قبل الغوص في التحليل السردي المعقد، لا بد من تعريف فن المقامة الذي يُعد من أبرز أنماط النثر الفني العباسي والأدب العربي الكلاسيكي التي ازدهرت في الأدب العباسي، المقامة في الأدب العربي هي حكاية قصيرة مسجوعة، تتميز ببنيتها الثابتة التي تقوم على شخصيتين محوريتين: الراوي، وهو رجل مثقف كثير الأسفار، والبطل، وهو شخصية شحاذ متأدب (مُكَدٍّ)، بارع في اللغة والبلاغة، يستخدم فصاحته للحصول على المال من الناس بالحيلة. ويعد بديع الزمان الهمذاني مؤسس هذا الفن، ومن بعده أتى الحريري الذي وصل به إلى ذروة إتقانه. هذا المقال يحلل بنية المقامة السردية وكيفية بناء عالمها الفني.
تعريف فن المقامة
قبل الغوص في التحليل النقدي، من المهم تقديم تعريف سلس. المقامة هي حكاية قصيرة تُكتب بأسلوب النثر المسجوع، وتتميز ببراعتها اللغوية والبلاغية الفائقة، وتدور أحداثها غالبًا حول شخصيتين رئيستين:

-
البطل: شخصية فصيحة، ذكية، ومحتالة (أو متسولة)، تتنقل بين المدن وتستخدم بلاغتها للحصول على المال. أشهر مثال هو أبو الفتح الإسكندري في مقامات الهمذاني، وأبو زيد السروجي في مقامات الحريري.
-
الراوي: شخصية مثقفة تتنقل بين المدن وتصادف البطل في كل مرة، فتروي مغامراته للقارئ. أشهر مثال هو عيسى بن هشام عند الهمذاني، والحارث بن همام عند الحريري.
الجملة الاستهلالية مفتاح العالم السردي للمقامة
تبدأ المقامة دائمًا بجملة استهلالية تنقل «المروى له» إلى عالم الحكاية بأشخاصه ووقائعه وأحيازه الزمانية والمكانية، وهذه الجملة تتكرر في صيغ أربع هي: «حدث»، «حكى»، «أخبر»، «روى»، مشفوعة بفعل ماضٍ، يختلف عنها بنية ودلالة، وهو «قال».
فالقول على المستوى السردي نقل مباشر، لا يحتاج إلى إسناد، في حين أن السرد بواسطة «الحديث» أو «الحكي» أو «الإخبار» أو «الرواية» لا يتم إلا بوسيط يحيل على طبقة من الرواة تتوسط بين الطرفين: الراوي المعلوم والمروى له، المشار إليه في الأفعال الثلاثة «حدث»، «حكى»، «أخبر» بضمير المتكلم المتصل «ني» أو «نا».
طبقات الرواة.. من الذي يحكي الحكاية؟
إن السرد في فن المقامة معقد ومتعدد الطبقات. ما معنى جملة «حدثنا عيسى بن هشام قال»؟ إنها تكشف عن وجود أكثر من راوٍ واحد.
طبقات الرواة: المعلوم والمجهول
هذه الجملة الاستهلالية تنطوي على طبقتين من الرواة؛ إحداهما معلومة متعينة الاسم، وهي «عيسى بن هشام» عند الهمذاني، و«الحارث بن همام» عند الحريري، و«أبو التقويم» عند ابن الجوزي، و«القاسم بن جريال» عند الجزري، و«سهيل بن عباد» عند اليازجي، في حين تظل الطبقة الثانية مجهولة، تتحدث بضمير الغائب أو المتكلم، فما أن تنتهي الجملة الاستهلالية حتى تظهر الطبقة المعلومة وتشرع في الرواية.
الراوي المجهول هو الذي يؤطر المقامة سرديًّا، وبواسطته يظهر الراوي المعلوم ليصف أفعال البطل وينقل مغامراته.

فإذا لاحظنا أن البطل قد يتولى الرواية، كما في المقامة الكوفية للحريري، لأن «أبا زيد السروجي» هو الذي يروي للحارث بن همام، فمعنى هذا أن ثمة ثلاث طبقات: الراوي المعلوم، والراوي البطل، وراوٍ مجهول لا تشير إليه جملة الاستهلال، ولا يشير هو بدوره إلى الراوي المعلوم، ثم إنه لا شأن له بالبطل وأفعاله.
ومن الملحوظ أن هذه الجملة تمثل إطارًا سرديًّا ينتظم عمليتي الإرسال والتلقي، ومن ثم فهي عنصر أساسي تتكرر في كتابات جميع مؤلفي المقامات في الصيغ الأربع المذكورة.
فهي عند الهمذاني: «حدثنا عيسى بن هشام قال»، وعند الحريري: «روى الحارث بن همام قال»، وعند الوهراني: «حدثنا عيسى بن حماد الصقلي قال»، وعند ابن الصقيل الجزري: «حكى القاسم بن جريال قال»، وعند القلقشندي: «حكى الناثر بن نظام قال»، وعند ابن شرف: «حدث الجرجني قال»، وعند الشدياق: «حدث الحارس بن هشام قال»، وعند السنوسي (1318هـ/1900م): «أخبرنا أبو الحسن بن بسام أنّه…».
تحليل الإسناد السردي.. وظيفة «حدثنا قال»
ما وظيفة الإسناد في المقامة؟ إنها ليست تقليدًا لأسلوب المحدثين، بل لعبة فنية معقدة.
الفعل في هذه الجملة ينطوي على إسناد متعدد الطبقات، إذ يشير إلى راوٍ مجهول ينقل إلى مروى له غائب أو بالأحرى مجهول مثله. وهذه الجملة، وإن استلهمت تقاليد الإسناد الخبري، لكنها تصرَّفت فيه، إذ استبدلت ببعض حلقاته ضمائر، وأدرجت الرواية الثانية المنسوبة إلى راوٍ معلوم في رواية أولى منسوبة أيضًا إلى راوٍ مجهول؛ ومنه تبدو صيغة «حدثنا قال» كأنها تسوغ للراوي المعلوم والمفارق أن ينتحل ما قاله سلفه المجهول المتماهي، أو بالأحرى المشارك في الحدث؛ فما أن يختفي هذا الأخير، حتى يبدأ الراوي المفارق بتكوين العالم الفني للمقامة بأحداثه وشخصياته وأحيازه الزمانية والمكانية.
وبهذا فإن الفعل «حدث» يمهَّد للراوي المفارق والمتعين باسمه لكي يباشر وظيفته، وهي ترتيب هذا العالم وصياغته؛ فيستعيد واقعة أو يستبقها أو يحددها زمانًا ومكانًا، ويظل يتتبع البطل فلا يكتشفه إلا في الذروة أو فيما يُعرف سرديًّا بـ«لحظة التعرف» أو «المخلص» وفقًا للمصطلح القديم.
ومن الملحوظ أن الجملة الاستهلالية تتكرر لدى الهمذاني في صيغ ثلاث؛ فهي في المقامة الثانية: «قال عيسى بن هشام»، وفي السابعة والثالثة عشرة: «حدثني»، أما فيما سوى هذه الثلاثة، فترد في صيغة «حدثنا». فالصيغة الأولى «قال» تقتصر على ركني الإسناد: الفعل والفاعل، إذ يحضر الراوي مع غياب المروى له، في حين تنتظم الصيغتان الأُخريان في بنية نحوية واحدة، يتوسط ركني إسنادها ضمير المتكلم مفردًا كما في «ني» أو جمعًا مثل «نا»، فتصبح الصيغة على هذا النحو: «حدثْني/نا عيسى بن هشام قال...».

فإذا تلبثنا عند فعلي الإسناد «حدث، قال»، ألفينا أن فاعليهما ظاهر، أي أنهما يحيلان على معنى المشافهة. وهذا يعني أن بنية الاستهلال تنطوي عامليًّا على عنصرين هما الراوي والمروى له، وأن المقامة ذاتها تمثل «مروى له» معلومًا يتداوله هذان العنصران. وهنا يكون التساؤل: هل هذا «المروى له» هو نفسه الضمير المتصل «ني» أو «نا» في فعلي الإسناد «أخبر، حدث»؟ ثم من هو ذلك «المروى له» الذي يتوجه إليه «الراوي» بخطابه في هذه الصيغة الإسنادية؟ معلوم أن الذي يتفوه بجملة «حدث» في هذه الصيغة هو الضمير المتصل «ني» أو «نا»، أي أنه راوٍ عن راوٍ، ولهذا فإن تحولات الإسناد السردي تسير على هذا النحو:
(الراوي) + فعل السرد + المروى + المروى له المجهول
فالراوي هنا عيسى بن هشام، والمروى له «نا» أو «ني»، أما المروى أو المتن فهو المقامة، وتبدأ بالفعل «قال» مشفوعًا بالنص كما قلنا.
وكما يبدو من الصورة العامة، فالراوي الأول «ني.. نا» تحوّل إلى «مروى له»، في حين ظلّ الراوي عيسى بن هشام مرويًّا داخل هذا المروى الذي ينقله الراوي الأول، ويبدو أن هذا تمويه من الهمذاني ليتحوّل من راوٍ أولٍ أحاط خبرًا بالحكاية من ناحية تحريك أحداثها، وتوزيع أزمانها وتوظيف شخصياتها، إلى «مروى له»، ليس له من الأمر شيء، وهذا ما تشير إليه الدلالة العامة لفعلي الإسناد «حدث. قال» حيث المناقلة الشفهية وابتداء الحدث.
معنى هذا أن الهمذاني هو نفسه عيسى بن هشام، وأنّ وظيفة جملة الاستهلال داخل البنية الحكائية تتمثل في أمرين: ترتيب عناصر العالم الفني للمقامة، ووصف أحداث الحكاية.
تطبيق عملي: تحليل البنية السردية للمقامة المضيرية للهمذاني
لفهم هذه المبادئ النظرية، دعونا نحلل بنية السرد في مقامات الهمذاني من خلال أشهر مقاماته، وهي المقامة المضيرية.
ترتيب مكونات العالم الفني
أما الأول، فيتمثل في أن عيسى ما أن يشرع في الرواية، حتى يبدأ بتحديد الإطارين الزماني والمكاني اللذين تتحرك داخلهما الأحداث. دونك مثلًا: «كنت في البصرة ومعي أبو الفتح الإسكندري».
فجملة «كنت» تنطوي على زمنين، أحدهما حاضر يتعلق بالرواية، والآخر ماضٍ يتعلق بالحدث، وهو بالضرورة سابق عن زمن الرواية، وغير محدد غالبًا، شأنه هنا شأن المكان، وهو «البصرة»، فهذه المدينة مكان عام غير محدد.
ومن الواضح أن ظهور البطل أبي الفتح يقترن منذ بداية الاستهلال بظهور راويه عيسى بصفته مشاركًا في الأحداث، وإن كان ذلك على المستوى السردي فقط، فالأحداث تسير في حلقات، يشترك هو في تحريكها على نحو يجعل من «المروى» حكاية إطارية كبرى يندرج تحتها ستّ وحداتٍ سردية صغرى، تتكرر على هذا النحو:
«حضرنا معه دعوة بعض التجار»؛ «قدّمت لنا مضيرةٌ»؛ «قام أبو الفتح يلعنها وصاحبها ويمقتها وآكلها»؛ «لكنّا ساعدناه في هجرها، وسألنا عن الخوان»؛ و«إذا المزاح عين الجد، وتنحى عن الخوان».
وصف أحداث الحكاية وتحليل الأفعال
هذا عن المهمة الأولى، وهي ترتيب مكونات العالم الفني للحكاية. أما الثانية، وهي وصف أحداث الحكاية، فالراوي، بصفته شاهدًا على الأحداث والشخصيات ومعاصرًا لها، يتولى وصفها وصفًا ذاتيًّا، بعيدًا عن التجريد، وبهذا يربط الحكاية الإطار بتفريخاتها الداخلية، فيصف أبا الفتح بأنه «رجل الفصاحة، يدعوها فتجيبه، والبلاغة يأمرها فتطيعه».
فإذا ما حضرت المضيرة، انتقل هكذا إلى وصف البطل: «قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويموج فيها الظرف»، ثم ينتقل بعدئذٍ إلى وصف المضيرة والشخصيات الثانوية: «ورفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، وتلمّظت لها الشفاه، واتقدت لها الأكباد، ومضى في إثرها الفؤاد»؛ «مضيرة تُثني على الحضارة، وتترجح في الغضارة، وتؤذن بالسلامة، وتشهد لمعاوية بالإمامة، في قصعة يزل عنها الطرف، ويموج بها الظرف».

السرد هنا يقوم على الجملة الفعلية، لكنه ينوّع في الفعل، إذ يستخدم «المضارع» مع البطل والمضيرة، في حين يستخدم مع الشخصيات الثانوية فعلًا ماضيًا مشفوعًا بحرف العطف. وهذا لا يخلو من دلالة؛ فحركيّة المضارع وتجدده تعكسان حركيّة الحدث وتجدده، وكأنّ الفصاحة والبلاغة تلازمان بطلاً ما زال يلعن المضيرة، وما زالت هي تُغريه، في حين يظهر الفعل الماضي جاذبية هذه المضيرة العجيبة التي بهرت الضيوف، وهم الشخصيات الثانوية، بقدر ما نفّرت البطل وأثارت حفيظته.
لنلحظ أن الرابط السردي يتراوح بين الفاء والواو؛ فالفاء تسير بالأحداث على مدرّج تراتبي، تتوالد معه الأفعال، في حين تظهر الواو تلازم الأفعال مسندة إلى أجزاء فاعليها (القلوب، العيون، الأفواه، الشفاه، الأكباد، الفؤاد)، ونحوها من آليات المجاز المرسل التي نابت عن أجزاء أشخاصها، وانجذبت عنهم إلى المضيرة، وكأن حركتها نابت عن حركة الفعل، فحوَّلته من المضارع إلى الماضي.
يتضح مما سبق أن فن المقامة في الأدب العربي ليس حكايات طريفة مزينة بالسجع والبديع، بل هو بناء سردي معقد ومدروس بعناية. إن فهم بنية الراوي في المقامة وطبقات السرد المتعددة التي كشف عنها بديع الزمان الهمذاني والحريري يفتح لنا نافذة على عبقرية النثر الفني في عصره الذهبي. لقد كانت المقامة مختبرًا أدبيًا حقيقيًا، تم فيه اختبار حدود اللغة وقدرتها على بناء عوالم فنية متكاملة، وهو ما يفسر بقاءها كظاهرة فريدة ومؤثرة في تاريخ الأدب العربي.
في ختام هذا التحليل، يتضح أن بنية المقامة السردية ليست بنية سهلة أو عفوية، بل هي بناء فني معقد ومتقن يعتمد على طبقات متعددة من الرواة وتلاعب ذكي بالإسناد السردي. إن الفرق بين الراوي والبطل في المقامات ليس اختلافًا في الأدوار، بل هو جوهر اللعبة الفنية التي أسس لها بديع الزمان الهمذاني وأتقنها الحريري. هذه الخصائص تجعل فن المقامة واحدًا من أكثر الفنون النثرية أصالة وعمقًا في السرديات العربية القديمة، وتؤكد عبقرية رواده في تطويع اللغة لخدمة بنية حكائية فريدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.