خاطرة بعد منتصف الليل.. خواطر وجدانية

الواحدة وسبع دقائق بعد منتصف الليل، تعلنها ساعة الهاتف المحمول فيما تعلن ساعتي البيولوجية سخطها لتأخري في النوم، وقد أرخت سيطرتها على جفوني التي تقاوم الإطباق بصعوبة...

فتقرّر ساعتي البيولوجية معاقبتي بالعودة بي في الزمن إلى أكثر من ثلاثين سنة خلت، إنها الآن السادسة صباحاً تقريباً، الطقس صيفيّ جميل متخم بالنسمات العليلة النقيّة لساعات الصباح الأولى.

تجلس جدتي على الجرن الحجري، مكانها الأثير، وجدي يجلس على طرف حوض الزهور الإسمنتي وبقربه إبريق الشاي المصنوع من الألمنيوم، لطالما أثار ذاك الإبريق حيرتي كطفل، فهو صغير الحجم، ورغم ذلك يكفي ليسقي أهل الحي جميعاً!

كيف.. لا تسألوني.. أعتقد أن العلم نفسه يعجز عن حلّ هذا اللغز، بجانب الإبريق تجد كؤوس الشاي الصغيرة المميّزة التي يلمع زجاجها الشفاف بسبب حرص جدّتي الشديد على تنظيفها وتجفيفها دائماً..

يصبّ جدي الشاي في الكؤوس، فيُسحرك اللّون المعتّق والرغوة اللعوب والبخار المتراقص، ثم تدخل في غيبوبة مع أول رشفة، تعوم في بحر من اللذة، طعم ورائحة يكفيان لإيقاظ حواسك العشر وليس الخمسة أو الستة فقط.

شربت حتى الآن آلاف أكواب الشاي، لكني وبدون مبالغة لم أتذوق في حياتي مثل ذلك الشاي الذي كان يعدّه جدي بيديه، أذكر تماماً كيف أوحت براءة الطفولة إلى عقلي أن حلّ اللغز يكمن في الإبريق السحري الذي يكفي قبيلة، وترسخ هذا الإيحاء، ولم تغب صورة الإبريق عن مخيّلتي طوال سنين، أراه قابعاً على طرف حوض الزهور الإسمنتي الكبير.

رحل جدي واختفى معه الإبريق، وقبل وفاة جدتي بسنوات قليلة، وبينما كنت أعودها وأجالسها كالمعتاد، سألتها عنه وعن لذّة الشاي الذي لم أذق في روعته، بدموعها السخيّة أخبرتني أن السرّ ليس في الشاي ولا في الإبريق، وإنّما السرّ في الصانع.

ليس "الأكل نفس" وحسب، كذلك الشاي، نفس جدي الذي يعكس طيب أصله وسماحة معشره وروحه البريئة وأخلاقه الدمثة، هي من تعطي الشاي مذاقه، وتجعل إبريقاً لا يتّسع لأكثر من كوب ماء ونصف يكفي ليسقي رهطاً.

في اليوم التّالي فاجأتني جدتي بأن قدّمت لي الإبريق الغالي، وقدّمت لي أكواب شاي جميلة للغاية ذات خطّ مذهّب في أعلاها، ما زلتُ أحتفظ بها حتى الآن، أحج إليها وأطالعها كل حين دون أن أفكّر مطلقاً في استخدامها، إذ أشعر بأنها أشياء مقدسة تتجاوز مفهوم الذكرى والتذكار، أشياء تتجاوز مفهوم القيمة والثمن، إنها في نظري أشياء تختزل حياة شخصين أميين أو شبه أميين عاشا مع بعض حرفياً معنى الحبّ والاحترام والالتزام والأسرة والجيرة والكفاح، شخصين انتهى برحيلهما -بالنسبة لي- دفء ومحبة العائلة.

 

اقرأ أيضاً

خاطرة "ومتى الوصول؟"

خاطرة "الأشياء التي نكنزها"

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة