براءة حمار.. حكاية حمار الضريح عندما تتحول الخرافة إلى قداسة

 

في مجتمعاتنا، تتصارع الحقيقة الجلية مع الأوهام المريحة، صراعٌ يشبه الفارق بين القاعدة اللغوية الثابتة والمعتقد الشعبي المتغير. في حين يقف العقل النير موقف الناقد المُبطِل للخرافة، نجد أن العاطفة الجمعية قد تصنع من العدم قداسة، ومن الحيوان وليًّا.

هذا المقال ليس درسًا في النحو، بل هو رحلة تفكيكية لظاهرة التقديس الأعمى، نستخدم فيها المصدر الصريح معيارًا للوضوح، وحمار الضريح نموذجًا للزيف الذي ينطلي على العامة، مستعرضين قصة سيدي بوصفيحة التي تعري هشاشة الوعي الخرافي.

 

المصدر الصريح: الحقيقة التي لا تقبل التأويل

توجد بعض المعتقدات الغريبة التي تنفر منها العقول النيرة، وقد يُغير الذي يتفق مع اعتقادٍ ما رآه حين يكتشف زيف الاعتقاد، فتراه يُحاول إبطال ذلك الشيء من فكر بلده، وما دامت كلمة إبطال مصدرًا صريحًا، فسأُحاول مُقارنتها بحمار الضريح:

المصدر الصريح ليس كحمار الضريح، فالمصدر الصريح يصاغ من فعله مثل أحسن إحسانًا وأتقن إتقانًا ودخل دخولًا وخرج خروجًا.

حمار الضريح: صناعة الوهم الجماعي

 

أما حمار الضريح، فيصوغ له زائروه ضريحًا فوق قبره، ويُسمونه سيدي بوصفيحة أَو سيدي الخفي أو سيدي الشافي، وكيف لبهيمة مسخرة لخدمة الإنسان أن تشفي الإنسان العاقل؟

حمار الضريح، هو ذلك الضريح الذي تزُوره فئة بشرية من أجل نيل الأوطار ودفع الأضرار مدفوعة بما يسمى في علم النفس «تأثير الدواء الوهمي» أو الإيحاء النفسي، وقد تتساءل معي: كيف لحمار أن يُزار؟

فاقرأ معي هذه الحكاية التي تجسد المأساة والملهاة في آن واحد.

 

القصة الكاملة: كيف صار الحمار وليًا؟

كان لتاجر حمار وفيّ، يستخدمه ويركب عليه من بلاد إلى بلاد لسنين عدة، ظل الحمار وفيًّا لصاحبه، ولا يخذله في طريقه، فحين هو في صحراء إذ بالحمار يموت ويودع صاحبه، حزن مالكه وبكى عليه، وليتذكره ألبس حماره صفيحة يملكها، ركبها في عنقه ووارى الثرى على الحمار، ثم إنه وضع حجارة فوق قبر الحمار ليتفقده من حين لآخر، ولا ينسى المكان الذي دفنه فيه. 

ومع توالي الأيام أصبح قبر الحمار ضريحًا ذا قبة، وقبلة للمرضى ومن في صدره حاجة يتمنى أن يقضيها.

شاع بين أهل تلك البلدة أن المدفون هناك ولي من أولياء الله، فسموه ضريح سيدي بو صفيحة.

 

لحظة المكاشفة: صدمة الحقيقة

مر صاحب الحمار بالمكان فتفاجأ ولم يصدق ما رآه، ضريحٌ بُني على قبر حمار، ولإزالة شكه أخبر أهل القرية وقال: «هنا دفنت حماري يا سادة».

 

كانت ردة الفعل المتوقعة هي الإنكار؛ لأن العقل الجمعي يرفض هدم معتقداته بسهولة، فاتهموه بتسفيه وليهم والانتقاص من جناب مُلهمهم سيدي بو صفيحة. فأخذوه إلى الحاكم أو الوالي، وأعاد كلامه وأكد له أنه دفن حماره هنالك منذ سنين خلت، والدليل صفيحة ركبها في عنق الحمار.

أمر الوالي أهل القبيلة بنبش القبر والتحقق من صحة كلام صاحب الحمار، وظهر الحق، وجدوا الصفيحة كما أخبرهم الرجل؛ فتحطمت أسطورة الولي المزعوم، وتأسفوا لمدى سفاهتهم.

هذه القصة ليست طرفة، بل هي دعوة لإعمال العقل قبل اتباع القطيع، وتذكير بأن الحقيقة -مهما دُفنت- ستظهر يومًا ما بدليل مادي دامغ، تمامًا كالصفيحة التي كشفت حقيقة الولي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة