"بــس يا هــوا !!!".. قصة قصيرة

اعتدت في بداية كل عام دراسي أن أجلد كتبي وبعضاً من كتب إخوتي الأصغر مني سناً حفاظاً عليها من التلف، وإضفاءَ نوعٍ من الجمالية على شكلها العام.

افترشت الأرض بالكتب، وكافة معدات التجليد من ورق ملون، ومقص، ومسطرة، ولاصق، وغيره.

كنت أحب القيام بهذا العمل، وأجد فيه إنجازاً من نوع خاص، وبلغ حد استمتاعي به أني كنت أحرص على سماع الراديو الذي يبث برامج متنوعة وأغاني جميلة، ليضفي جواً خاصاً على هذا العمل السنوي.

ولكن، هذا العام الدراسي الجديد له خصوصية، فأنا قد توجهت للتخصص العلمي في المرحلة الثانوية، وبدأ مستقبلي الجامعي يلوح لي، ولكن المواد الدراسية أصبحت أصعب، فقد تم تخصيص كتب لمواد الأحياء والفيزياء والكيمياء، كل على حدة، والتي كنا ندرسها سابقاً ضمن المنهاج الدراسي لمادة العلوم.

في حقيقة الأمر كنت أكره مادة الأحياء بالذات من كتاب العلوم، ولكن هذا الكُره لم يكن ليمنعني من التفوق فيها، فقد كنت طالبة متفوقة مجتهدة تسعى للحصول على العلامة النهائية أو أعلى العلامات في جميع المواد الدراسية حتى وإن لم يكن هناك ميل لبعض المواد.

بدأت بتجليد الكتب، ولم أكن سعيدة بعملي هذه السنة، فقد كنت أفكر بمرار بمادة الأحياء التي أكرهها وبمعلمة المادة التي اعتقدت أنها لن تستطيع شرح المادة كما يجب، لذلك وجدت حائلاً كبيراً يحول بيني وبين التفوق في هذه المادة.

أكملت عملي حائرة مستاءة وكأن هموم الدنيا قد أطلت علي برأسها القبيح، وخلال ذلك اندفع فجأة هواء قوي من النافذة، تسبب ببعثرة ورق التجليد، فبدأت أعيد ترتيبه، ولكن الهواء استمر في اندفاعه، مما أغاظني جداً، فإذا بي أصيح بالهواء قائلة:

- (بس يا هـوا)، ألا ترى أنني أجلد الكتب.

وصدف أن توقف الهواء فجأة، فسعدت لاستجابة الهواء لطلبي هذا، ولا أدري لغاية هذه اللحظة، من أين واتتني هذه الثقة؟

عدت أفكر في مادة الأحياء وصعوبتها وأنا أجلد الكتب وأسمع المذياع دون أن أنصت له، قلت في نفسي:

- يبدو أني سأحصل على علامة جيد جداً في الأحياء..

وكان هذا الأمر كارثياً بالنسبة لي في تلك السنوات، فبدأت أجلد بسرعة ودون انتباه، إلى أن قرر الهواء فجأة أن يهب مرة أخرى، ويعيد بعثرة الورق.

هذه المرة فاض كيلي وتشتت تركيزي وضاع منطقي، فصرخت بأعلى صوتي قائلة:

- (بس يا هوا)، ماذا تريد مني؟ ألا ترى أني أجلد الكتب، لماذا تريد أن تخرب عملي؟ ألا يكفي أن مادة الأحياء صعبة جداً هذا العام.

يبدو أن شجاري مع الهواء المندفع من الشباك قد استمر لأكثر من دقيقة، لا أذكر ما قلت فيه مما دفع بوالدتي لأن تأتي من المطبخ وتقف بمحاذاة الباب مستغربة صراخي هذا، فأنا هادئة الطبع، وبطبيعة الحال استمعت أمي لجزء من حواري المبتكر مع الهواء، فقالت وهي تغالب ضحكتها قائلة:

- (إنتِ بتحكي مع الهوا؟)..

إمعاناً مني في الإصرار على موقفي من الهواء، قلت لها ووجهي يحمر خجلاً معللةً صراخي هذا:

- (شوفي الهوا)، إنه لا يدعني أجلد الكتب...

ثم بدأت أصرخ مجدداً:

- (كل شوي بيطيّر الورق، قبل شوي قلت له بس يا هوا، وتوقف فعلاً، والآن رجع، والله إشي بيجنن، مش عارفة أكمل تجليد الكتب).

عندها قالت أمي ببساطة وهي تكتم ضحكتها:

 

- طيب، أغلقي الشباك......

ستجد أيضًا على منصة جوك

رحل التبع اليماني الأصيل

"جنون الأدب".. خاطرة أدبية

مترجمة وكاتبة، أصدرت مؤخرا مجموعتها القصصية"لحظات نايضة". عملت في القطاع المصرفي لسنوات عديدة ثم اتجهت للترجمة والكتابة مؤخرا. حاصلة على شهادة الماجستير في ترجمة اللغة الإنجليزية وبكالوريس إدارة أعمال وإقتصاد وشهادة مهنية متخصصة أمريكية في المحاسبة الإدارية والمالية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Sep 27, 2022 - صلاح الدين ذياب
Sep 26, 2022 - ملاك ماجد
Sep 22, 2022 - على محمد احمد
Sep 22, 2022 - صالح بن يوسف مبروكي
Sep 22, 2022 - محمود محمد محمود حامد السيد البدراوي
Sep 22, 2022 - ايمان عبد العزيز رمضان
Sep 21, 2022 - ندى سيد فتحى
Sep 20, 2022 - ٲم ٳسلآم المليكي
Sep 20, 2022 - نرجس مصطفى فريد
Sep 19, 2022 - محمد محمد صالح عجيلي
Sep 18, 2022 - ورده يحيى ظاظا
Sep 18, 2022 - يوهان ليبيرت
Sep 17, 2022 - دعاء عبدالله بواعنة
Sep 17, 2022 - ندى سيد فتحى
Sep 17, 2022 - ورده يحيى ظاظا
Sep 16, 2022 - سمر رجب
Sep 16, 2022 - لؤي عبدالقوي محمد
Sep 16, 2022 - عبد الله عبد المجيد طيفور
Sep 16, 2022 - نوران رضوان @
Sep 15, 2022 - اروى حسين فلاني
Sep 13, 2022 - مرام القادري
Sep 12, 2022 - كنعان أحمد خضر
Sep 12, 2022 - محمد ممدوح محمد علي
Sep 12, 2022 - هاني ميلاد مامي
Sep 11, 2022 - لعلاوي رابح روميساء
Sep 11, 2022 - شعيب محمد سعيد غالب شريان
Sep 10, 2022 - بيسان صبحي سويدان
Sep 10, 2022 - محمد عبدالقوي العليمي
Sep 10, 2022 - لما فؤاد عروس
Sep 9, 2022 - صلاح ذوالفقار جعفر
Sep 8, 2022 - رانيا بسام ابوكويك
Sep 8, 2022 - كامل ابراهيم كامل
Sep 8, 2022 - أميرة محسن
Sep 7, 2022 - ترتيل عبد الحميد عبد الكريم محمد نور
Sep 7, 2022 - نبيل الشهاري
Sep 6, 2022 - وليدبخيت الربوعي
Sep 5, 2022 - رضوان راشد الخضمي
Sep 3, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Aug 31, 2022 - سعاد الصادق
Aug 30, 2022 - عبد الله عبد المجيد طيفور
Aug 30, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Aug 29, 2022 - بسملة رضا زهري
Aug 29, 2022 - حبيبة عمر إبراهيم
Aug 27, 2022 - ملاك ماجد
Aug 27, 2022 - كعبي ميمونة
Aug 25, 2022 - سادين عمار يوسف
Aug 24, 2022 - احمد عصام امان
Aug 24, 2022 - احمد عصام امان
Aug 24, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Aug 24, 2022 - رانيا بسام ابوكويك
Aug 24, 2022 - حبيبه محمد صابر
Aug 23, 2022 - فهد يوسف الكفارنة
Aug 22, 2022 - محمد عقبة الحميدي
Aug 22, 2022 - لعلاوي رابح روميساء
Aug 22, 2022 - ايمن عمار حميد
Aug 22, 2022 - سيڤان موسى
Aug 20, 2022 - سادين عمار يوسف
Aug 20, 2022 - ايمن عمار حميد
نبذة عن الكاتب

مترجمة وكاتبة، أصدرت مؤخرا مجموعتها القصصية"لحظات نايضة". عملت في القطاع المصرفي لسنوات عديدة ثم اتجهت للترجمة والكتابة مؤخرا. حاصلة على شهادة الماجستير في ترجمة اللغة الإنجليزية وبكالوريس إدارة أعمال وإقتصاد وشهادة مهنية متخصصة أمريكية في المحاسبة الإدارية والمالية.