بعد فوات الأوان

سنوات طويلة مرّت دون أن يرى صادق حبيبته علياء، تلك الجميلة التي إنشغل بها فؤاده وإنشغلت به ذات يوم، وقتها أشفق عليها وهى الفتاه التي كان يقل عمرها عن نصف عمره، فاختار وقلبه ينفطر حباً وحزناً أن يتركها تنتقل لتعيش مع أسرتها بعيد عنه في مدينة بعيدة.

ومرًت سنوات طويلة أكثر من اثنين وثلاثة... دون أن يراها ولو لمرة واحدة، لكن صورتها الجميلة بملامحها السمراء الوسيمة لم تغادر خياله، وهي تقدم له في خجل وردتها الحمراء كدليل على حب لا يرقى إليه شك، وقتها خفق قلبه حباً وخوفاً عليها من أن تنجرف معه إلى أعماق بحار لاشواطئ لها.

لم يبح صادق أبداً بمكنون قلبه لحبيبته ولا لأي إنسان كان، آثر أن يكبح جماح حبه وأن يحتفظ بسره في سراديب قلبه إلى الأبد.

تعاقبت سنوات طوال... وانشغل صادق بأشياء كثيرة، لكنه لم ينس أبداً وردته المبهرة المتفتحة في حدائق قلبه والتي لا تزال يائعة بعطرها الفواح وجمالها الآخاذ.

وذات مساء وبينما كان صادق يقلب في أوراقه القديمة، إذا به يعثر على رسالة الحب الوحيدة التي كان قد كتبها ولم يرسلها إليها، دقق النظر فيها وتأكد أنها هي... يا سبحان الله !

إنه الحب... لأول مرة، إبتسم وقلبه يخفق مبهوراً بروعة الحب الساكن في أعماق الكلمات، وتساءل بينه وبين نفسه كيف مرت كل هذه السنين دون أن ينساها، انهمك في قراءة السطور المنسابة بالحب، والطهر، والمشتعلة بمشاعر الشوق، والحنين، وأخذ يقرأ لنفسه بصوت هامس:

حبيبتي الصغيرة علياء.

أتنهد الآن من أعماق قلبي وأنا أخط أولى كلماتي إليك قبل أن أهمس لك بأي همسة حب، لقد خرجت الآه وحدها من عمق القلب لتكون عنوانا مثيراً لأحلى وأغرب قصة حب في حياتي، كنت صغيرة، وكنت احبك جداً، لكنني كنت اكتفى بمداعبتك كما كنت حريصاً أن أخفي عنك حقيقة مشاعري، كنت أبتعد عنك بعقلي لكنني لم أكن أستطيع الإبتعاد بقلبي.

وبقدر ما كان يستريح ضميري ببعدي عنك، كان يسعدني إهتمامك بى؛ أنت الصغيرة التي كنت أراها كقطة وديعة تفتح عيونها على النور مبهورة به، ولقد رأيتك ذات مساء، لا أنساه! تأتين إلى لتقولين لي، سمعت أن الحكاية قد إنتهت... أليس كذلك ؟!

قلت باسماً دون أن أفهم قصدك: إيه الحكاية؟!

قلت ببراءة شديدة: سهام؟!

قلت متسائلاً وقد فهمت ما تصدين: مالها!

قلت بخجل وإرتباك: حكايتك معها!

قلت ضاحكاً: لم يكن بيني وبينها حكاية حتى تنتهي!

وقتها أحسست انك قد إسترحت كثيراً. ومره أخرى تملؤني السعادة وأنا اسمع ردك عمن تحبين من المطربين وما تحبين من الأغانى... أسكرتني إجابتك وأنت تقولين: يا خالى القلب... يا حبيبي!

قلت باسماً بحب: من هو صاحب القلب الخالي يا علياء ؟

ويجئ ردك إطراقة حلوة تسيل حياء غاليا أن تتكلمي وبعدها حاولت جاهداً أن أبتعد عن طريقك، ولم أحاول الإقتراب منك لشهور، إلى أن جاء يوم وجئت فيه من الدنيا البعيدة، وبشوق ولهفة عانقت يداي يدك بعد تلك الغيبة الطويلة، أسمعك تهمسين لماذا لم تكن تأتى لزيارتنا ؟

للأسف ضاعت أوراق الرسالة... ومر إثنان وثلاثين عام دون أن تكتحل عين صادق بمرآها، ودون أن يسمع عنها شيئاً على الإطلاق، إلى أن عرف بطريق الصدفة أنها تعمل مدرسة لغة فرنسية في إحدى المدارس الثانوية للبنات فى المدينة التي أنتقل إلى العمل بها، في نفس اليوم كان يشق طريق مدرستها كان يشعر كأن فراشه تهمس بهمس الزهور، وأن الماشين حوله يطيرون معه فى سماء ليس لجمالهما مثيل.

 ويهبط صادق من عالية خيال الماضي البعيد ويدخل المدرسة وقلبه يفيض من النشوة كأنه فى طريق الجنة، يسأل نفسه هل فى قلبها عاطفة فى فتنتها ونقائه رغم مرور الأيام والسنين؟ ويسأل عنها إحدى زميلاته التي تسرع إلى أحد الفصول لتخبرها بان هنا من يريد أن يراها، ثم رأها قادمة من بعيد كبدر وسط سماء صافيه من ليالي الصيف، وتناسب سيمفونية أنغام من فمها الفاتن، وهى ترحب به والفرحة تقفز فوق ملامحها الجميلة، أهلا أستاذ صادق!! من الذي جاء بك بعد كل هذه السنين؟ وقد شاب الأسى نغمات صوتها الرقيق...هل ما زلت تذكرني ؟

أجابها وهو يحاول السيطرة على إرتباكه المفاجئ وإحساسه بالذنب: قلبي الذي قادني اليوم بلا تفكير إليك. جئت لأقول لكي ما لم أقول منذ اثنان وثلاثون عام.

 قالت وإبتسامتها تتسع وعيونها تلمع بدموع الفرحة، كنت أتمنى لو قلتها لي وقتها... إن كان ذلك قد حدث...كان غير أشياء كثيرة.

قال فى خجل وهو لا يزال فى إرتباكه... قدر الله وما شاء فعل. ردت عليه لا أعرف ما أقول لك لكنني في غاية السعادة لأنك معي... الآن أشعر أنني في حلم. إعترافك الآن لي بعد كل تلك السين، هو أجمل مفاجأة في حياتي كلها، أنا لا أريد شيئاً أكثر من ذلك، ثم ضحكت وهي تقول: لكن لست مع إعترافك اليوم بحبك... قد جاء بعد فوات الآوان.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب