بناء العادات.. كيف تكتسب عادات جيدة وتتخلص من السيئة؟

هل حاولت يومًا الالتزام بممارسة الرياضة، أو القراءة بانتظام، أو التوقف عن تصفح الهاتف ساعات، لتجد نفسك تعود إلى نقطة البداية بعد أيام قليلة؟ أنت لست وحدك. إن معركة بناء عادات جيدة والتخلص من أخرى سيئة هي تجربة إنسانية مشتركة. لكن السر لا يكمن في قوة الإرادة الخارقة، بل في فهم الآلية التي يعمل بها دماغنا وهي العادات التي هي برمجة تلقائية لعقولنا.

كثيرة هي المؤلفات والنقاشات عن العادات، وكيف أنها السلاح السري للناجحين، أو القيد الذي يكبّل الفاشلين، ففي خضم هذا الجدل، يظل الهدف واحدًا: كيف نسيطر على حياتنا لنصنع النسخة الأفضل من أنفسنا؟ الحقيقة أن عاداتك اليومية هي التي تكوِّن هويتك ومستقبلك، سواء أدركت ذلك أم لا.

في هذا المقال، سنستكشف جوهر العادات، وأهميتها البالغة في رسم مسار حياتنا نحو الفشل أو التميز، وسنقدم إرشادات عملية لكيفية بناء عادات جديدة أو التخلص من عادات سيئة، مع التأكيد على أن الرحلة ليست مستحيلة بل تتطلب إصرارًا ووعيًا ذاتيًا، دعونا نُبحر معًا في هذا الدليل الموجز لنفهم كيف يمكن للعادات أن تصنع منك نسخة أفضل من نفسك كل يوم.

 كثيرة هي المؤلفات عن العادات، وكيف هي مهمة، وكيف لنا أن نكتسبها، وكثيرة هي أيضًا الانتقادات الموجهة لها؛ فليس كل الناس على وفاق معها. فلنحسم الجدل هنا، ولنحاول توضيح الأمر بصورة سلسلة.

أولًا: ما تعريف العادات؟

العادات هي سلوكيات معينة اعتاد أن يفعلها الإنسان باستمرار وبدون مجهود مبذول حتى في التفكير فيها. فعندما يتكرر سلوك ما بما فيه الكفاية، يقوم الدماغ بأتمتته لتوفير الطاقة العقلية، وينقل التحكم فيه إلى منطقة تُسمى العقد القاعدية، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نقود السيارة أو نفرش أسناننا دون وعي تقريبًا.

تعريف العادات

ثانيًا: هل العادات مهمة؟

أجل هي كذلك، بل هي محفوفة بالخطر أيضًا حتى إنها قد تجعل منك إنسانًا فاشلًا يحيا بعشوائية، أو ناجحًا ومتميزًا ومنضبطًا ومستمرًا حتى في أسوأ الظروف، فحياتك اليوم هي نتاج عاداتك الصغيرة المتراكمة على مدار السنوات الماضية.

الدليل العلمي لبناء العادات: حلقة العادة

لفهم كيفية بناء العادات، يجب أن نتعرف على حلقة العادة، وهو مفهوم شهره الكاتب تشارلز دويج في كتابه (قوة العادات). تتكون هذه الحلقة من ثلاث خطوات:

  1. الإشارة أو المحفز: ما يطلق السلوك (مثال: رنين إشعار الهاتف).

  2. الروتين: السلوك أو الفعل الذي تقوم به (مثال: فتح تطبيق التواصل الاجتماعي).

  3. المكافأة: الشعور بالرضا الذي تحصل عليه الذي يجعل عقلك يرغب في تكرار الحلقة (مثال: رؤية إعجاب جديد أو رسالة). فهم هذه الحلقة هو أساس التحكم في عاداتك.

حلقة العادة

إستراتيجيات عملية لبناء عادات جديدة وفعالة

بالتأكيد لدى كل منا رغبة دفينة في اكتساب عادة ما. ولكن علينا أن نعرف أن الأمر لا يكون بهذه السهولة. وهنا أريد أن أوضح أنه حتى اكتساب أصعب العادات، عليك أن تعلم أن الرحلة لا تسير على وتيرة واحدة من الصعوبة، وإنما تبدأ كبيرة، وقد تراها مستحيلة، ثم شيئًا فشيئًا تعتادها وتعتادك وتصبح غاية في السهولة.

ابدأ بهدف صغير جدًّا (عادة ذرية)

وهنا تكمن المشكلة. فحين ترى أن الأمر صعب، يقوم المخ بشكل لا إرادي بإبعادك عنه. وإنما يكمن الحل في أن تدرك أن ذلك مجرد هدف كبير، وما علينا سوى تقسيمه إلى أهداف صغيرة يومية. كما تحدث جيمس كلير في كتابه الشهير (العادات الذرية) عن تقسيم الأهداف الكبيرة إلى عادات في حجم الذرات الصغيرة. بدلًا من (قراءة كتاب كل أسبوع)، ابدأ بـ(قراءة صفحة واحدة كل يوم). هذه السهولة تجعل مقاومة عقلك شبه معدومة، وتشجعك على الاستمرار.

ابدأ بهدف صغير

اربط عادتك الجديدة بعادة قديمة (تكديس العادات)

ما يساعد أيضًا في بناء العادات أن تربط عادة يومية قديمة بأخرى جديدة، كأن تجعل وقت القراءة هو وقت استمتاعك بالقهوة كل يوم. يُعرف هذا بـ(تكديس العادات)، وصيغته هي: بعد العادة الحالية، سأقوم بالعادة الجديدة، فهذا سيساعدك في البدء والاستمرار.

اجعل الأمر جذابًا ومكافئًا

حين تذكِّر نفسك بالمكافأة في النهاية، وأن ترى نفسك وقد وصلت إلى مبتغاك، حينها ستدرك أن الأمر يستحق المثابرة. ويمكنك أيضًا ربط العادة التي تريد اكتسابها بشيء تحبه. مثلًا: «لن أشاهد مسلسلي المفضل إلا في أثناء ممارسة التمارين على الدراجة الثابتة». هذا يجعل العادة الجديدة أكثر جاذبية.

اجعل العادة الجديدة جذابة

جهّز بيئتك للنجاح

إذا أردت القراءة أكثر، ضع كتابًا على وسادتك. إذا أردت شرب مزيد من الماء، املأ زجاجة وضعها أمامك على المكتب. تصميم بيئتك لتسهيل العادات الجيدة يجعل الالتزام بها تلقائيًا.

كيفية التخلص من العادات السيئة

إن أردت ترك عادة سيئة مثلًا كالجلوس على الهاتف فترات طويلة، فالخطوة الأولى هي الإدراك. أن تدرك المدة التي تمسك بها الهاتف، وتحسب ذلك الوقت كل يوم. وهنا سيحل الإدراك بدلًا من عدم الوعي. وللتخلص من عادة سيئة، يمكنك عكس قواعد بناء العادات:

  • اجعلها غير مرئية: أبعد الهاتف عنك أو ضعه في غرفة أخرى.

  • اجعلها غير جذابة: فكر في الأضرار التي تلحق بك بسببها.

  • اجعلها صعبة: استخدم تطبيقات تحدد وقت استخدامك للتطبيقات الأخرى.

  • اجعلها غير مُرضية: في كل مرة تتجنب فيها العادة، كافئ نفسك بشيء آخر.

أيضًا سيساعدك أن تستبدل بها أخرى جديدة. ففي الوقت نفسه الذي اعتدت فيه على الإمساك بالهاتف، ضع بجوارك كتابًا، وبدلًا من الإمساك بالهاتف، تناول الكتاب وابدأ في القراءة.

التغلب على التحديات: ماذا تفعل حين تفقد الحماس؟

  • ذكّر نفسك بالسبب (لماذا): عليك في البداية أن تكتب: لماذا أريد اكتساب هذه العادة؟ ما النفع الذي سيعود عليَّ من اكتسابها؟ وما الذي سيلحق بي من أضرار إن لم أكتسبها؟

  • أحط نفسك بالدعم: مما يسهل عليك المسير أن تحيط نفسك دومًا بأشخاص يشبهونك ولهم أهدافك نفسها، فهذا يمنحك التشجيع على المسير والحديث عن العقبات.

  • لا تفوت العادة مرتين: من الطبيعي أن تخطئ يومًا، لكن القاعدة الذهبية هي: (لا تفوتها مرتين متتاليتين). إذا فاتك التمرين اليوم، احرص على أدائه غدًا مهما كان. هذا يمنع الانقطاع التام.

وعلى الرغم من أهمية العادات، فإن هناك من ينتقدها ولا يحب أن تسير حياته على وتيرة واحدة. ولكن العادات الجيدة لا تعني حياة مملة، بل هي تحرر طاقتك العقلية من القرارات الصغيرة لتركز على الإبداع وحل المشكلات الكبرى. إنها توفر لك الانضباط الذي يمنحك الحرية.

إن بناء حياة أفضل ليس نتيجة تحول جذري واحد، بل هو نتاج مئات العادات الصغيرة التي نمارسها كل يوم. العادات هي الفائدة المركبة للتطور الشخصي. لا ضير من الاستراحة وكسر الروتين، ولكن الأساس المتين من العادات الإيجابية هو ما يضمن لك استئناف المسير بقوة وثبات. ابدأ اليوم، ولو بعادة صغيرة بحجم الذرة، وشاهد كيف يمكن للاستمرارية أن تبني لك مستقبلًا لم تكن تحلم به.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال جميل و مفيد جدا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة