بلاد تركب السرفيس

كفريق كرة قدم يسع السرفيس -وهو وسيلة المواصلات الأولى بعاصمة محافظة الشرقية- فقط إحدى عشر شخصًا. لم ولن يقتنع سائقوا السرفيس بهذا العدد أبدًا لابد من ركوب بدلاء الفريق والطاقم الفني والجمهور وكل يمرون عليه من بشر وهناك دائمًا «كرسي فاضي ورا يا أستاذ» حتى وإن كان عليه أم ورضيع وطفلان وعشرة أكياس من الخضراوات.

تستيقظ في الصباح، تتجه للطريق الرئيسي، فتمر عليك المركبة الأكثر شهرة مكتظة بالناس، ترفع يدك ثم تقترب منك فترى عين السائق الحمراء وما أسود تحت عينه من خلف الزجاج وبينما أنت كذلك إذ بشيءٍ مُزعج يشبه البشر يتعلق بباب العربة ويصيح «هوزبيتل هوزبيتل هوزبيتل». أنت لا تفهم كلمة لكنك تقول نعم نعم ثم بعد خمسين متر يدرك السائق أنك تريد الذهاب إلى هذا المكان فيتوقف لتجري إليه ثم ما إن تصل يتحرك لتجري خلفه وتحاول التشبث بالباب وبعدما تفنى طاقتك تكون قد ركبت، لكنك تظل واقفًا داخل العربة أو ربع جسدك بداخل العربة وثلاثة أرباعه طائرين بالخارج. من نقطة لأخرى يبدأ الناس في النزول، وما أن تجد لك مقعدًا فارغًا وترضى تُفاجيء بأم عفاف تنهج وهي تصعد العربة فتسخط وتترك المقعد من جديد لتنل بضع دعوات من أم عفاف. يصل السرفيس عند المستشفى فينادي التبّاع من جديد «هوزبيتل يا أساتذة اللي نازل» فتدرك أنه يقصد Hospital- مستشفى.

ما دامت وجهتك هي آخر ما يصل إليه السرفيس فأنت في مأمن، إن حدث عكس ذلك فلابد من مشاحنة مع السائق. تشير إلى مقصدك بصوتٍ عالٍ ليسمعك ويتوقف فينهرك بشدة ويأمرك بألا تحادثه هكذا، ثم يقولك لك وقد ظهرت عروق رقبته في المرآة: «لولا السبعون بالمائة الذين فقدتهم في الثانوية العامة كنت لأصبح مهندسًا» لكن يمر الموقف ويتوقف السائق لتنزل وربما تحرك وقدمك لا تزال معلقة فيكبك على وجهك جزاءً لصوتك العالي. بالطبع تدرك خطئك وفي مرة أخرى تركب مع نفس السائق ثم تشير لوجهتك بصوتٍ هاديء خفيض فلا يسمعك ولا يلق لك بالا فيصيح كل الركاب «توقف يا أسطا» فيتوقف بعد خمس كليومترات ونصف ويلومك: «أنت صوتك ناعم وهزيل كالنساء» تشكره خوفًا منه ثم تعود عدوًا كأنك بالأولمبياد.

إن كان ما تلكعت في وصفه وهو مؤلمٌ مُضحك قد أثار إعجابك، فلا أظن أن ما سأقصه وهو مؤلمٌ مبكي سيروق لك. وعلى كل حال تستطيع التوقف عن القراءة والذهاب في نزهة لجنوب الهند .. لا تملك المال؟ حسنًا أكمل المقال -أغنانا وأغناكَ الله-.

كان فيما مضى لا يبدأ السائق يومه إلا إذا أحرق سيجارتين وأنتهل قرصًا من الترامادول. منذ مُنع الترامادول، وعز على السائقين فارتفع سعره حتى إن القرص الواحد الآن قد جاوز سعره الثمانين جنيه، اتجه السائقون للصيادلة ليبحثوا عن بديل جيد فمع اختفاء الترامادول أصبحوا يتعاطون أدوية الشُرب كالتوسكان والتوسيفان والأوبليكس هي أدوية الكحة عمومًا والحبوب كالفلوريست و باي ألكوفان وسيمڤا إزز وديمر وأدوية الجابابنتين مثل الكونڤنتين وأدوية البيرجبالين مثل الليرولين وأدوية الحساسية مثل أنالليرج والقطرات كبروزولين وإبيفيناك وميدرابيد وميدراسيل والأمبولات مثل نالوفين و ميداسيتك ونورفليكس، ناهيل عن القطرات التي يأخذونها بسرنجة في الوريد، وناهيك أيضًا عن أمبول الڤولتارين الذي يكسرونه ويضعونه على كوب الشاي.

هل كل السائقين يفعلون ما أقول؟ لا هناك لكل قاعدةٍ شواذ ونحن حاشا لنا أن تحدث عن مجموعة شواذ فلتُقصِر وتنصت وكف عن الثرثرة أو تستطيع أن تتوقف هنا وتذهب لتلبي دعوة الفنانة هيفاء وهبي على العَشاء ... لم تدعوك الفنانة على العشاء؟ لا بأس فلتكمل المقال إذًا.

يصيح مدعوا الحرية دعهم وشأنهم هل يتعاطون أنفسهم أم يضعون الحبوب في فمك بالإجبار، أقول لهم وإن تركتهم وشأنهم هل تركونا نحن وشأننا، ماذا فعلت هذه الفتاة التي كانت تهم بالركوب فأسرع المعتوه فأنهارت على الأرض ورَكِب بعجلاته فوق ساقها فخرَّبها، أو تلك الفتاة التي منذ أيامٍ قليلة ضربها معتوه آخر بمقدمة العربة فمسح في الرصيف من تحت الجلد دمائها، أو هؤلاء الشباب الذين خرَّقهم الزجاج بينما كان معتوهٍ يمزح مع مدمن بالميل على عربته لتتصادم العربتين ويتطاير الزجاج فتنتثر الدماء أو تلك السيدة الضعيفة التي أنهال عليها حقيرٌ فاقدٌ للوعي بالسباب واللعن لمجرد أنها تأخرت قليلًا وهي تصعد العربة، أو ذلك الرجل كبير السن الذي رُهب من تهديد بأفٍ له لما كرر عليه نداء أنه يريد النزول لضيق المكان وضعف رئتيه. أو أو أو ... الحديث لا ينتهي والسرفيس لا يمتلأ فهناك دائمًا «كرسي فاضي ورا يا أستاذ»

بقلم الكاتب


كاتب لدى جريدة الفكر الحُر، ومُحرر مؤسس لدى موقع وحي العقل ومدون بمنصات إلكترونية أخرى، وعضو بنادي أدباء الشرقية، وطالب بكلية الصيدلة جامعة الزقازيق.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..



المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب لدى جريدة الفكر الحُر، ومُحرر مؤسس لدى موقع وحي العقل ومدون بمنصات إلكترونية أخرى، وعضو بنادي أدباء الشرقية، وطالب بكلية الصيدلة جامعة الزقازيق.