بيت للحضانة

 كانت الشقة التي سكنت فيها منذ ست سنوات توجد في الطابق الثاني، تُطل جميع نوافذها على حديقة تنبت بتربتها الخصبة شجرة؛ اِمتد جذعها حتى جاوزت فروعها في العلو نوافذ غرفتي.

ففي ربيع عام تسعة بعد الألف الثانية ميلادي، وكان فصلا مُتميّزا عن باقي فصول السنوات الفائتة خلال أربعة عقود من الزمــن، فقد ارتوت الحقــــول في جميع مناطق البلاد بماء مطــر غزير، فاعشوشبت الأرض بالكــــلأ، وأزهرت زهورا ورياحينا وخشخاشا؛ اِستيقظت في أحد الصباحات، وكانت شمس الربيع قد بثت الدفء في الجو؛ على صوت هديل قُمّريّ لم تألفه أذناي، إلى جانب صوت هدير وسائل النقل الذي اعتادت الأذنان سماعه في ذلك الوقت من الصباح، فهو يكــون بعيدا شيئا ما؛ إلا أنه يٌنبئ بحــركة دؤوبــة وسريعة وكثيفة، وكان صوت نداء هذا النوع من الحمام البري يأتي من مكان قريب، فأرهفت السمع ونظرت، فإذا هي أُنثى قمّري ذات لون رمادي؛ تتناول بمنقارها غصنا دقيقا؛ تحاول إدخاله في بعض أغصان أخرى؛ متداخلة ومتشابكة؛ كانت تُشكل عُشا بين فروع الشجرة، فهي قد ثبتت آخر عود فيه، الذي سيغدو بعد حين بيت حضانة للصغار، ولحاضنات من حمائم القماري. 

وكذلك كنت أفعل في أوقات أول النهار؛ أُصبح على القمري بنظرة قارئة، فألقاها باسطة ريشها وقد احتل جسدها جميعه العش؛ في دعة وسكينة؛ تسترق السمع، فتنظر فجأة في اتجاهي، وتحاول أن تتبينني بنظرة فاحصة، وإن كنت أحاول الاقتراب من النافذة بهدوء دون أن أثير ضجة تستنكرها.

في التفاتاتها وفي نظراتها استحياء؛ دون رد فعل يُذكر؛ استحياء من داهمت خَلوته بدون سابق نبأ وهو لا يريد البتة فضولك، ويمقت وقاحتك، ولكن خُلقه الدمث الذي لا يؤتى إلا من واهب هو الله؛ جعله يستقبلك بصبر جميل، وهو يعلم أنه سيرتد إليك اندفاعك الغير اللائق، فتندم؛ هكذا استقبلتني أنثى القمري وبنظرة فيها روع.

أدركت حينئذ لماذا جنس الحمام مضرب المثل، فالهدوء والكياسة وتدبر لشروط الحياة، وأعني كيف اهتدى هذا الزوج من الحمام إلى اختيار شجرة عالية خلف عمارتنا؛ حيث لا جلبة ولا ضوضاء، وحيث لا ينكشف وجودها لطائر كاسر يفتك بها وبصغارها، كما أنها مؤمنة أشد الإيمان بسُنّة الخالق في الحياة، فهي تؤدي ما فرضه الله عليها من مسؤولية الإنجاب، فهي قد رتبت أركان بيتها وأثثته وهي حامل والوضع وشيك، بدون تبرم ولا ضيق بما كُتب لها، ومنذ ذلك الحين لم ألاحظ تهاونا من جانب الحمامية (نسبة إلى الحمام)، فهي لم تبرح بيضها قط مدة طويلة قد تزيد عن شهر، وهذا تقدير فقط، فقد غابت عني فكرة تسجيل مدة الحضانة بالضبط في مذكرتي؛ كما درج عليه علماء الأحياء.

في يوم من الأيام رأيت رؤوسا لصغار القمّري تشرئب؛ تستكشف معالم المكان المحيطة بها، الذي كُتب وأن وجدت فيه، وازداد حجم القماري الصغار، وهي منفوشة الريش، ثم رأيتها مرة تتنقل بين الأغصان، ثم هي مشرفة على البيت من أعلى سقف المنزل المجاور، وأغلب الظن أنها سافرت لما قويت أجنحتها على مغالبة الريح، وقطع المسافات الطويلة؛ إلى وجهة مجهولة.

وتعاقب على ذلك العش حاضنتان أُخريان، ودأبتا بنفس الطريقة على الاعتناء بالبيض أشد الاعتناء؛ مرة بعد مرة تظهر حمائم صغار منفوشة الريش، ثم هي بأجنحة ذات دُربة على الطيران بعيدا، إلا أنْ حدث في الأسبوع الثاني من شهر شتنبر حادث، فقد هبت رياح قوية، وسقطت أمطار فصل الخريف الأولى عنيفة، هذا الفصل الذي جاء مبكرا هذا العام، فانهارت عيدان العش الذي هجرته القماري، وتُرٍك على  حاله؛ متدلية حشائشه وبقايا ريش وأوراق وعيدان جافة، من أعلى غصن الشجرة، ومن يدري لعل في الربيع القادم سيأتي زوج قمري لترميمه؛ ليصير بيت حضانة مرة أخرى لنفر من الحاضنات الوادعات.

ظلت تلك الشجرة التي تُنبئنا في كل عام عن حلول فصل الربيع؛ بظهور براعم براقة وطرية في فروعها؛ باسقة، وتمتد فروعها وأوراقها حتى تدخل إلى الغرفة من خلال النافذة، وتُذكرنا ببيت الحضانة ذلك الذي تتردد عليه القماري في كل عام، إلى أن سمعنا في صبيحة يوم من الأيام صوت منشار يقطع جذع شجرة، فهُرعنا لنُطل من خلال النافذة بخوف عارم، ونتساءل بما منْ بين أشجار الحديقة الخلفية سيُقتلع جذعُها وتُستأصل جذورُها، فكانت المفاجأة صادمة، لقد رأينا كيف بدأ جذع شجرة بيت حضانة الحمائم وفروعه يهوي إلى الأرض، ولما استفسرنا عن السبب؛ قيل لنا أن صاحب البيت الأرضي يريد أن يُبلّط الأرض التي تُبذر في تربتها بذور النباتات؛ بالإسمنت وقطع هندسية من الفخار المدقوق؛ ليتسع المكان لجلسات العائلة في ليالي سمر صاخبة، أو تمهيدا لبناء حجرة إضافية، فلم نعد منذ ذلك اليوم نسمع هديل القماري، وإنما ضحك وتهكم وجلبة وضوضاء؛ لسهرات ربيعية وصيفية وخريفية؛ ماجنة سافرة، وبالمثل فعل جميع الجيران، فقد اقتلعوا الأشجار، وسووا أتربة الحديقة، وبلطوها بمخلوط الرمل والإسمنت، وتفننوا في رصها بقطع الطين المشوي والشديد الصلابة، فأصبحت تلك الحديقة الغناء أثرا بعد عين، وكذلك غدت مُدننا كثلا كئيبة من الإسمنت؛ لا تمتص أشعة الشمس كشأن التربة الهشة والمحروثة، بل ترتد عليها الأشعة إلى الغلاف الجوي، فترتفع حرارة الكوكب الأزرق.

 

بقلم الكاتب


تابع دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية بمدينة الرباط (المغرب)، حصل على شهادتين جامعيتين، الأولى في الجغرافية (1990م)، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، ببحث في المناخ، والثانية في التاريخ (2016م)، من نفس الكلية، ببحث في التاريخ الحديث، عنوانه: الجنوب المغربي، دراسة في الوضعية الجغرافية والاقتصادية والسياسية (1830-1912)، يكتب في المقالة، في مواضيع ثقافية متنوعة، وفي القصة القصيرة، وفي الرواية، أصدر مجموعتين قصصيتين، وكتاب في سيرة مهنية، ورواية، وقصة للناشئة.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Oct 24, 2020 - سعاد تيجني
Oct 24, 2020 - سماح أمجد كامل طقاطقة
Oct 23, 2020 - Ali Salh
Oct 23, 2020 - سماح القاطري
Oct 22, 2020 - نورا بونعيم
نبذة عن الكاتب

تابع دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية بمدينة الرباط (المغرب)، حصل على شهادتين جامعيتين، الأولى في الجغرافية (1990م)، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، ببحث في المناخ، والثانية في التاريخ (2016م)، من نفس الكلية، ببحث في التاريخ الحديث، عنوانه: الجنوب المغربي، دراسة في الوضعية الجغرافية والاقتصادية والسياسية (1830-1912)، يكتب في المقالة، في مواضيع ثقافية متنوعة، وفي القصة القصيرة، وفي الرواية، أصدر مجموعتين قصصيتين، وكتاب في سيرة مهنية، ورواية، وقصة للناشئة.