مع اقتراب نهاية السنة، يتردد في أذهاننا سؤال ملح: كيف أتعامل مع نهاية السنة نفسيًّا؟ وكيف أبدأ عامًا جديدًا؟ وكيف أحول الألم والإحباط إلى دروس من التجارب تدفعني نحو التطور الشخصي الحقيقي؟ الحقيقة أننا لا نحتاج إلى بداية مثالية، بل نحتاج إلى الوعي الذاتي لنعرف كيف نبدأ من جديد.
في السطور القادمة، أشارككم خلاصة دروس تعلمتها من سنة صعبة؛ رحلة صادقة تبدأ من مواجهة الذات والتصالح مع النفس، وتمر عبر شجاعة تقبل النقص ومعرفة متى يجب أن نرحل، لتنتهي بالوصول إلى السلام الداخلي والنضج النفسي. دعنا نكتشف سويًّا كيف أتخلص من عقدة الكمال وكيف أبدأ سنة جديدة بوعي ويقين.
شارفنا على ختم هذه السنة، وبقيت أيام قليلة على توديعها، كانت ثقيلة وخفيفة في الوقت نفسه، كل شخص منا مرَّت عليه حسب ظروفه وحسب محيطه، ومن المؤكد أنها غير خالية من المشكلات والصعاب، ومنا من استوعب درسه، ومنا من لا يزال على عتبة المعرفة يتحسس طريقه نحو التطور الشخصي.
لكن أنا إنسان، ولي قصتي وتجربتي، ولي نصيب من الألم ومن الإحباطات ومن الصراعات، سواء أكانت خارجية أم داخلية. أكون هشًا، ومع كل عقبة أو صدمة أستجمع قوتي شيئًا فشيئًا، فلا شيء يأتي لهذا العالم مكتملًا، لم ولن يكتمل، حتى نستوعب مع الوقت أن جمال هذا الكون يكمن في النقص، ذلك العنصر الذي يجعلنا في حالة تأهب وركض دائم نحو أن نكمله؛ فنسعى جاهدين حتى نقتنع باستحالة أن تكتمل اللعبة، ستبقى تلك القطعة فارغة.
وذلك الفراغ هو المحرك الذي يحركنا ويتلاعب بنا كما يحلو له. لكن الذكي من يرضى بتلك الفجوة، ويتكيف معها، ويعيش بدونها، ويتعلم منها دروسًا من التجارب العظيمة وهي دروس من التجارب التي لا تُنسى.
ومن تلك الدروس التي تعلمتها أنا شخصيًّا وهي دروس تعلمتها من سنة صعبة، وأرغب في مشاركتها معكم لعلها تعود عليكم بالنفع كما انتفعت بها في رحلة الوعي الذاتي:
الدرس الأول: لا تتمسك كثيرًا بل تعلَّم متى تتوقف ومتى ترحل
أعلم أنك فوجئت بهذه العبارة، وهذا من حقك. نحن ماهرون جدًا في التمسك، رغم أن العلامات والأحداث تقول لنا إننا يجب أن نتوقف، لكننا نصر ونواصل حتى نُنهك وننهار، الانهيار يسبب شرخًا في النفس يهوي بنا للقعر.
لكن السؤال الأهم هو: هل كل من يسقط ينهض من جديد؟ الإجابة قطعًا لا؛ لأن البعض يبقى عالقًا فيما يتمسك به، سواء كان حلمًا أو هدفًا أو شيئًا أو شخصًا، يعيش على بقايا الذكريات، ويتوقف في المحطة التي فشل فيها، فيتجمد هناك، فلا هو يستطيع أن يتراجع ولا أن يستمر، وهذا حمق ومضيعة للوقت والجهد.
معظمنا مرَّ بهذه التجارب القاسية دون استثناء؛ لأننا نخاف أن نعترف بأننا ضعفاء وطاقتنا محدودة، نريد ألا تتزعزع النظرة التي أخدها الآخرون عنا، لكن أن يتزعزع سلامنا الداخلي لا بأس، وحينئذ يغيب السلام الداخلي، وهذا إجحاف بحق ذواتنا؛ لذا يجب أن نوقف هذه المهزلة، ونعيد ترتيب أولوياتنا واقعيًّا ومنطقيًّا.
ولا ضير في طلب المساعدة، فالإنسان يحتاج إلى أخيه الإنسان كما قال الله عز وجل في كتابه العزيز {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (سورة البقرة آية 251).
الحياة متغيرة، الظروف تتغير، كل شيء يتغير في الكون، وهذه سنة كونية، لا أحد يبقى على حاله، حتى أنت تتغير؛ لذا عندما تشعر بضرورة الرحيل ارحل ولا تبقَ؛ لتعرف متى يجب أن أترك وأرحل، فأحيانًا البقاء يكون جبنًا لا شجاعة.
الأمكنة التي تثير ضجرك ارحل عنها، المواقف التي تثير غضبك ارحل عنها، الكتب التي لا تروقك ارحل عنها، حتى الأشخاص الذين يهمِّشونك ارحل عنهم، هذه ليست نهاية العالم بل توجد في ضفة أخرى في زاوية معينة، هناك مكانك، تحرَّك وسوف تجد ذاتك التي تشبهك، عش قصتك لا قصة غيرك، فطريقك مختلف ومنهجك في الحياة مختلف.
إياك أن تتشبث أكثر من اللازم، سوف تنصهر ولن يراك أحد، ابقَ صلبًا كما كنت وكل شيء سيجد طريقه إليك. وكما قال رسولنا الكريم «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك».
الدرس الثاني :أنت أيضًا قصة سيئة في حياة أحدهم، أنت لست ملاكًا
لا تكن أنانيًا، ولا تعجب بنفسك كثيرًا، أنت أيضًا لك أخطاؤك مع الآخرين، بعض الأخطاء قد لا تعلمها لكنها حتمًا جعلتك النسخة الشريرة في حياة شخص آخر.

كيف أتصالح مع نفسي؟
مشكلتنا أننا نسلط الضوء على خيباتنا ومآسينا، وننسى أن نسلط الضوء على عيوبنا ونكون جريئين ونعترف بها ونصلحها. مَن منَّا لم يخطئ؟ هذا ليس عيبًا، بل العيب أن نغض الطرف عنها ونحاسب الطرف الآخر عليها، لنكن قضاة أولًا على أنفسنا ونحاسبها ونتعلم من عيوبنا، عندها سندرك أن الإنسان ضعيف، وسنكتشف أن القبح الذي بالآخرين هو بنا أيضًا؛ فنستوعب مع الوقت أن نكون رفقاء مع ذواتنا والآخر.
لكل منا جانب مظلم وجانب مضيء. أتعرف أين يكمن السر؟ يكمن في ذلك الجانب الذي يتغذى أكثر فيكبر مع الوقت؛ والنتيجة إما أن يكون شخصًا رحيمًا يرحم أخاه الإنسان، أو وحشًا يبتلع نفسه وكل من صادفه في طريقه.
الخلاصة: أنت لك حرية الاختيار في تعاملك مع نفسك أولًا ومع البشر، كلما كنت لطيفًا ومحسنًا نجوت من العذاب، وكلما كانت لديك نزعة الانتقام ورد الصاع بالصاع تعملق بداخلك ذلك الغول وابتلعك. لا شيء واضح دائمًا، الرؤية الضبابية أحيانًا تجعلك حذرًا وفطنًا. وكما قال الله عز وجل في كتابه العزيز «بل الإنسَانُ علَى نفسه بصيرة» (سورة القيامة آية 14).
الدرس الثالث: أبواك هما أيضًا كانا ضحايا وهم بشر يخطئون أو يصيبون
يجب ألا نتقوقع في دور الضحية، وأن ننسب كل مصيبة أو خطأ لوالدينا وتربيتهم، هم حاولوا جاهدين وبوعيهم أن يربونا، أصابوا في بعض النقاط وأخفقوا في بعضها، لنتذكر أنهم ليسوا ملائكة، هم بشر مثلنا تمامًا، يجب أن نتحمل مسؤولية قراراتنا ونقر بهفواتنا وسقطاتنا وشطحاتنا، لقد انتهى دورهم في سلسلة حياتنا، نحن الآن مخيرون في الطريقة التي سوف نكمل بها السير، حان وقت أن نسامحهم على ما اقترفوه في حقنا؛ لأنهم بغير وعي منهم صنعوا منا أشخاصًا غير متزنين، فطريقة حبهم كانت شرطية، نصائحهم ليست جلها صحيحة أو مسلمًا بها.
لقد آن الأوان أن نصلح تخريبهم لتحقيق التصالح مع النفس، وهذا ليس عيبًا، العيب هو أن نشعر بناقوس الخطر ولا نتحرك، نبقى مصدومين ونغلق الأبواب علينا ونجتر الماضي ونسحق أنفسنا.
من منا لم يصب بخيبة أمل من أحد والديه، وهذا جائز؛ لأنهم بشر، والبشر يخطئون ويصيبون. الفجوة التي بيننا وبينهم هي عبارة عن أننا لا نتحاور حوارًا بناءً، بل كأننا في قاعة التحقيق، كلانا يقول نحن ضحايا، وكلانا أيضًا يقول أنت الجاني. فمن على صواب؟ لا نعلم! لكن دعوني أقل لكم: الأكثر وعيًا هو من سيُلام في الأخير، وأظن أن رسالتي وصلتك.
الدرس الرابع: تخلَّص من عقدة الكمال وتقبَّل نقصك
عندما نريد أن نكون كاملين، ونطلب من الآخرين الكمال، فنحن هنا ننشد المستحيل، تخلَّص من عقدة الكمال وتقبَّل نقصك. كلما اصطدمنا بأنفسنا وتعمَّقنا بها اكتشفنا ثقوبًا كثيرة. وكلما حاولنا جاهدين أن نخبئها بشتى الطرق افتضح أمرنا. نجاحنا لن يجعلنا مكتملين. أسرة سعيدة لن تصنع منا أشخاصًا كاملين. إنجازاتنا لم ولن تصنع منا أشخاصًا كاملين. لنتقبل ذلك بصدر رحب.
الكمال يحجب روعة الإنسان، إنه مميز بنواقصه، والنقص الذي نخاف منه هو ما يميزنا ويميز بصمتنا في هذا الكون الفسيح. كلما ظهر نقص بحثنا وحاولنا تصليحه، وهذه الرحلة كانت منذ بدء الخليقة. إذن هي سر من أسرار الكون، لولاها لما وصلنا لما نحن عليه من تطور وإعمار.
الكمال سيجعلنا نكتفي وسنتوقف عن المحاولة، وهذا شيء غير صحي ألبتة، في حين تقبل النقص سيجعلنا مستعدين ونبحث ونغوص ونبقى في حركة واتصال مع أنفسنا والكون والآخرين وحتى في علاقتنا مع خالقنا. لا تجلد ذاتك لأنك لم تكتمل، بل تقبَّل نقصك؛ فهو جزء منك، فلا ترفضه أبدًا، بل تصالح معه، وسوف تقدم به للعالم أفضل نسخة منك.
كيف أبدأ سنة جديدة بوعي؟
لكل سنة نجاحاتها وإخفقاتها، لكن الشخص الكيِّس هو من يخرج منها بكم هائل من الدروس والعبر ليعرف كيف نبدأ من جديد، أما الشخص الذي يخرج منها كما كان فهذا لن ينجو وسيبقى عالقًا في نفسه. يسعدني جدًّا أن أشارككم ما تعلمته، ويسعدني أيضًا أن تشاركوني دروسكم؛ لتعم الفائدة الجميع. وتكون إجابة عملية لسؤال كيف أتعامل مع نهاية السنة نفسيًّا، وكيف أبدأ سنة جديدة بوعي؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.