بصير .. البطل الصغير

بصير بطل حكايتنا؛ شغوف بقراءة قصص وحكايات المشاهير؛ لكي يعرف أخبارهم وكل شيء عن حياتهم. وكانت تداعب أحلامه أمنية كبيرة، ودوما يحدّث نفسه:

كل أملي أن أكون مشهوراً. يعرفني تلاميذ المدرسة، والجيران. وكل أهل الحي، وتكون لي حكاية يعرفها الناس، وتُنشر صوري وأخباري في الصحف والمجلات. وفي الإعلانات؛ مثل كل المشاهير. لا أعرف ماذا أفعل لكي أحقق أمنيتي. عموماً أفكر.

يبدو أنّ فكرة لاحت في ذهنه؛ إذ برقت عيناه هاتفاً:

هذه! . لأطبع نسخًا كثيرة من صورتي، وأعلقها على جدران المدرسة والشارع و. . .

ولكنه تراجع عن فكرته؛ إذ قال:

تصرّف خاطئ، فهكذا أشوّه الجدران. . .

وخطر له تعديل للفكرة:

أو. . أو أوزعها على زملائي التلاميذ، والجيران و. .

ويبدو أنه تراجع أيضاً؛ إذ قال في نفسه:

ولكني سأحتاج لمئات الصور. صعب! .

ثم تألقت عيناه هاتفاً:

هذه هي! . سأحتاج لصورة واحدة ليس أكثر، وأنشرها في مجلة الأطفال. ويشاهدها الملايين! . يا لها من فكرة! .

وجعل يقلبها في رأسه، ثم استطرد في إحباط:

ليس لها أي معنى؛ فماذا يقولون عني؟ وماذا يكتبون تحت الصورة؟

حار أمر بصير، فلم يُسعفْه تفكيره:

يبدو أن الأمر أكبر من أفكاري، وهذا لا يَعِيبنِي؛ فما زلتُ صغيراً. ولِمَ أتعب نفسي، وأرهق ذهني، وأضيّع وقتي؟ ! . الكبار ذوو خبرة وكفاءة، وأقدَر في مثل هذه الأمور.

وإلتقى بصير بأبيه، وحدّثه فيما يجول بخاطره؛ فابتسم الأب، وقال مشجّعاً:

إنك إنسان طموح يا بصير، وهذا يجعلني فخور بك. والشهرة يا بَنَى ليست أماني؛ أو مجرد كلمة، ولكنها تحتاج لجهد وعرق. ولكي تحقق الشهرة، مثلا: تكون بطلاً رياضياً، أو مخترعاً، أو تقدم خدمة جليلة للوطن، أو تقوم بعمل عظيم. وفي هذه الحالة، ستسعى إليك الشهرة. يعنى العمل أولا. العمل، ثم العمل.

مثل ماذا؟ .

الأعمال كثيرة، وعليك أن تختار ما يناسبك. أنت فقط يا بصير الذي يختار.

يشكر بصير أباه. وجعل يُسائل نفسه: أي عمل عظيم أستطيع أن أقدّمه؟ ! .

كان يعمل بحديقة الفيلا بستاني عجوز؛ اسمه العم قرنفل. كان يسقى الورد والزهور، ويشذب الشجر، ويرعى الحديقة. وكان بصير يزوره في أوقات الفراغ؛ فيقضى معه بعض الوقت؛ ليستمتع بالتجوال في الحديقة، وتنسُّم الهواء العليل، ورؤية الزهور مختلفة الأشكال والألوان، كما يستمع لإحدى حكاياته، ومن حين لآخر؛ كان العم قرنفل يقول ل بصير:

لا تعتقد يا بصير أن الحكايات مجرد تسلية فقط.

ويُضيف بصير:

إننا أيضاً ناهد منها العظة والعبرة. والخبرة.

ذات مرة؛ طلب بصير من العم قرنفل، أن يُعيره الكتاب الذي يقرأ فيه الحكايات؛ عندئذ ضحك الرجل الطيب، وقال: أي كتاب يا بصير. ليس عندي كتب.

ماذا؟ ! .

ولا أعرف القراءة والكتابة.

كم كانت مفاجأة بصير الذي سأل في تعجب ودهشة:

معقول! . أ لم تذهب إلى المدرسة يا عم قرنفل؟ ! .

يا ليت! . أنا لا ذهبت إلى المدرسة، ولا إلى الكتّاب.

اشتد استغراب بصير:

لم يا عم قرنفل؟ ! .

تنهد العجوز تنهيدة حزينة قائلاً:

حكاية يطول شرحها، والحمد لله على كل حال.

و. . وكيف عرفتَ كل هذه الحكايات؟ ! .

من الحياة والناس. الحياة علمتني الكثير. عشت سبعين سنة، أو أكثر. ومن يعيش طويلا يعرف كثيرا. إللى يعيش ياما يسمع وياما يشوف.

وعندئذ يهتف بصير:

فكرة! .

ماذا قلت يا بصير؟ ! .

لم يضيّع بصير الوقت، واشترى من مصروفه: كتاب معلم القراءة، وكراسة، وقلماً، وقدّمها للعم قرنفل، الذي نقل بصره بينها وبين بصير، ثم سأل في تعجب:

ما هذا يا بصير؟ ! .

ويردّ بصير ببساطة:

كتاب، وكراسة، وقلم.

أعرف أنها: كتاب وكراسة وقلم. أقصد ماذا أفعل بها؟ ! .

ألا تحب أن تتعلم القراءة والكتابة يا عم قرنفل؟ .

وضحك الرجل ضحكة مريرة؛ هاتفاً:

في هذه السّن! . بعد ما شاب ودّوه الكتّاب! . وعلى رأى المثل: العلم في الصغر كالنقش على الحجر، والعلم في الكبر كالنقش على الماء.

كلام خطأ وغير صحيح يا عم قرنفل.

كيف؟ ! . إنني أسمعه طوال حياتي! .

ليس كل ما يقال صحيحا يا عم قرنفل. التعليم في أية سن. المهم أن يكون لديك الرغبة وقوة الإرادة.

سكت الرجل قليلا، لعله يستعيد كلام بصير، ثم قال في رجاء:

طبعاً يا بصير و. . ولكن كيف؟ ! .

دارت بينهما لحظات من الصمت، ليهتف بصير:

سأعلمك.

وردد العم قرنفل غير مُصدّق:

تعلمني! و. . وأقرأ وأكتب؟ ! .

بالتأكيد.

قال العجوز في تردد:

و. . ومتى تعلمني؟ . الغد؟ .

ولم التأجيل يا عم قرنفل؟ ! ؛ من اليوم، وحالا.

ويهتف العم قرنفل في فرحة، ومازال غير مُصدّق:

حالاً! . إنني لا صدق أذني! . حلم هذا أم علم؟ ! .

وبدأ بصير مهمته في تعليم العم قرنفل. لم يكسل يوماً، أو يُهمل حصة. ولأمر في نفسه؛ كان يطلب من العم قرنفل أن يحكى له الحكايات قائلاً:

أنا أعلمك القراءة والكتابة، وأنت تعلمني الحياة.

ويوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً وآخر، ثم عقد بصير امتحاناً، إذ سأله:

اقرأ ما أمليْته عليك يا عم قرنفل.

ويقرأ العم قرنفل:

العلم ذو نور. الو. الورد. جمي. جميل. الشمس تشع. تشرق في. في ال. . الصباح. القمر يُ. يُنير في. في ال. الليل.


ثانية يا عم قرنفل.

العلم نور. الورد جميل. الشمس تشرق في الصباح. القمر يُنير في الليل.

رائع يا عم قرنفل! . رائع! .

وتلفت الرجل من حوله، كأنما أراد أن يكلم الدنيا:

لقد عرفتُ القراءة والكتابة! . أجل، الآن أقرأ وأكتب. لقد تحقق حلم كنت نسيته عبر تراكم السنين، لم أكن أتصور يوماً أن أقرأ وأكتب.  ياما أنت كريم يا رب. الآن أستطيع أن أقرأ سور القرآن، وأحفظ الآيات. وأقرأ الصحف، وأعرف أخبار الدنيا. الفضل يرجع لك أنت يا أستاذ بصير. أيدك أحب عليها.


لا يا عم قرنفل. الفضل لله. ولعزيمتك وإصرارك.

إنك صغير السن؛ لكنك كبير العقل والمقام. التعليم في أية سنّ فعلا، ولو كنت على شفا القبر.

لم تكن فرحة بصير؛ أقل من فرحة العم قرنفل؛ لكنه كان مشغول الفكر؛ إذ قال في نفسه:

لا ريب أنّ هناك الكثير مثل العم قرنفل، ولا بد أنهم يشعرون

بالحزن والأسى. وسرعان ما انطلق إلى أبيه ليعرض عليه الموضوع، فعلق الأب مؤكداً:

وجهة نظر سليمة يا بصير. وما أيسر الحل! . عليك تجميع الكبار. وأنا سأعدّ لك فصل محو الأمّية.

وخلال شهر؛ استطاع بصير أن يمحو الأمية لخمسين من الكبار ويعلمهم القراءة والكتابة. وقد كرّمته المنطقة التعليمية في حفل كبير: كان جمهوره من الرجال والنساء الذين فاتهم قطار التعلم؛ تعلوهم الفرحة، ويحملون لافتة كتب عليها: التعليم في الصغر والكبر كالنقش على الحجر. وفي اليوم التالي، رأى صورته في الصحيفة، وهو يتسلم منحة مالية، وشهادة تقدير، ومكتوب تحت الصورة: بصير. البطل الصغير.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 14, 2021 - عبد الوهاب الجزائري العربي زيدي
Apr 13, 2021 - وصال الدقيوش
Apr 12, 2021 - Fareed Hawammdeh
Apr 11, 2021 - هبة عبد الرحمن مختار محمد عبد الله
نبذة عن الكاتب