بكاء الطفل

في هدوء تام إلا من صوت الموج حين يرتطم بالحاجز الصخري لبحيرة أونتاريو، يمتد شارع "ليك شور" عبر أربعة مدن متخذاً من البحيرات العظمى رفيقاً لكن الهدوء هنا في  مدينةأوكفيل الصغيرة أكثر حضوراً، حيث الإضاءة الخافتة فلا محلات تجارية كبرى ولا مهرجانات في الشوارع وإذا وجد فالمدينة بكاملها تغلق أبوابها في التاسعة.

تشير الساعة إلى ما قبل منتصف الليل بدقائق، لا أحد سواي يسير في برد أوكفيل وفي شوارع تكتسي بالأبيض و أشجار ترتدي الأبيض أيضا، فقد توقفت منذ ساعتين عاصفة ثلجية عنيفة، تغيرت خلالها ملامح المدينة الخضراء و إكتسى كل شئ بالأبيض النقي.

لا ترتفع المنازل الخشبية الأنيقة هنا أكثر من دورين باستثناء بعض العمارات التي تبدو إستثناءاً قبيحاً و تنطلق من البيوت أضواء لمبات خافتة وخلف النوافذ الزجاجية التي تمتد بطول المنازل غالباً تبدو صور شبحية لبعض الساهرين.

قررت أن أقترب أكثر من الموج المتلاطم وعلى أحد المقاعد الأنيقة التي تتراص على الشاطئ، جلست ..خلعت قفازي ..أشعلت سيجارة و بدأت باحتساء كوب من القهوة إصطحبته معي من البيت لسابق علمي أن هذه البلاد تنام مبكراً و تغلق مقاهيها.

لا يغامر الكثيرون بالخروج من منازلهم في أجواء كهذه و لا في وقت كهذا، لكن ثمة مساءات لا يصح معها البقاء بين جدران أربعة حتى لو كانت الحرب خلف بابي، ثمة مساءات لا أطيق خلالها صبراً على ذلك الصوت الذي يكاد يفتك برأسي ليس لإرتفاعه أو حدته ولكن لضعفه وهوانه.

أحاول الوصول بعيني إلى أقصى مدى للرؤية في قلب البحيرة الهائلة لكن الشاطئ الآخر لا يظهر، هناك حيث تبدأ الإمبراطورية الأمريكية والتي قدمت منها قبل عامين و أشهر، و تعرضت بسبب تلك الخطوة لاتهامات بالجنون و مقاطعة من الأهل وعدد كبير من الأصدقاء لكني ظللت أحتفظ بتلك الطاقة الهائلة من الرغبة في الخروج حتي إنتهيت إلى هنا.

كانت ليزا ترغب في زيارتي و تهاتفني لتحصل على عنوان محدد لي لكن رفضت مراراً، فقد هجرت البلاد لأني رغبت في الخروج من فضاءاتها التي لم تعد تنتمي لي أو أنتمي لها ، كانت تؤكد دائما أنها لم تتغير و أنني أنا من فقد طاقة الحياة والرغبة فيها ورغم تظاهري بعكس ذلك إلا أن الأمر كان واضحاً تماماً في مخيلتي ..نعم لم أكن أرغب في الحياة، تلك الحياة التي كانت تعني صراعا دائما وشقاءً وتناقضات لاتنتهي.

كانت الثورة المصرية عام 2011 تشتعل في الميادين و لم أتأخر مع رفاقي عن اللحاق بالركب في ميدان التحرير الذي يفصله عن نقابة الصحفيين في مصر أمتار قليلة و هناك – في النقابة – كنا نستريح من إرهاق الميدان و قنابله المسيلة للدموع و المطاردات مع الشرطة و نتناول الطعام و فاجأني زميل صغير السن

- صحفية أمريكية تريد اجراء حوار معك

- معي أنا ؟

- نعم

- تحت أمرك

- كانت عيناها الزرقاوان تحتلان نصف وجهها الهادئ فقلت له: قل لها أن وجهها لا يليق بثورة، فالثورة غضب ووجهها سلام

  ضحك وأبلغها بإنجليزية ركيكة، فقمت بتعديلها، وخرج الزميل من الصورة لتجري ليزا الحوار مباشرة معي.

خلال الأيام العشرة السابقة على خلع رئيس الجمهورية إلتقينا يومياً و كانت جسورة رغم جسدها الضئيل لا تتورع عن الاشتباك و حماية نفسها جيدًا داخل الحشود و لكنها كانت تتورط في مواقف لا يمكنها النجاة منها لولا مراقبتي لها خوفًا عليها ، تلك الأيام والملابسات فرضت نوعًا من المسئولية عن سلامتها.

 لم تكن ليزا تنتمي في حقيقة الأمر إلى عالم الصحافة، فهي شاعرة و صانعة أفلام و مجنونة لدرجة أنها ظلت ترقص في الشوارع ليلة خلع رئيس الجمهورية حتى سقطت دون حراك من شدة التعب،واضطررت لنقلها إلى الفندق الذي أقيم فيه بعد قرار الطبيب بحاجتها للراحة، وباتت ليزا ليلتها واستيقظت لتضرب بكلام الطبيب عرض الحائط و تترك الفندق وتجلس في مقهى ريش الشهير في وسط القاهرة لتنهي رسالتها الصحفية ثم تعود بالإفطار إلى غرفتي بالفندق . فاجأتني بسؤال غريب يومها :    ألا تشعر بشئ ما يربط بيننا ؟

-  طبعا ..هناك الكثير من المشتركات، فقد كنت مجنوناً مثلك حين كنت في سنك...

قالت محتجة: عمري أربعة وعشرون عاماً و أنت عمرك أربعون..

-  أعلم وهذا الفارق ليس قليلاً فما بين الثلاثينات والأربعينات لا يشبه غيره .. إنها تلك المحطة التي يبدأ خلالها التحول الكبير في العقل والجسد ..

-  أنت إختزلت الأمر في إجراء يسمي الزمن وهو لا يعني بالنسبة لي شيئاً.

-  أصدقك، لكن الأربعينات علمتني أن لا شيء يبقى كما هو ..سوف تتغيرين و تعرفين أن هذا الفارق كارثي

 إقتربت وأشارت بإصبعها : أصمت ..ما أعرفه الآن أنني أحبك

-  وما أعرفه الآن أنني أحبك، لكني أخاف من تلك العلاقة

- دعنا نكتشف معاً.  

"يبدو أن العاصفة الثلجية في أوكفيل لم تنته بعد" .. فقد أصبح صوت الموج أعلى، و بدأت ندف الثلج تتساقط مرة أخرى ، أنهيت السيجارة الثالثة و تركت مقعدي لأبحث عن مكان آخر ، .. كان الليل قد انتصف وأطفأت أغلب المصابيح لكن اللون الأبيض الذي يكسو الأرض يعكس نوراً ناعما يكفي تمامًا للتفاؤل الحذر .

كانت شجرتي المفضلة على بعد أمتار قليلة لكنها بلا أوراق الآن ورغم ذلك إتخذت منها ساتراأ فجلست على مقعد وضع أسفلها مباشرة تبرعت به أرملة لتخليد ذكرى حب دام أربعين عاماً مع زوج رحل من عامين فقط كما تشير اللوحة الأنيقة التي وضعت على المقعد.

لا أعرف ما جرى بعد ذلك ، فبعد ما يقرب من عشرين عاماً من العمل الصحفي اليومي و التفرغ وإستبعاد الزواج كفكرة إقتناعاً بكونها عائقاً عن العمل الذي أحبه، وجدت حياتي وقد انقلبت رأسًا على عقب، كانت نشوة النصر الثوري قد إنطفأت وبانت الوجوه القبيحة وسقطت الأقنعة لعدد كبير من الذين ادعوا الثورية والدفاع عن الشعب، و تعرض ثوار الميدان لخيانات شتى .. تسرب الإكتئاب للجميع و كنت واحداً منهم .

هل كان سفري إلى كاليفورنيا إستجابة لإلحاح ليزا أم هرباً من واقع الخيانة ؟ .. لا أعرف الإجابة حتى الآن وأشك أنني سأعرفها، فقد جرت في النهر مياه كثيرة ، إذ تزوجنا وقررت أن أدرس كتابة السيناريو في لوس انجلوس .. كان بيتنا الصغير فوق تلال هوليوود .

لست شرقياً بالمعنى التقليدي، لكني غيور، لكن الغريب أن ليزا كانت شرقية بكل ما في الكلمة من معنى، غيورة ، محافظة إلى درجة كبيرة ومعروفة بذلك بين أصدقائها وصديقاتها والذين تحولوا إلى ضيوف دائمين في شقتنا الصغيرة ورغم حبي لهم كان الأمر يزعجني في أحيان كثيرة، ثمة صعوبة شديدة في القبول بهذا الزحام في حياة شخص إعتاد لعقدين من الزمان على الوحدة والهدوء.

مر العام الأول لزواجنا كالبرق، و بدأت في البحث عن عمل بعد أن إنتهيت من الدراسة و لم يكن من السهل الكتابة للصحف والقنوات العربية بعد أن تحولت المنطقة إلى نسيج عنكبوتي متشابك ولم يعد الكاتب يأمن أن ما يكتبه سوف يستخدم ضد ما يؤمن به، وقررنا معاً أن نؤسس شركة للإنتاج.

بين الأعمال العربية القليلة والإنجليزية الكثيرة، أصبح ليلنا كنهارنا نعمل معاً ونرتاح معاً ولا ننفصل إلا حين أسافر وحدي أحياناً إلى مصر، خاصة حين أصرت ليزا على إمتلاك مسكن خاص بنا في مصر و كانت تشتاق للحصول على الجنسية المصرية بشكل كان يثير دهشتي، لكن المدهش أكثر أنه وبينما لم أكن متأكدا ًمن كوني مؤمناً بأي شيء على الإطلاق، قررت أن تشهر إسلامها وسافرت إلى مصر و أشهرت إسلامها في الأزهر ثم إتجهت من فورها إلى مكة واعتمرت وعادت ترتدي ما يشبه الحجاب !

لم تطرح ليزا أمر إعتناقها الإسلام للنقاش، كانت تبلغني فقط وحين تسألني الرأي عرضاً أبتسم مؤكدًا أنه قرارها وأنه مصيرها إلى أن قالت أنها تحبني لدرجة أنها تريدني معها في الجنة، فضحكت طويلاً .. ثم خرجت للتدخين خارج البيت، وحين عدت وجدت أن الأمر خطير إذ أخبرتني عن فتوى من أحد الشيوخ في مصر أنه لا يجوز لها أن تظل زوجتي إذا تأكدت أنني غير مؤمن ..أدركت أن التهديد القادم من الشرق هو أول تهديد جاد لعلاقتنا و أنا الذي كان يتصور أن الغيرة ستدفعني لتطليقها أو أن فارق السن سيمثل حائلاً بيننا.

بعد عدة شهورخلعت ليزا الحجاب و بدا لي أنها لم تعد تهتم بأمر الدين، و وأعربت لها عن رغبتي في أن تكون معي في الأجازة القادمة إلى القاهرة، لكنها تعللت بإنشغالات صحفية و كانت قد عادت للعمل في الصحافة بشكل جزئي.

تغيرت ليزا.. هذا ما شعرت به، لذا وقبل أن أتجه إلى مطار لوس انجلوس في رحلة القاهرة ، أبلغتها و كأني أرد على ما لم تقل : ليزا .. أنا رجل لا يقبل الحياة مع نصف حب و إذا شعرت بأي نوع من التغيير في مشاعرك تجاهي فأرجو أن تبلغيني فورا لأنفذ ما يضمن لنا الحفاظ على سلامنا النفسي.

لم تفاجأ ليزا ولم ترد بأي شكل وهو ما رجح لدي الظن بأن ما ذهبت إليه من شعورها بالملل أو إنصراف مشاعرها عني أقرب إلى الصحة، وهوما جعل من ذلك الشهر الذي قضيته بين القاهرة والإسكندرية وصلة من العذاب و الأخيلة المزعجة و الكوابيس في اليقظة والنوم.

كان الوضع في مصر قد أصبح بائساً تماماً، فالإستقطاب يشعل الأجواء بين الأفراد وبين الجماعات و كان القتل الوحشي لشخص شيعي في إحدى قرى مصر هو مجرد عنوان لعنف و دماء سالت باستمرار و تضاعف عدد شهداء يناير كما تضاعف عدد من أحرقت الثورة أقنعتهم من المناضلين والثوار .

رأيت القاهرة فور وصولي إلى المطار وكأنها إستعادت قبح ما قبل الثورة ، صحيح أنه لم يكن أحد يجرؤ – حتى تلك اللحظة – على التجاوز بحق الفعل النبيل للثوار ، لكن رائحة الوقاحة القديمة تفوح من كل ركن تطأه سلطة الدولة و رائحة المؤامرات الصغيرة و الكبيرة تهب من الإعلام و كان ظهور عمالقة ومالكي قنوات فضائية بامكانات مالية هائلة يؤكد أن الأجهزة السرية قررت أن تكون شريكاً في صنع المشهد السياسي .. قتل إثنان من أصدقائي في ميدان التحرير و إختفى ثالث و ندم البعض على المشاركة في ثورة جاءت بالمد الوهابي السلفي إلى الميدان و جعلته يفرض الخوف منه على الجميع .. ثمة منطق في كل ما يقال لكن كل ما يقال لا يتسق مع المنطق!

كان الجنون قد وصل إلى أقصاه بانتخابات رئاسية من دون دستور يحدد وظيفة الرئيس، و قيام مظاهرات يومية لا أحد يعرف أطرافها و إختراع عشرات من الإئتلافات الثورية التي يعرف القاصي والداني أنها ليست ثورية وإنما صناعة أجهزة أمنية..انفرد العسكر بالمشهد و لعب الجميع أدوار الكومبارس .

زرت جريدتي ..كان الأستاذ سيد بانتظاري، صحفي مخضرم يقترب من الستين و ينتمي إلى الجيل الذي عاصر الرئيس المخلوع منذ بدايته ، صمم الرجل على اصطحابي لمكتبه وحيدًا

- أخبارك ايه ؟

- أخباري كلها جيدة لكن البلد ليس كذلك

- لهذا أردت أن نلتقي منفردين ..أريدك أن تبقى هنا في مصر ..

- لا أعرف ما تقصد .. الصحفيون كثيرون

- لا أريد أن أطيل في الحوار حول هذا الموضوع أنت مطلوب بالإسم .. هذه الدولة لها من يخافون عليها و دعك من المشهد الحالي، هذه مرحلة مؤقته وسوف تنتهي، أريدك أن تكون جاهزاً للمرحلة المقبلة

- لدي حياة عائلية في كاليفورنيا و شركة والتزامات ..

قال مقاطعاً:  أبلغني بقرارك خلال الفترة المقبلة ولكن عليك أن تعلم أنها فرصة جيدة لتكون من ضمن فريق المرحلة الجديدة.

خرجت من مكتب الأستاذ سيد حائراً، وبدا لي أن الغياب عن المكان يجعل الشخص جاهلاً بالجديد حتى لو سمعه أو قرأه فالمعايشة و الشعور بالحدث معرفة و يقين من نوع مختلف .. مقابلة الأستاذ سيد جعلتني أشعر أني غريب.

كان الصوت يقترب .. بكاء هادئ لطفل .. يحمل كل ملامح الحزن و الألم ..لكن دون صراخ ، رغم إشتداد العاصفة الثلجية وعودتها مرة أخرى لم أفكر في العودة إلى البيت، كان الصوت قد أصبح واضحاً بكل تفاصيله ، ذلك البكاء الهادئ الذي طالما سكن أذني منذ سنوات طوال.

في البداية كنت أتلفت حولي باحثاً عن مصدره لكنني لم أجده أبدًا، الغريب في الأمر أنني لم أسمعه إلا وحدي وقد غاب لفترات اإتدت سنوات لكنه عاد في الأشهر الأخيرة لوجودي في كاليفورنيا ..لأنني تقريباإ أصبحت وحيدا إ..

لا أعرف ما إذا كانت رعشة جسدي بسبب درجة الحرارة التي تقترب من الخمسة عشرة تحت الصفر أم أنه ذلك الانفعال و الرغبة الشديدة في مشاركة الطفل المسكين بكاءه .

فاجأتني سيارة شرطة ترجل منها ضابط وسأل إذا ما كنت بخير فأجبته بالإيجاب وشكرته ولكنه لم يشأ أن ينصرف متسائلاً ما إذا كنت بحاجة إلى المساعدة، فأكدت له أني لا أحتاج إلى شيء ..فقط أريد أن أبقى وحدي، فإنصرف ..

بعد أسبوع واحد من لقائي مع الأستاذ سيد أعلن خبر إختياره رئيساً للموسسة الصحفية الكبرى في الدولة، لم أشأ أن أذهب لتهنئته، وإنتظرت أسبوعًا كاملاً حتى أقرأ ما كتب في أول مقالاته بعد تولي المنصب، ثم ذهبت إليه غاضباً ورغم ذلك هنأته فقال : دورك قادم

-أريد أن أعلق على مقالك

-خير ؟

- لماذا تدافع عن المجلس العسكري الحاكم، لماذا يبدو المقال و كأنك نقلته من رئيس تحرير سابق وقد غيرت إسمه بإسمك وإسم الرئيس السابق بإسم المجلس العسكري؟

فاجأني قائلاً:

- كيف تتصور أن يكون المقال.

- إذا كان ولابد من المديح، فعليك أن تمتدح الثورة

- من الجيد أنك موجود لتشرح لي موضوع الثورة لأنني بصراحة لا أفهم هذا الأمر.

تصورت أن الرجل يسخر مني، لكنها الحقيقة ..لم يكن الأستاذ سيد يتابع - كصحفي -  شيئاً سوى وزارة الكهرباء طوال ثلاثين عاماً !

عدت إلى فندقي الحبيب الذي تغير ثلاثة ملاك له بينما كنت المقيم الدائم الوحيد هناك و رغم سفري كانت غرفتي دائما محجوزة بإسمي .. قمت بتجهيز حقيبة سفري وحجز الطيران.

هل عاد صوت بكاء الطفل يومها ؟  أظن ذلك، فقد قررت أن أقضي ليلتي قبل السفر في ميدان التحرير الذي شهد ميلاد الثورة و أغلب لقاءاتي مع ليزا .. هنا كانت خيمتنا و هنا أصيب مصطفي و إستشهد الشاب العملاق الذي كان يلتقط القنابل المسيلة للدموع مستعيناً بقفازات ثم يعيدها للإتجاه الذي أتت منه .. وهنا أقيم أول حفل زواج في ميدان الثورة ، وهناك أقيم المستشفى الميداني الذي إسشهد فيه طالب الطب أحمد ... وهنا رقصنا يوم رحل الدكتاتور ورجونا الثوار ألا يرحلوا قبل أن نحقق نجاحنا.

لم أصادف وجهاً واحداً أعرفه، بدا لي أن الجميع قد هجروا الميدان و أن ثمة ميادين مغلقة على أصحابها يتم الإتفاق فيها على مصير الجموع .

قررت أن أتصل ب " ليزا" لعلها تريد أن ترى الميدان ، لكنها لم تجب ..

عدت وحيداً إلى غرفتي بالفندق فقد بقيت ساعات قليلة على موعد طائرتي وينبغي أن أنام قليلاً و بينما أستعد للنوم إتصلت بي و إعتذرت بكونها إنشغلت في المونتاج .. كنا قد صورنا فيلماً تسجيليا ًعن الثورة المصرية و نعمل على مراحله النهائية .

كانت ليزا في إنتظاري بمطار لوس انجلوس كما أخبرتني في رسالة موبيل، لكن وللمرة الأولى أوقفني ضابط الأمن في المطار، ورغم لطفه إلا أن الأمر بدا لي غير طبيعي وبدأت أشعر بالقلق ، وبعد عشرة دقائق من حوار بلا معنى حول أنواع المأكولات المصرية سمح لي بالدخول.

كانت ليزا أجمل من كل المرات التي رأيتها فيها من قبل، أنيقة رقيقة أكثر من المعتاد، لم أسالها عن السبب في التغيير الذي طرأ عليها فهي أبسط من أن تضع زينتها كاملة وترتدي الملابس التي تعوق حركتها فقط لتقلني من المطار إلى بيتنا في تلال هوليوود.

رفضت أن أقود السيارة و لاحظت  أننا في الطريق إلى قاعة عرض محددة، وفاجأتني ومعها فريق العمل أنهم قاموا بإنهاء مونتاج الفيلم و قرروا عرضه الليلة  إحتفالاً بعودتي، شاهدت الفيلم مع الفريق ، فرحت لكن شيئا ًما لم يكن مريحاً .

إمتدت سهرتنا بعد العرض لساعات طويلة ورغم إرهاق السفر عبر المحيط، إلا أن كل أعصابي كانت منتبهة، لاحظت ليزا ذلك و قررنا الإنصراف وحين وصلنا إلى بيتنا ودون إتفاق مسبق أعدت هي فنجاني قهوة تركي و كنت بإنتظارها في حديقتنا الصغيرة ..

جلست فإنفجرنا ضاحكين .. كان سؤالنا الدائم: من يحكي أولاً؟ ..فلم يحدث أن غاب أي منا عن الآخر ولو ساعة من زمن وإلا وعاد ليقص بالتفصيل ما دار بينه وبين الآخرين ..

قالت ليزا: أود أن تحكي أنت لأني أشعر أن ما حدث في هذه الزيارة لم يكن عادية

- فعلاً

- ولكن أنت أيضا لست عادية اليوم

- لا تحاول تغيير الموضوع، كن صبوراً سوف أحكي لك كل شئ بعد أن أطمئن إلى أن المصريين لم يحاولوا إيذاءك

- لم يحاول أحد اإذائي

وإنطلقت أحكي لها ما دار بيني وبين الآخرين، ولكنها سألت : وماذا دار بينك وبين نفسك ؟

- تسألين عن أمور تتعلق بك ؟

- تقريباً

- عليك إذن أن تحكي لي كيف مرت هذه الفترة و لكن بعد أن أعد فنجانين من القهوة

- فنجان واحد فقط، أنا إكتفيت .

يبدو أنني سوف أضطر للعودة فقد تجمدت أطرافي تقريباً، إنتظرت طويلاً حتى تهدأ العاصفة لكن يبدو ألا مفر، بدأت في السير متبعاً بشكل تقريبي مسارات طرق المشاه التي إختفت علاماتها بعد أن غطتها الثلوج الناعمة لكنني ظللت الطريق أكثر من مرة، وأخيراً سقطت بعد أن خطوت فوق صخرة بارزة فانزلقت قدمي وصرخت من الألم ، وبينما أجمع شتات نفسي سال دم دافئ من يدي اليسري التي استندت بها على الأرض أثناء السقوط ، رأيت الدم ولم أدر بشيء بعد ذلك.

كان الضابط عند نهاية الشارع يراقب من سيارته ذلك الأربعيني الذي لا يبدو مشرداً، وحين رآني أسقط سارع إلي وإصطحبني إلى المستشفى، أفقت في الطريق، فاقترحت عليه أن يتركني أذهب إلى بيتي لأعالج الجرح بنفسي، فنظر كأنه اكتشف أني مخلوق فضائي ولكني صممت مؤكداً له أنني أكره أجواء المستشفيات. .. وصلنا إلى المستشفى وبعد عشرة دقائق كان الضابط يودعني أمام بيتي قائلاً : إذا كنت تعاني من مشكلة ما فلا عار أن تستشير طبيبًا نفسياً بدلاً من التجمد في الشارع .

كان الجرح عميقاً بطول كف يدي اليسري، وما أن دخلت البيت حتى بدأت أشعر بالألم في كل أنحاء جسدي، فقررت أن أنام قليلاً لكن ليزا التي تعرفني كائناً ليلياً حاولت الإتصال ولم أرد كالعادة ، فجاءت رسالتها "أصل في الواحد ظهراً إلى مطار تورنتو ..سوف أنتظرك لتقلني... صديقتك الصغيرة ليزا."

بين النوم واليقظة عاودتني صور شهداء ثورة يناير في مصر لكن الغريب أن صورتي كانت ضمن تلك الصور وكانت ليزا تحمل صورتي مبتسمة بينما تقدم لي صديقها الجديد، شعرت بألم شديد في مكان الجرح فإبتلعت حبة مهدئ و نمت.

لم يحدث أن عشت في مكان وأغلقت بابه، لكن المفاجأة أن ليزا توصلت إلى عنواني و فاجاتني في غرفة نومي و صعقت حين رأت يدي و قد وضعت داخل ضمادة و لكني طمأنتها .

إكتشفت كم كنت أفتقدها ن بكينا معاً كطفلين وحزنت لأني بدلاً من أن أسعدها أجبرتها على نضوج مبكر حتى أنها بدت أربعينية مثلي، رافقني الشعور بالذنب طوال فترة زيارتها التي إمتدت لأسبوع كامل زرنا خلاله مسارح و معارض تورنتو وفي يومنا الأخير أخبرتني أنها تنوي صناعة فيلم جديد عن ثورة يناير و أنها قد تنتقل للعيش في أوكفيل إذا كانت تلك رغبتي فقلت ببساطة : أريد أن أبقى وحيداً لفترة لا أعرف كم ستدوم .. دعيني أذكرك أن ذلك الخوف القديم من الحب كان مبرراً تماماً ويا صديقتي أنا ورغم كل شيء شرقي والشرقي لا يغامر بمحاولة الإكتشاف في علاقة حقيقية .

-أنا لم أخف عنك شيئاً

-ليزا .. من فضلك،لا مبرر لمناقشة الأمر الآن، لكن دعيني أؤكد لك أنني كشرقي أقدس الجسد الإنساني على عكس ما يزعم الغرب في إعلامه وأنك تمتهنون هذا الجسد بإستخدامه .. لا شيء في جسد المرء لا يدل على مشاعره

- أما زلت لا تستطيع الغفران

- ولا أستطيع مشاهدة أفلام الدراما التقليدية عن الزوج والزوجة والعشيق

- أحبك

- أعرف و أحبك أكثر .. لكني روح وحيدة كما ترين

- لا أريد لبكاء الطفل أن يطاردك ..

- دعيه فهو كل من بقي لي.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

. جميلة

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب