بندقية كلاشنكوف أو كما تُعرف باسمها الرمزي AK-47، هي ليست سلاحًا فحسب، بل هي أسطورة في عالم العتاد العسكري وواحدة من أكثر قطع تاريخ السلاح الروسي تأثيرًا، منذ استخدامها أول مرة في غزو روسيا للمجر عام 1956، أصبحت بندقية «AK-47» المعروفة باسم كلاشنكوف هي البندقية الأشهر والأكثر استخدامًا في العالم، وتفوقت على كل الأسلحة الخفيفة المعروفة في ذلك الوقت، ولا تزال تتربع على عرش التسليح في الجيوش المختلفة، حتى إن الولايات المتحدة التي أصبحت تستخدمها بجانب أسلحة أخرى.
ما قصة بندقية الكلاشنكوف، ولماذا تحظى بهذه الشعبية الكبيرة؟ ومن هو الرجل الذي سُميت البندقية على اسمه؟ ولماذا يقال إنها السلاح الأكثر فتكًا وأكثر الأسلحة استخدامًا في التاريخ؟ أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال الذي يتناول حكاية الكلاشنكوف، إضافة إلى كثير من المعلومات والأسرار المدهشة عن البندقية صاحبة الشعبية الأولى في العالم.
حين تفوّقت روسيا على أمريكا
بالنظر إلى تاريخ الصراع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي والتنافس الكبير على مستوى الهندسة والتكنولوجيا، فإن روسيا لم تحقق نجاحًا كبيرًا على أمريكا، عل الرغم من أنها سبقتها في صناعة القنبلة الذرية، وفي إطلاق القمر الصناعي، وفي وصول الإنسان إلى الفضاء، لكنَّ بندقية كلاشنكوف كانت النصر الأكبر للهندسة الروسية على الهندسة الأمريكية.

وما زالت بندقية «AK-47» المعروفة باسم كلاشنكوف تحقق مبيعات عالية وترفع رأس الهندسة الروسية عالياً رغم انتهاء المنافسة، إذ تعد قطعة السلاح الأشهر والأكثر مبيعًا في التاريخ وتوجد الكلاشنكوف في كل مكان في العالم؛ حتى في الدول التي تعتمد أسلحة أخرى في تسليح جنودها فإنها تستخدم الكلاشنكوف وتحتفظ بكميات منها.
لماذا اشتهرت الكلاشنكوف؟
قد تتساءل عن الأسباب التي تجعل بندقية الكلاشنكوف تحظى بهذه الشعبية الكبيرة رغم وجود مئات الأسلحة الأخرى من بنادق ورشاشات ذات تكنولوجيا عالية، وخاصة تلك الأسلحة التي تم تصنيعها في القرن الجديد، لكنَّ الكلاشنكوف تُعدُّ من أخف الأسلحة وزنًا، وهو ما يجعلها قابلة للعمل في كل البيئات، إذ يستطيع الجنود والمقاتلون حملها في البرد والحر والمطر وصعود المرتفعات دون أدنى مشكلة.
أبرز مميزات بندقية AK-47
-
الموثوقية الفائقة: تعمل في أقسى الظروف المناخية، من الصحاري الحارة والحرارة المرتفعة إلى الثلوج المتجمدة والبرد القارس والرطوبة، وكذلك استعمالها في ظروف المطر والبلل دون أن تتعطل.
-
سهولة الاستخدام والصيانة: يمكن لأي شخص تعلم تفكيكها وتنظيفها وتجميعها في دقائق معدودة، وهي أمور لا تتوافر جميعها في سلاح آخر بهذه السهولة، إذ يمكن لأي شخص مهما كانت درجة ذكائه أن يتعلم التعامل مع الكلاشنكوف في مدة قياسية، وهو ما يجعلها تحظى بشعبية كبيرة في دول إفريقيا، إذ يتم تجنيد الشباب في عمرٍ صغير وقد لا يحظون بتدريبٍ وإعدادٍ جيِّدين، وبذبك تكون الكلاشنكوف حلًا مناسبًا في كل الظروف.
