حتى عاد مرة أخرى عام 1950 ليكتب في صحيفة أخبار اليوم التي كانت تدفع له مقابل كتابة الزجل الاجتماعي الذي كان سببًا في زيادة توزيع الصحيفة، حتى بدأ يكتب في صحيفة الجمهورية عام 1955، مواصلًا رحلة النقد الاجتماعي والسياسي المحبب إلى قلوب المصريين.
أشهر أعماله
- أنا في انتظارك
- أهل الهوى
- هو صحيح الهوى غلاب
- حبيبي يسعد أوقاته
- شمس الأصيل
- القلب يعشق كل جميل
- ما أحلاها عيشة الفلاح
- يا جمال يا مثال الوطنية
- بطل السلام
- يا حلاوة الدنيا يا حلاوة
- سيرة الظاهر بيبرس
- أوبريت عزيزة ويونس
مقتطفات من أشعاره
"يا مصري ليه ترخي دراعك والكون ساعك
ونيل جميل حلو بتاعك يشفي اللهاليب ..
خلق الهك مقدونيا على سردينيا والكل زايطين في الدنيا ..ليه انت كئيب
ما تحط نفسك في العالي وتتباع غالي وتتف على اللي في بالي ..من غير ما تعيب".
"أنا كنت أتمنى أمسك منطقة تموين سكانها في المية مية عيانين جعانين
وأكسب بجرة قلم أربع خمس ملايين ومن ورايا رئيس يشهد بأني أمين".
"تقول في بيتنا أو في بيتكم هي هي المشكلة
ستات حاجتها كلها عايشة عيشة هرجلة
ستات عجايز أو صبايا فوق بعضها متكتولة
خلوا عقولنا زيهم متشوشة ومتبرجلة
درج المعالق يتحشر فيه قطن طبي ومبشرة
وعلبة الشاي يا عالم تتركن فوق صندرة
فيها مسامير واسبرين وقوز شراب ومكحلة".
"يا بائع الفجل بالمليم واحدة كم للعيال وكم للمجلس البلدي
كأن أمي بل الله تربتها أوصت فقالت أخوك المجلس البلدي
أخشى الزواج فإن يوم الزفاف أتى يبغي عروسي صديقي المجلس البلدي
أو ربما وهب الرحمن لي ولدًا في بطنها يدعيه المجلس البلدي".
وفاته
كان الرئيس جمال عبد الناصر قد كرَّم بيرم التونسي عام 1960 ومنحه جائزة الدولة التقديرية، لكن الشاعر والزجال المشاغب الذي أُطلق عليه (هرم الزجل المصري)، فارق الحياة بعد هذا التكريم بعام واحد، إذ توفي يوم 5 يناير عام 1961 بعد معاناة طويلة مع مرض الربو الذي أصيب به نتيجة الأعمال الصعبة التي مارسها في فرنسا، ليرحل الشاعر الكبير تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الإبداع والثورة والاختلاف.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة سريعة في حياة الشاعر المصري صاحب الأصول التونسية بيرم التونسي، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
مقال به معلومات غزيرة وجديدة عن العبقري بيرم التونسي . احسنتم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.