بيت بلا جدران

قذفَتني امرأةٌ أحبها (في منزل رجلٍ أحبه) بأشياء ملوثة، انتزعتُ نفسي من البيت الأنيق، وخرجتُ بملابس متسخة، وظهرٍ متقوس، وحقائبَ عديدة؛ هكذا كنت دائمًا أفضل ألا أضع أشيائي كلها في حقيبة واحدة.

الحقيبة تجسيدٌ صارمٌ للوحدة

ومُحفزٌ جيدٌ على الهروب

الضباب يتكاثف، وأنا أقطع الشوارع المخنوقة، ظهري ينزف عرقًا، ويزداد انحناءً، واختصارًا للزمن الثقيل، كان علي أن أصعد الكوبري، لكن الكباري تسبب لي الكآبة، إنها كفيلة بسحق آلاف البشر، من أجل أحلام بشر آخرين.

صرتُ في أرضٍ غريبةٍ، فكرتُ أن أتحايل على الطريق ببعض الحكايات، عن أمي التي تحب الغناء، وتعشق الأفلام القديمة، لكنه لم يمنحني سوى غرفة، تشبه وجهه المحروق، فكرتُ أن أُحدَّثها عنكَ، حين كنتَ تضعُ العلاماتِ الزرقاء على جسدي، لكنها لم تمنحني سوى عائلةٍ كبيرةٍ من الفئران.

 الغرفة التي تشبهكَ

أغرقَتني بدماء الواقع

علَّمتني كيف أضعُ أشيائي كلها

في حقيبةٍ وحيدةٍ

ثقب كبير

نخترق الضباب الرمادي، بظهرٍ مقصومٍ، وقدمين متهالكتين،

أمي وأنا وحقيبتي المثقوبةُ، نتحايل على الميدان، بشيءٍ من الود الساذج، حاولتُ إخفاء الحقيبة المفتوحةِ على الفوضى، لكنها كانت فجةً كمشاهد الذبح.

تمعنتْ أمي في الثقب الفاضح، فازدادتْ شحوبًا، صفعَنا الميدان؛ الفائضُ عن الحدِّ، قذفَ بنا إلى غرفة معجونة بتراب الحرائق، افترشتها أمي بسنوات عمرها المتكومة على ظهرها، المتسع للطعن، جلسنا معًا في مدخل بناية، لها رائحة القش المبلول على سطح بيتنا البعيد، أمي تُحاول إخفاء الثقب، وأنا أزيل القذارة المستقرة بأظافري، دون جدوى.

حرارة الغرفة تلسع وجهي كالإهانات

ووجه أمي يُذكِّرني

بليلةٍ ضعتُ فيها بين المقاهي المنبوذة

البناية صادقة، وموجعة كالحقيقة، أما الميادين فكاذبة وفاضحة، وأمي تحاول إخفاء الثقب، فيزداد اتساعًا، صارت الغرفة ثقبًا كبيرًا، في شارع لا يؤدي إلى شيء

بيت بلا جدران

سأتناول أقراص الهلاك، وقبلها أهاتفك، لأخبرك بأنني رفضت الموت في بيتك الجميل، لأنني بكل بساطة أريد بيتًا بلا جدران، بالأحرى لا أريد بيتًا، البيت جدران، والجدران قاتمة؛ تحجب عنا الشيء، الذي ربما ينقذنا من التعاسة.

الأصوات القديمة

تحت سقف بيتنا المشروخ، كان جسدي واضحًا كصفحة سوداء،

أصواتٌ قديمةٌ اخترقت عظامي، خرجتْ من مقابر مرصوصة في ثوبٍ قاتمٍ.

 الأصواتُ الغامضة

حررتني من الصمت

وعلمتني الاستغناء

 جئت إلى هنا؛ بصدر مريض بالحنين، ظهري ينز بمرارة الصبار المزروع على قبر أبي، وحقيبتي مفعمة بالحلم البعيد، أسحب خلفي سنوات بيضاء، مسكونة بالسنابل ووجه أمي.

في الزمن الفاصل بين الخفة والثقل،

فوق الإسفلت،

وأمام البنايات الصماء،

انسحبت الأصوات القديمة من أعماقي، وامتص جسدي صهد الشوارع ومرارة الوجوه، الجسد الواضح صار عصيا على الفهم،

تقلبني أمي بأيد مرتعشة، فلا تعثر على شيء، أستمتع بلذة الغموض، أُخرجُ لساني، لا أستطيع إدخاله، أخلع حذائي، أضع قدمي في وجه العالم، أغني بصوت مكتوم، وألهث وراء حلم بعيد دونما سبب، لأراني تحت شجرة وحيدة، أبحث عن أصوات قديمة.

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ممتاز وبعيد عن النشاز .. حكايات مرة مرارة العقل الباطن المشحون بظلام الأفق المنكب على الماضي الاعرج.. والملتف على الحاضر المأجور.

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية