براعم في رحم الموت

الأسر التي تستعمرها العادات والتقاليد ويغزوها الجهل وتقدس النصوص التراثية، وتئدُ كل ما هو مختلف معها، وتعاني من (فوبيا) الاختلاف تتحول إلى رحم للموت لكل من يحاول التغريد خارج السرب، أو إعمال عقله بما يخالف ما هو مقدس لها وخصوصًا الفتيات، هي بؤر كارثية على الأجيال، هي الموت بعينه، فهن ينشأن داخل الجحيم، إمّا أن يتجرعن نيران التربية القاسية، ويخضعن لهذه الأفكار الجاهلة، ويعتنقنها، ويصمتن لبقية حياتهن، ويصبحن بلا حيلة في تحديد مستقبلهن أو اتخاذ قراراتهن مكبلين بسلاسل هذا الجهل، أو أن يواجهن هذا المصير المظلم فيتحدين الوصاية الأسرية والأبوية عليهن، ويحضرن أنفسهن لدفع ثمن حريتهن وعيش مستقبلهن من العقاب والتنكيل والتعذيب والقتل تحت مسمّى الشرف والعادات والوصاية، فهن كمن كتب عليه الموت لحظة ولادته، بل هنّ أشد بؤسًا من ذلك، فهن يعشن داخل الجحيم، يمتن فيه كل يوم وكل لحظة، وأنا واحدة من أولئك الفتيات ممن يقبعن في ظلام هذه الأسر لا يتفوهن بما هو داخلهن ولا يملكن الجرأة لمواجهة أسرهن ولا يغردن خارج السرب إلّا بكتاباتهن في الواقع الافتراضي على (الإنترنت)، وهنا نتنفس حريتنا على أمل أن نتمكن من تنفسها في الواقع، محاولين أن نضع أقدامنا في هذا الواقع تمهيدًا للخلاص من هذا الجحيم، فنحمل على كاهلنا بما لا نطيق، وتحمل أرواحنا الترقب والانتظار يتخللهما الخوف والحذر ونحن نرسم مستقبلنا في الخفاء وننسج خيوطه برفق وهدوء وصبر وألم وبكاء كل يوم وكل ليلة، ننظر إلى العالم الخارجي ومستقبلنا بعين مرهقة أتعبها البكاء والبقاء متيقظة بانتظار الخلاص، ونيران الصبر والاشتياق، تأكل في داخلنا، ولكن قاربنا الصغير والمهترئ والذي نبحر به في وسط عاصفة الموت وفي دجى الليل وروح التمرد بداخلنا يأبيان الاستسلام على الرغم من أمواج اليأس التي تضرب هذا القارب، ورياح الألم التي تعصف بأشرعته البالية وتمزقها اليوم تلو الآخر، فمجدافنا هو الرغبة في الحياة التي نريدها، ونستمد قوتنا من خوفنا أن نبقى في هذا الحال إلى بقية حياتنا .

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب