تحل في 2025 الذكرى المئوية لأيام صعبة عاشتها شعوب الخليج العربي، ففي يوم الجمعة، 13 ربيع الأول 1344 هـ (الموافق 28 سبتمبر 1925)، اجتاحت عاصفة كارثية منطقة الخليج العربي، تاركةً ذكرى ما يعرف باسم (سنة الطبعة) محفورةً بعمق في الذاكرة الجمعية للمنطقة.
وتذكر كتب التاريخ هذا الحدث المدمر الذي أودى بحياة ما يتراوح بين 5000 و8000 شخص، وهذا الحدث كذلك أسهم في القضاء على صناعة الغوص وصيد اللؤلؤ التي كانت تعد شريان الحياة الاقتصادي لكل من البحرين وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، قبل اكتشاف النفط في تلك الدول، وكنت أشعر بالاستغراب كلما تحدثت مع أحد الخليجيين عن تلك الذكرى، فكلهم يقولون (سنة الطبعة)، ولا أحد يشير إليها بقوله: (عام الطبعة)، وشرح لي صديق من الإمارات العربية المتحدة أن العام مرتبط بالخير والسنة للشر، وكان دليله على ذلك في عبارة ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ باللفظ القرآني.
لم تُحطم تلك العاصفة مجتمعات المنطقة فحسب، بل مثّلت أيضًا لحظة محورية في انتقال الخليج من اقتصاد قائم على اللؤلؤ إلى مستقبل قائم على النفط، ويحاول هذا المقال إلقاء نظرة متعمقة على أحداث تلك الليلة المصيرية، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية العميقة، والسياق التاريخي، والإرث الدائم لمأساة أعادت تشكيل الخليج.
ليلة العاصفة: سنة الطبعة.. نقطة تحول مأساوية في تاريخ الخليج
ضربت العاصفة منطقة الخليج دون سابق إنذار، محولةً مياه الخليج الهادئة إلى كتلة من الأمواج العاتية، وصفها الناجون بأنها كانت تشبه (سحابة حمراء) محملة بالرمال والحصى، وأطلقت العنان لرياح تجاوزت سرعتها 100 كم/ ساعة، وأمواج عاتية غمرت أساطيل الغوص وصيد اللؤلؤ الراسية في منطقة هرات، وهي منطقة غنية باللؤلؤ بين القطيف والبحرين، وكان التوقيت قاسيًا للغاية، إذ وقع قبل أيام قليلة من (القفال)، وهو الاحتفال بنهاية موسم الغوص وصيد اللؤلؤ، وبعد الموسم كان الغواصون يستعدون كالمعتاد للعودة إلى ديارهم للاحتفال.

وفي البحرين وحدها، كانت هناك نحو 700 سفينة تحمل 25,000 بحار، وقد دُمِّر 80% من تلك السفن، وفي جميع أنحاء الخليج، لقي الآلاف حتفهم بسبب انقلاب القوارب أو تحطمها بالكامل، وواجه الناجون محنًا مروعة، وكان من الممكن رؤيتهم من على الشاطئ، إما متشبثين بحطام السفن أو يسبحون ساعات للوصول إلى الشاطئ.
ونقل الصحف الخليجية عن أحد هؤلاء الناجين، ويدعى الحاج أحمد الكوفي، وكان في ذلك الوقت غواصًا شابًا، كيف كافح للتشبث بالحطام حتى جرفته الأمواج إلى شاطئ القطيف، وكان مُصابًا بصدمة نفسية، وتُبرز تجربته القاسية، كغيره كثيرين، الخسائر البشرية الهائلة لكارثة لم ينجُ منها إلا قليل.
واستمرت ضراوة العاصفة أكثر من 40 دقيقة، مُخلفةً وراءها دمارًا هائلًا، وتمكن بعض الغواصين من الوصول إلى (الرأس)، الجسر السفلي للسفن المقلوبة الذي أصبح ملاذهم الوحيد، في حين تشبث آخرون بشظايا الحطام حتى قذفتهم الأمواج إلى الشاطئ، وتظهر حصيلة ضحايا سنة الطبعة التي تُقدر بما بين 5000 و8000 بحار وغواص، حجم مأساة طالت كل ركن من أركان الخليج، وكان بكاء الزوجات ونحيب الأمهات يسمع من كل بيت بالمنطقة.
الغوص وصيد اللؤلؤ.. شريان حياة هش
كان الغوص وصيد اللؤلؤ العمود الفقري لاقتصاد منطقة الخليج على مدار عقود من الزمن، فقد أسهم بنسبة 70-80% من دخل المنطقة قبل عصر النفط، وكان موسم الغوص الممتد من شهر مايو إلى شهر سبتمبر شاقًا، حيث واجه الغواصون ظروفًا قاسية، بما في ذلك التعامل مع حرارة الطقس الشديدة، والمياه المالحة، وتهديدات من الكائنات البحرية مثل أسماك القرش وقنافذ البحر.

واستقطبت منطقة هرات التي ورد ذكرها في كتاب جون جوردون لوريمر (دليل الخليج العربي) كونها واحدة من أكبر أحواض اللؤلؤ في العالم، غواصين من جميع أنحاء الخليج، ما أدى إلى خلق بيئة اقتصادية وثقافية مشتركة.
وعمل غواصون من البحرين والكويت وقطر والقطيف جنبًا إلى جنب، غاصوا في مياه مشتركة بلا حدود، فقد يغوص بحريني في هرات الكويتية، بينما يستكشف كويتي أعماق القطيف، وزاد هذا الترابط من تأثير العاصفة، حيث أثر فقدان السفن والغواصين على جميع المجتمعات، ثم إن اعتماد هذه الصناعة على المراكب الشراعية الخشبية والعمل اليدوي جعلها عرضة للكوارث الطبيعية بصفة خاصة، وهو ما كشفته عاصفة 1925.
توضح قصة السيد هاشم الرفاعي، وهو قبطان كويتي، المكافآت المحتملة لهذه الصناعة، فقد حصد أكبر لؤلؤة في الخليج من هرات القطيف، وباعها مقابل 45 ألف روبية لتاجر كويتي، باعها بدوره مقابل 100 ألف روبية، لكن مثل هذه القصص المُلهمة كانت نادرة، إذ واجه معظم الغواصين ظروفًا قاسية وديونًا متراكمة في ظل نظام "السخرة"، حيث كانوا مرتبطين بالتجار.
الدمار الاقتصادي
كان الأثر الاقتصادي للعاصفة كارثيًا، أدى إلى تدمير آلاف السفن (917 في البحرين، و817 في قطر، و461 في الكويت، و167 في القطيف، و1215 في عُمان) -وفقًا لإحصاءات لوريمر- ما أدى بدوره إلى شلل تجارة اللؤلؤ، وفقدت العائلات مصدر دخلها الرئيس، ما أدى إلى انزلاق المجتمعات إلى براثن الفقر، وفاقم فقدان المعدات واللؤلؤ تلك الأزمة، حيث واجه الغواصون والتجار ديونًا لا تُطاق.

وكان سوق اللؤلؤ العالمي يعاني فعلًا من ضغوط بسبب اللؤلؤ الياباني المستزرع أول مرة في ذلك الحين الذي طُرح في أوائل القرن العشرين، وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، أدى انتشار هذه اللآلئ المستزرعة إلى انخفاض الأسعار بنسبة تصل إلى 80%، ما جعل التعافي من الأزمة شبه مستحيل، وفاقم الكساد العالمي الكبير الأزمة، ما قلل الطلب على السلع الفاخرة مثل اللؤلؤ.
وفي الكويت، انخفضت صادرات اللؤلؤ من 800 ألف روبية عام 1900 إلى 150 ألف روبية بحلول عام 1932، ما عكس انهيار تلك الصناعة، وأجبرت التداعيات الاقتصادية كثيرين على البحث عن سبل عيش بديلة، فلجأ بعضهم، مثل الحاج أحمد الكوفي، إلى مهن مثل تقطير الأعشاب، بينما هاجر آخرون إلى الهند أو زنجبار بحثًا عن عمل، وكشفت العاصفة عن هشاشة اقتصاد منطقة الخليج في مواجهة الاعتماد على صناعة واحدة، وهو درس لا يزال يُجدي نفعًا في ظل إقبال خليجي واسع النطاق على تنويع المنطقة لاقتصادها.
الأثر الاجتماعي والثقافي لسنة الطبعة
كانت الخسائر الاجتماعية لـ«سنة الطبعة» بالغة الأثر، فقدت مجتمعات برمتها شبابها، تاركةً الأرامل والأيتام ليعولوا أنفسهم، وبلغ حجم الخسارة حدًا هائلًا لدرجة أن أي أسرة في الخليج لم تسلم من الحزن، وتحكي الروايات الشفوية صورًا مؤثرة للحزن الذي أعقب ذلك، ولكل عائلة قصة فقدان ابن أو زوج، وأصبحت المأساة علامة ثقافية، حيث سُجِّلت الأحداث في حديث العامة بقولهم: هل حدث ذلك قبل أو بعد (سنة الطبعة)؟ أو قولهم: متى ولد فلان؟ قبل (سنة الطبعة) أم بعدها؟
كما أثقلت العاصفة كاهل البنى الاجتماعية، وأصبح نظام (السخرة) الذي ربط الغواصين بالتجار بالديون، غير قابل للاستمرار مع تزايد الخسائر، وأعقبت ذلك ثورات وهجرات، فقد سعت المجتمعات إلى إعادة بناء نفسها، وكان تأثير الكارثة على النساء والأطفال بالغًا، إذ واجهوا صعوبات اقتصادية دون معيل من الرجال.
ثقافيًا، ألهمت (سنة الطبعة) الشعراء، فنظموا القصائد والأغاني والقصص التي رسخت ذكرى المأساة. غالبًا ما أشارت أغاني (النهمة) التقليدية التي غناها الغواصون، إلى دمار العاصفة، بكلمات تستحضر الرياح المفاجئة والأرواح المفقودة، وتُبرز هذه التعبيرات الثقافية، الموثقة في مراكز التراث الخليجي، قوة المجتمعات التي وجدت العزاء في سرد القصص المشتركة.
نقطة تحول في تاريخ الخليج
مثَّلت (سنة الطبعة) نقطة تحول في تاريخ الخليج، وسرَّعت العاصفة من تراجع صيد اللؤلؤ الذي أضعفته قوى السوق، ومهدت الطريق لعصر النفط، وبحلول عام 1932، بدأت البحرين الإنتاج التجاري للنفط، وتلتها المملكة العربية السعودية عام 1938، وغيَّرت هذه الاكتشافات وجه الخليج، وجلبت ثروةً وتحديثًا غير مسبوقين.
أبرزت الكارثة الحاجة إلى التنويع الاقتصادي، وهو درس لا يزال قائمًا حتى اليوم، وقد جعل اعتماد الخليج على صيد اللؤلؤ اقتصاده عرضة للصدمات الطبيعية وتقلبات السوق، تمامًا كما هو الحال مع الاعتماد الحديث على النفط، وتظهر الجهود الحالية للتنويع في السياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة وعيًا بهذا الضعف، متجذرًا في أحداث تاريخية مثل عام 1925.
وسلطت العاصفة الضوء على تعرض الخليج للكوارث الطبيعية، ويُمثل تغير المناخ اليوم مخاطر مماثلة، مع ارتفاع منسوب مياه البحر والطقس المتطرف الذي يهدد المجتمعات الساحلية، ثم إن المرونة التي أظهرتها مجتمعات الخليج في عام 1925 -إعادة البناء وسط الخسائر- تُقدم نموذجًا لمواجهة التحديات الحديثة.
مقارنة بـ(سنة الطفحة)
بينما (سنة الطبعة) مرادفة للمأساة؛ فإن (سنة الطفحة) تُمثل مرحلة ازدهار، في عام 1330 هـ (1912 م)، فامتد موسم الغوص وصيد اللؤلؤ شهرًا أطول من المعتاد، محققًا حصادًا بقيمة 3 - 6 ملايين روبية، وجلبت هذه الوفرة البهجة إلى جميع أنحاء الخليج، فأرسل قادة مثل الشيخ مبارك الصباح، ملك الكويت، رسائل تهنئة إلى التجار.

ويُجسّد التباين بين هذه الأعوام المثل الثقافي القائل: (الخير يخص، والشر يعم)، في حين كان الرخاء عابرًا وأقل توثيقًا، تركت المأساة أثرًا دائمًا، ويُبرز هذا التفاوت ميل البشر إلى تذكر المشقة على حساب الوفرة، ما مثَّل السرد التاريخي للخليج.
الجدل والغموض التاريخي
يُعدّ تحديد عام (سنة الطبعة) بدقة محل جدل، فتُشير بعض المصادر إلى عام 1924 (1344 هـ) وأخرى إلى عام 1925 (1346 هـ)، وتشير معظم الأدلة، بما في ذلك روايات الناجين والسجلات الإقليمية، إلى عام 1925، كما تتفاوت أعداد الضحايا، فتراوح التقديرات بين 5000 و8000، ما يظهر تحديات توثيق مثل هذه الأحداث في عصر ما قبل الحداثة.
يجادل بعض المؤرخين بأن تأثير العاصفة قد تناقلته الأجيال في صورة موروثات شفهية، في حين يُؤكد آخرون دورها كونه محفزًا للتغيير الاقتصادي، وتُسلِّط هذه النقاشات الضوء على تعقيد إعادة بناء الأحداث التاريخية، خاصة تلك التي تعتمد على الروايات الشفهية والسجلات المُجزأة.
حفظ الذاكرة
تُحفَظ ذكرى (سنة الطبعة) بوسائل مُختلفة، فتُوثِّق كتبٌ مثل (سنة الطبعة 1925) لفاطمة الشامسي (قهوة) قصص الناجين وتفاصيل تاريخية، وتُقدِّم الأفلام الوثائقية، مثل (سنة الطبعة - 1925) (على موقع يوتيوب)، سردًا بصريًّا، وتُقدِّم مقالاتٌ مثل (سنة الطبعة 1346 هـ - 1925 م) (ما التُراث) رواياتٍ مُفصَّلة.

وتُقدِّم المتاحف، مثل متحف البحرين الوطني ومتحف قطر الوطني، معروضاتٍ عن الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، بما في ذلك قطعٌ أثرية من عام 1925، وتتيح السجلات الأرشيفية، مثل تلك الموجودة في مكتبة قطر الرقمية QDL، مصادرَ أساسية، وتضمن هذه الجهود عدم نسيان تضحيات من فقدناهم.
دروس لليوم
يتجاوز إرث (سنة الطبعة) حدود التاريخ، مُقدمًا دروسًا للحاضر، ويُسلط التأثير الاقتصادي للعاصفة الضوء على مخاطر الاعتماد على قطاع واحد، وهو قلقٌ يتردد صداه في جهود التنويع الاقتصادي الحديثة، ويُمثل تغير المناخ مخاطر جديدة، فتُهدد العواصف وارتفاع منسوب مياه البحر مدن الخليج، وتُمثل قصص صمود الناجين من عام 1925، وإصرارهم على إعادة بناء حياتهم وسط الخسائر، نموذجًا يُحتذى لمواجهة هذه التحديات.
تُؤكد هذه المأساة أيضًا أهمية الحفاظ على التراث الثقافي، إذ تربط القصص والأغاني والقطع الأثرية من عصر الغوص بحثًا عن اللؤلؤ مجتمعات الخليج الحديثة بماضيها، مُعززةً الشعور بالهوية والاستمرارية، ومع أن المنطقة تُبحر في عالم سريع التغير؛ تمنحنا هذه الروابط القوة والمنظور.
وبالنظر إلى الماضي، كانت (سنة الطبعة) أكثر من كارثة طبيعية، لقد كانت نهاية حقبة اتسمت بالغوص بحثًا عن اللؤلؤ وبداية حقبة اتسمت بالنفط والتحديث، وكانت الكلفة البشرية هائلة، لكن قوة المجتمعات الخليجية ضمن لها البقاء والازدهار في نهاية المطاف، واليوم، في حين يواجه الخليج تحديات جديدة -تنويعًا اقتصاديًا، وتحديات بيئية، وتكاملًا عالميًا- تظل روح أولئك الذين وقفوا في وجه العاصفة رمزًا قويًا، وتُذكرنا قصصهم بأنه حتى في مواجهة خسائر فادحة، يمكن للأمل والتكيف أن يمهدا الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.