عيونٌ تملؤها الفرحةُ، وقلوبٌ تغمرها السعادةُ ووجوهٌ تعلوها ابتسامةٌ مشرقةٌ، تقفُ جموعٌ من الأطفالِ تسمعُ صوتَ دقاتِ قلوبهم من فرطِ الفرحةِ والتشوقِ.
ولا تقلُ فرحةَ الأهالي كذلكَ عنهم فهم متحمسين يتزاحمون لفتحِ بابِ العرضِ المليءِ بالمفاجآتِ واستعراضات قد تكونُ مضحكةً أو خطيرةٍ.
لكنها في كلتا الحالتينِ تجلبُ لهم السعادةُ.
إنهُ عالمُ السيركِ
يبدأُ العرضُ ما بينَ بهلوانٍ بارعٍ في السيرِ بتوازن عالٍ وخطًا ثابتة على حبالٍ رفيعةٍ يتنقلُ ما بينها دونَ أن يختلَ توازنهُ أو ثقتهِ التي تعكسها نظرةُ اليقينِ بقدراتهِ الاستثنائيةِ وقدرتهِ على التأثيرِ وإقناعِ الجمهورِ بمهاراتهِ.
تنتهي فقرته بصوتِ التصفيقِ العالي الممزوجِ باستحسانٍ وانبهارٍ شديد، ثمَ يطلُ عليهم ذلكَ الشخص.
ملون الوجهِ مرتديًا ملابسَ فاقعة اللونِ بخطواتٍ متعثرةٍ مقصودةٍ وحركاتهٍ ساخرة مضحكة يحاولُ أن يبديَ فشلهُ في تقليدِ البهلوانِ ليسرقَ الضحكاتِ من الجمهورِ، من خلالِ أداءٍ يبدو أو يتسمُ بنوعٍ من السذاجةِ لكنهُ ينمُ عن ذكاءِ وقدرةِ عاليةٍ على إضحاكِ الناسِ وكسبِ محبتهم وإحساسهم بأنهُ ذلكَ الشخصِ البسيطِ الساذجِ.
النتيجة واحدة ما بينَ بهلوان متمكنٍ ومهرجٍ متعثر كلاهما قادر على التأثيرِ والإقناع وسلبِ العقولِ والقلوب.
ينتهي العرضُ وتسدلُ الستارةُ تخرجُ الأفواجَ تعلو الابتسامةُ على وجوههم وعباراتٍ تبدي مدى استمتاعهم.
فيعودُ كلُ منهم لأرضِ الواقعِ وروتينِ الحياةِ الجافةِ التي يتخللها الكثيرُ من التعثرِ في مواجهةِ متطلباتها ومحاولةِ تحقيق أدنى مستوى من العيشِ، كريمًا كانَ أو مهينٍ.
فتتبدلُ الابتسامةُ المشرقةِ إلى غصةٍ في القلوبِ ودمعٍ في عيونٍ تأبى أن يراها الغيرُ في محاولةٍ مضنيةٍ منهُ للحفاظِ على ما تبقى من كرامتهِ الإنسانيةِ.
فيسعى جاهدًا لتحقيقِ التوازنِ ما بينَ متطلباتِ العيشِ وإمكانياتهِ المحدودةِ التي قدْ تصلُ أقربَ إلى المعدومةِ.
وما بينَ هذا وذاكَ يستمرُ بالمحاولةِ يتعثرُ وينهضُ ثمَ يتعثرُ، وينهضُ ولا يدري إنَ كانَ يستطيعُ في كلِ محاولةِ أن يقفَ من جديدٍ، لكنهُ مرغمٌ على المحاولةِ فهوَ ليسَ لوحدهِ في هذهِ الحياةِ.
هنالكَ الأيدي الصغيرةُ التي كانت من لحظاتٍ تشدُ على يديهِ من شِدَةِ الفرحةِ لقدومِ السيركِ إلى مَدينتهم، فهم لا يعرفونَ ما يعانيه آباؤهم، الذينَ يلعبونَ أيضًا في واقعهم دورَ البهلوان، لكنهُ بهلوان متعثر ومهرجٌ لكنهُ حزين.
على الجانبِ الآخرِ يعود البهلوان البارع والمهرجُ المخادع ينزعونَ أقنعة التمثيلِ يشعرونَ بالانتصارِ والنجاحِ.
فقد حققوا غايتهم وأثبتوا قدراتهم على الإقناعِ وحازوا على تصفيقِ الجماهيرِ عن أداءٍ لا يمتُ للواقعِ بصلةٍ هوَ مجردُ وعودٍ بالسعادةِ هيَ كإبرٍ مسكنة تهدأُ الألمَ لكن لا تعالجه.
إنها الحياةُ
إنهم نحنُ
نصارعُ فيها كلُ يومٍ في محاولاتٍ هشةٍ لمواجهةِ أوهام أبطالِ السيرك الكاذب.
محتوى ممتاز جدا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.