-
تكلفة الإنتاج المنخفضة: بساطة تصميمها تجعل إنتاجها بكميات هائلة رخيصًا، مما ساهم في انتشارها الواسع.
لماذا الكلاشنكوف موثوق جدًا؟ (نظرة على التصميم)
يكمن سر موثوقية AK-47 الأسطورية في عبقرية تصميمها الميكانيكي البسيط، ويعتمد السلاح على نظام (مكبس الغاز طويل الشوط) (Long-stroke gas piston)، وهو نظام قوي يدفع الأجزاء المتحركة بقوة كافية لطرد أي أوساخ أو غبار قد يعيق عملها. إضافة إلى ذلك، صمم كلاشنكوف أجزاء البندقية الداخلية بخلوصات واسعة (Generous clearances)، أي إنه ترك مسافات كبيرة نسبيًا بين الأجزاء المتحركة، ما يمنعها من الاحتكاك والتعطل بسبب التمدد الحراري أو تراكم الأوساخ، على عكس الأسلحة الغربية الدقيقة التي تتطلب نظافة دائمة.

السلاح الأكثر فتكًا في التاريخ
نعم، من دون مبالغة تعد بندقية الكلاشنكوف هي أكثر الأسلحة التي قتلت الناس على مدار التاريخ، إذ استخدمتها الميليشيات والجيوش في كل النزاعات والحروب المسلحة منذ ظهورها في منتصف الخمسينيات، حتى إنها استخدمت أيضًا أحيانًا ضد المدنيين في عدد من الأماكن التي تسيطر عليها الأنظمة الاستبدادية ذات الإجراءات العنيفة من أجل إحكام سيطرتها على السلطة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأولى في العالم في تصنيع السلاح وعلى الرغم المنافسة الكبيرة بينها وبين روسيا في تلك المسألة؛ فإن الولايات المتحدة أيضًا قد اشترت كمية كبيرة من بندقية «كلاشنكوف» من أجل تسليح القوات الأمريكية التي شاركت في كل من أفغانستان والعراق، وتحرص وزارة الخارجية الأمريكية على تدريب موظفيها على بندقية الكلاشنكوف كونها أحد إجراءات الإخلاء في مناطق الحرب.
كما كانت بندقية الكلاشنكوف هي الأكثر مبيعًا بين الأسلحة في التاريخ، إذ تشير الأرقام إلى أن أكثر من 100,000,000 بندقية بيعت منذ منتصف الخمسينيات حتى الآن، وهو رقم ضخم، لكن توجد جهات قالت إن المبيعات أكبر من ذلك. ولكي تفهم مدى ضخامة هذا العدد فإن أكثر سلاح تم بيعه بعد الكلاشنكوف هو بندقية «إم-16» الأمريكية التي بيع منها حتى الآن ما يقرب من 10,000,000 قطعة.
قصة اختراع الكلاشنكوف
أما عن مخترع الكلاشنكوف وسيرته الذاتية، فيعود اختراع بندقية الكلاشنكوف إلى ميخائيل كلاشنكوف الذي وُلِد في إقليم «ألتاي» في روسيا عام 1919، وعاش ضمن عائلته التي مات منها 10 أفراد، وبقي منها فقط 8 على قيد الحياة. وأظهر كثيرًا من التفوق في دراسته الأولى، لا سيما في مواد الهندسة والكيمياء والفيزياء، قبل أن يعمل موظفًا في سكة حديد كازاخستان، وهو ما منحه كثيرًا من الخبرات العملية، إذ اختلط بالفنيين والحدادين ليبدأ في التفكير في الاختراعات والابتكارات المتعلقة بالتكنولوجيا.
التحق ميخائيل كلاشنكوف بالجيش السوفيتي عام 1938، وعُيِّن قائدًا لإحدى الدبابات العاملة في أوكرانيا السوفيتية، وكان الجيش المكان الأنسب لكلاشنكوف الذي بدأ في تقديم الابتكارات والاختراعات المتعلقة بالتكنولوجيا، إذ عمل على تصميم جهاز جديد لقياس استهلاك المحرك الخاص بالدبابة، وهو ما منحه شهرة كبيرة داخل الجيش الروسي، فاستدعي لمقابلة قادة الجيش لعرض الابتكار الجديد.
وفي أثناء مشاركته في الحرب العالمية الثانية، أصيب ميخائيل كلاشنكوف بجروح بالغة، ونُقل إلى المستشفى، فأمضى فيها مدةً من الزمن، استطاع خلالها التوصل إلى تصميم متطور لبندقية جديدة وضع فيها كل خبراته في الجيش بجانب معرفته الكبيرة بالتكنولوجيا.
وبعد خروجه من المستشفى، عرض مشروعه على القيادة العسكرية التي قررت ضمه إلى المركز العلمي الميداني، فخاض تجربة السلاح الجديد ووضع اللمسات النهائية على البندقية التي حملت اسمه.
مولد بندقية كلاشنكوف
قبل أن تظهر بندقية كلاشنكوف كان يوجد رشاش مكسيم الروسي الذي كان يستخدم عقودًا بقدرته الكبيرة على إطلاق 600 طلقة في الدقيقة، لكن رشاش مكسيم لم يكن عمليًّا للجنود والأفراد، إضافة إلى كونه غير مناسب في البيئات المختلفة، وبذلك كانت توجد حاجة ملحة لوجود سلاح سهل وخفيف للمشاة بشرط أن يكون فعالًا وسريعًا مثل رشاش مكسيم.

ومن أجل ذلك كان توجد عدد من الفرق الهندسية التي تنافس بعضها في الجيش الروسي من أجل تصميم أسلحة ضمن مسابقة كبيرة حتى استطاعت بندقية الكلاشنكوف أن تفوز بالسباق بعد نهاية الحرب العالمية.
وظهرت بندقية كلاشنكوف للنور عام 1947، فاعتمدت سلاحًا رسميًّا وأُطلق عليها «إيه كيه-47» نسبة إلى العام الذي اعتُمِدت فيه، لكنها اشتهرت باسم صانعها «كلاشنكوف». وعلى الرغم من أن اعتمادها جاء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإن روسيا توسعت في إنتاجها وأنشأت لها نحو 20 مصنعًا في العالم في كل من ألمانيا وبلغاريا وبولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا والصين والعراق ومصر، وهي الدول التي كانت روسيا تتمتع فيها بتأثير كبير.
أما الظهور الأول لبندقية كلاشنكوف فكان في أثناء غزو الاتحاد السوفيتي للمجر عام 1956، وهي المعارك التي أظهرت كفاءة كبيرة للبندقية الجديدة، وجعلت جيوش العالم تطلب كميات كبيرة من الكلاشنكوف التي ما زالت تحظى بالشعبية نفسها حتى الآن، وتتسلح بها جيوش نحو 40 دولة مثل الصين والبرازيل ومصر ومعظم دول أوروبا، إضافة إلى إيران وإسرائيل وكوريا الشمالية والمكسيك والمغرب وجنوب إفريقيا وأوكرانيا، إضافة إلى روسيا.
تكريم ميخائيل كلاشنكوف
بلا شك حظي ميخائيل كلاشنكوف بشهرة عالمية لاختراعه البندقية الأكثر استخدامًا في العالم، ونال كثيرًا من التقدير والتكريم داخل روسيا، إذ مُنِح شهادة الدكتوراه في العلوم التكنولوجية، إضافة إلى عدد من الشهادات والمنح من 16 أكاديمية روسية وعالمية، إضافة إلى أنه ترقى في المناصب العسكرية حتى وصل إلى رتبة جنرال في الجيش الروسي عام 1999.
وكان الاتحاد السوفيتي دائمًا ما يحرص على إخفاء هويته الحقيقية، أي ميخائيل كلاشنكوف التي تم اعتمادها أحد الأسرار العسكرية، حتى عندما خرج لرحلة خارج البلاد عام 1970 مع زوجته فسافرا إلى بلغاريا، حرصت المخابرات السوفيتية على ألا يعرف البلغاريون هويته الحقيقية، ووصل الأمر إلى إخفاء هويته عن المجموعة السياحية التي كان كلاشنكوف جزءًا منها.
وحصل ميخائيل كلاشنكوف على وسام النجمة الحمراء عام 1949، ووسام بطل العمل الاشتراكي، ووسام الراية الحمراء، ووسام الاشتراكية، ووسام الحرب الوطنية، إضافة إلى وسام من الكنيسة الروسية، وعدته روسيا أحد أبطال الجيش الروسي بسبب الاختراع الأكثر قتلًا وفتكًا في التاريخ.
وكان ميخائيل كلاشنكوف قد قال في حوار له إنه صنع البندقية من أجل الدفاع عن وطنه وحماية الناس، لكنه في أيامه الأخيرة كتب رسالة عبَّر فيها عن أسفه وألمه بسبب موت آلاف الناس بالبندقية التي عمل على تصميمها ولم يحصل منها على أي استفادة مادية، ولم يتبقَّ أي مبالغ أو أرباح عن إنتاجها الضخم، كما لم يحصل أبدًا على براءة اختراع للبندقية التي تحمل اسمه.
وفي 23 ديسمبر عام 2013 توفي ميخائيل كلاشنكوف بعد صراع مع المرض، ودُفن في المقبرة العسكرية في مدينة إيجيفسك، وحظي بجنازة عسكرية مهيبة شارك فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكثير من القادة العسكريين والسياسيين.
أيقونة ثقافية وسياسية
تجاوزت بندقية الكلاشنكوف كونها سلاحًا لتصبح رمزًا ثقافيًا وسياسيًا عالميًا، خلال الحرب الباردة، أصبحت رمزًا للثورات وحركات التحرر الوطني ضد الإمبريالية الغربية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد ترسخت هذه الرمزية حتى إن AK-47 ظهر على أعلام وشعارات وطنية، وأشهر مثال على ذلك هو علم موزمبيق الذي يضم رسم البندقية بفخر. وأصبح السلاح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية، فيظهر في أفلام هوليوود وألعاب الفيديو رمزًا للقوة الخام والتمرد.
أرقام حديثة عن بندقية كلاشنكوف
على الرغم من انتهاء الحروب العالمية والصراع والتنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ومع ظهور عدد من الأسلحة الحديثة ذات التكنولوجيا العالية؛ فإن بندقية كلاشنكوف ما زالت تحقق أرقامًا مرعبة، إذ يشير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI) إلى أن بندقية كلاشنكوف تتصدر تجارة الأسلحة الصغيرة على مستوى العالم التي تصل مبيعاتها إلى نحو 8.5 مليار دولار كل عام.
كذلك فإن الأرقام تشير إلى أن أكثر من 1000 شركة عالمية تنتج بندقية كلاشنكوف بأنواعها المتعددة بعد إجراء عدد من التعديلات عليها، إضافة إلى تصنيع نحو 12 مليار رصاصة لبندقية كلاشنكوف كل عام، وهي الرصاصات التي يكفي نصفها تقريبًا لقتل كل أفراد كوكب الأرض.

وكانت إحصائية قد نُشرت عام 2016 من منظمة العفو الدولية (Amnesty International) قد أشارت إلى أن الشركة الروسية التي تعمل على تصنيع بندقية كلاشنكوف قد باعت في العام نفسه بنحو 18.3 مليار روبل، وهو ما يساوي نحو 313 مليون دولار، وهي شركة واحدة من بين الشركات التي تنتج الكلاشنكوف.
تظل بندقية كلاشنكوف AK-47 رمزًا هندسيًا لا يُنسى، فلا توجد قطعة سلاح أخرى جمعت بين هذه البساطة والكفاءة والانتشار، إن قصة ميخائيل كلاشنكوف واختراعه تذكرنا دائمًا بالتناقض بين هدف الاختراع (الدفاع عن الوطن) ونتائجه المأساوية في كل أنحاء العالم.
وفي نهاية هذا المقال الذي تناول قصة بندقية «إيه كيه-47» المعروفة باسم «كلاشنكوف»، نرجو أن نكون قد قدّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.