بورصة وباء

لقد مرت البشرية بالعديد من الأوبئة التي مثلت خطورة على جنس البشر مثل الطاعون والبَرَص والسُل والإنفلونزا الإسبانية. و كان الأقل ضرراً منهم قد يفتك بنسبه أكثر من 70% من المصابين به.

وبرغم أن هذه الأوبئة ظهرت في فترات لم يكن المجال الطبي متقدم مثل عصرنا هذا. إلا وأن تم التعامل معها بتدابير إحترازية حالت دون الوصول للضرر الجسيم على الجنس البشري. 

ثم يطرأ هنا سؤال محير . لماذا الكورونا التي لا ينجو منها سوى 5% فقط من المصابين بها تأخذ كل هذا المنحنى من الخطورة؟

الإجابة على هذا السؤال تتلخص في الآتي:

1- إنتشار الكورونا كالنار في الهشيم، هو الذي جعل منها مصدر قلق للكثير من الناس فالتضاعف الهندسي التي تناولته وسائل الإعلام يومياً قد أثر على الجنس البشري نفسياً، وجعل الخوف منها وباء آخر أكثر فتكاً منها.

وهذا التضاعف جاء بسبب التطور في تكنولوجيا النقل فعدد الطائرات التي تجول الكرة الارضية يومياً تتجاوز الآلاف لتنقل الركاب من بلد لأخر في أسرع وقت ممكن. فالرحلة التي كانت تستغرق الشهور قديماً لا تستغرق عدد ضئيل من الساعات الآن.

2- حياة الرفاهية التي يعيشها الجنس البشري حالياً لم تكن موجودة من قبل فالموت في العصور القديمة يعتبر نجاة بسبب كثرة الحروب القبلية والأهلية وإستغلال نفوذ رجال الدولة جعل من حياة الناس كالجحيم. ولكن في عصرنا هذا قد نكون مرفهين بشكل كبير عن الأجيال السابقة حتى وإن كان المركز المالي لبعض الدول ضعيف لكنها قد تكون حالها أفضل من بعض الدول الغنية في العصور القديمة.

وتتبلورالرفاهيه التي تعيشها البشرية الآن على شكل تطور في الخدمات وفي المجال التكنلوجي و الحياة الإجتماعية أيضاً حيث وضعت القوانين التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع. ولذلك اصبح دوافع الجنس البشري في التمسك بالحياة أكثر من ذي قبل.

3- الإشاعات الكثيرة التي تناولت موضوع الكورونا خصوصاً في مواقع التواصل الإجتماعي جعل منها شئ مقلق للغاية وخاصة أن المنظمات الصحية الرسمية جاهلة بخصائص هذا الفيروس ومدى قوته الفعلية، ولم تعطي أي إثبات أو نفي لأي خبر يتداول عنه إلا بعد فترة كبيرة من تداوله.

والآن بدأت البشرية في التعايش مع الوضع وبدأ الجنس البشري يعلم أن الخوف من هذا الفيروس أكثر فتكاً من أضراره. وبدأت الدول تفتح حدودها تدريجياً مع إتخاذ بعض الإجراءات الصحية.

ولكن لماذا خرج إلينا رئيس منظمة الصحة العالمية بتصريح أن العالم قبل الكورونا لن يبقى كما هو بعده؟

بالفعل هو محق فيما قال. فلقد اكتشفنا أهم خاصية من خصائص هذا الفيروس وهي أن الغلبة للموارد الأساسية وليست الوهمية.

ففي الآونة الاخيرة وقبل ظهور فيروس كورونا، بدأ إقتصاد العالم يعتمد إعتماد شبه كُلي على موارد وهمية ليس لها وجود مادي لكنها تعطي مركز مالي قوي مثل بورصة الأوراق المالية .

فتأرجُح سوق الأسهم قد يقوى أو يضعف مركز مالي لشخص عادي أو إعتباري في دقيقة واحدة. وكل هذا بدون إنتاج هو فقط موارد وهمية ليس لها وجود مادي.

وبالنسبة للذهب الأسود ( النفط ) فكان إحتياطي النفط هو مقياس المركز المالي للدول. فالدولة صاحبة أكبر إحتياطي تعتبر ذات مركز مالي قوي.، فمشتقات النفط تدخل في العديد من الصناعات الحديثة وبالطبع يوجد به أهم مشتق وهو ( البنزين ) الذي يحرك معظم المركبات الأرضية والبحرية والجوية على مستوى العالم.

فهذا الذهب الأسود أصبح عديم الفائدة خلال فترة الكورونا فسفن النفط كانت تتجول في المحيطات ولن تجد مشتري حيث وصل سعر برميل النفط إلى واحد دولار أمريكي برغم أن سعره قبل أزمة كورونا كان يصل ل 55 دولار أمركي.

كما أن تحول القوة الشرائية من السلع التكميلية (مثل الأجهزة الكهربائية والسيارات والملابس... إلخ) إلى السلع الأساسية ( المواد الغذائية ) قد كشف الحقيقة للعديد من رواد الأعمال. وظهر هذا بشكل ملحوظ عندما رأينا فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي لنشوب معارك داخل منافذ لبيع السلع الغذائية بالتجزئة. وبدأت الدول تنشر حملات توعية بهذا الشأن.

فلجأ الكثير من رجال الأعمال في الآونة الأخيرة إلى الإستثمار في مجال ( تجارة المواد الغذائية) حتى مدمني لعبة الأسهم حولوا وجهتهم من شركات الخدمات التكنلوجية مثل (مايكروسوفت وهواوي) إلى شركات تجارة المواد الغذائية مثل شركة كارفور و FXTM.

رحم الله دكتور مصطفى محمود عندما قال: "لو انتشر فيروس قاتل في العالم وأغلقت الدول حدودها وانعزلت خوفاً من الموت المتنقل، ستنقسم الأمم بالغالب إلى فئتين فئة تمتلك أدوات المعرفة تعمل ليلاً ونهاراً لاكتشاف العلاج، والفئة الأخرى تنتظر مصيرها المحتوم، وقتها ستفهم المجتمعات أن العلم ليس أداة للترفيه بل وسيلة للنجاة"

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب