بداية سنة جديدة بلا تشتت.. كيف تنجح في عصر إدمان الدوبامين؟

مع كل بداية سنة جديدة، نضع قائمة طويلة بأهداف السنة الجديدة، لكن سرعان ما نغرق في بحر التنبيهات والتشتت. والمشكلة ليست في إرادتك، بل في عصر إدمان الدوبامين الذي نعيشه.

في هذا المقال، نقدم لك خارطة طريق للنجاح تعتمد على التخلص من التشتت وتطبيق مبادئ العمل العميق لتستعيد السيطرة على حياتك.

مع بداية كل سنة جديدة، تتجدد فينا الرغبة في البداية من جديد، وإعادة ترتيب حياتنا، ووضع أهداف واضحة تحقق لنا الإنجازات التي نصبو إليها. ولكن لكي تكون هذه البداية فعَّالة وواقعية، لا بد أولًا من معرفة نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا، والاستفادة من ميزات العصر الحالي التي تجعل النجاح متاحًا أكثر من أي وقت مضى.

في هذا العصر، تتوفر لنا جميع الوسائل لنصبح ناجحين: من مقاطع الفيديو التعليمية على يوتيوب، إلى التواصل مع الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكننا التعرف على أشخاص من جميع أنحاء العالم بنقرة واحدة، واكتساب خبرة اجتماعية واسعة. هذا التوافر الهائل للمعلومات والفرص يجعل النجاح ممكنًا، لكنه ليس سهلًا أبدًا؛ إذ يواجهنا كثير من المشتتات والتحديات. فالسوشيال ميديا، رغم فوائدها الكبيرة، تحمل أيضًا مخاطرها، فهي سبب في نجاح البعض، ومصدر فشل للبعض الآخر، حسب الطريقة التي نستخدمها بها. 

الحياة بين التركيز والتشتيت

الأثر السلبى للسوشيال ميديا وفخ المتعة السريعة

في عالمنا المتسارع، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا لا ينضب للدوبامين الرخيص، مما يغرق أدمغتنا في بحر من المتعة السهلة دون مجهود. لكن، هل هذا "الفيضان الدوباميني" يجعلنا سعداء حقًّا؟

الفكرة الأولى: كتاب «أُمَّة الدوبامين» لآنا لمبكي

السوشيال ميديا تجعل الدوبامين يتدفق إلى أدمغتنا بسهولة وبدون بذل مجهود يذكر. ولكن هل تساءلت يومًا: هل الدوبامين يجعلنا دائمًا سعداء؟ الإجابة: لا.

لأننا نملك في أدمغتنا ميزانًا للسعادة والألم. فعندما تزداد السعادة يحاول المخ إعادة التوازن، فيثقل الألم، فنبحث عن سعادة أكثر؛ ما يجعلنا مدمنين. إدمان الدوبامين يختلف عن إدمان الكوكايين والهيروين؛ هذا هو إدمان السوشيال ميديا، أو الأكل، يجعلنا نستخدم السوشيال ميديا استخدامًا قهريًا حتى نصل إلى سعادة دائمة.

توضح لنا آنا لمبكي (Anna Lembke) في كتابها «أُمَّة الدوبامين» أن العصر الحالي جعل دماغنا في حالة من التحفيز المستمر؛ ما أدى إلى الاعتماد على المتعة السريعة والمستمرة، سواء من خلال وسائل التواصل، الطعام، الألعاب، أو التسلية الرقمية. هذا الإفراط في البحث عن المتعة يسبب تشتت العقل وزيادة الألم الداخلي على المدى الطويل، ويؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ «إدمان المتعة».

إستراتيجيات استعادة التوازن (الحل)

تشير لمبكي إلى أن الحل يكمن في إعادة التوازن بين المتعة والألم، باستخدام أساليب عملية مثل:

  • أخذ فترات راحة من الأنشطة عالية التحفيز (dopamine fasting) لتجديد حساسية المخ للمتعة الحقيقية.
  • احتضان الجهد المبذول والعمل المتواصل كوسيلة لتحقيق متعة دائمة.
  • الصدق مع النفس، والاعتراف بالإدمان السلوكي، بدلًا من التبرير أو الإنكار.
  • البحث عن المتعة الحقيقية الناتجة عن الإنجاز، التطور الشخصي، والعلاقات الإنسانية، بدلًا من المكافآت السريعة والفورية.

بهذه الطريقة، يمكننا أن نستعيد قدرة دماغنا على التقدير الحقيقي للمتعة، ونبدأ حياتنا الجديدة بعقل أكثر صفاءً وتركيزًا.

حددت الكاتبة ثلاثة أنواع من الألم يمكن أن نستخدمها لنصل إلى المتعة. كيف هذا؟

كانت الكاتبة تعالج مريضًا نفسيًا يعاني من إدمان الهيروين، أخبرها المريض أنه استطاع أن يعالج نفسه من إدمان الهيروين بأخذ دش بارد. لم تصدقه في البداية، حتى أخذت تبحث عن ذلك، إلى أن وجدت أنه يمكن حقًا أن أخذ دش بارد يجعل الإنسان يشعر بألم، ومن ثم متعة. وأوضحت الكاتبة أنه توجد أنواع من الألم يمكن أن تجعلنا نشعر بمتعة.

الألم وسيلة للمتعة

حددت الكاتبة ثلاثة أنواع من الألم يمكن أن نستخدمها لنصل إلى المتعة وهي ضرورية لعلاج إدمان السوشيال ميديا، هي:

  • الرياضة الشديدة.
  • الدش البارد.
  • والصيام المتقطع.

هذه العمليات الثلاث يمكن أن تخرجنا من دائرة المتعة اللحظية إلى السيطرة على أنفسنا، وموازنة الدوبامين في أجسادنا.

(هذا يشبه جدًا مقالي: الدوبامين والإنجاز.. كيف يصبح التحدي إدمانًا خفيًّا؟) إذا أردتم التعرف إلى مزيد يمكنكم قراءته.

السوشيال ميديا بين المتعة والألم

الفكرة الثانية: أهمية العمل العميق (Deep Work) لكال نيوبورت

أود في هذا المقال أن أشرح لماذا العالم المشتت لا يجعلنا ناجحين؟ لأننا في الوقت الحالي في عصر التقنية والتنافسية أيضًا. فقد دخل الذكاء الاصطناعي والروبوتات في كثير من المجالات، بالإضافة إلى أنك لا يمكنك بشهادتك فقط أن تصبح رائدًا في مجالك، بل لا بد أن تبذل جهدًا كبيرًا لكي تصل إلى نجاح كبير، وهذا ما يوضحه الكاتب كال نيو بورت في كتابه (التفكير العميق).

يشرح كال نيوبورت أن العمل العميق هو القدرة على التركيز الكامل على مهمة تتطلب جهدًا فكريًا عاليًا، بعيدًا عن المشتتات. مقابل ذلك يوجد العمل السطحي، وهو كل ما هو روتيني، سهل، أو غير مهم مثل الرد على الإيميلات أو تصفح الإنترنت بلا هدف.

في زمن السوشيال ميديا والإنترنت، أصبح التركيز العميق نادرًا، والقدرة على الإنتاجية الحقيقية مرتبطة بالعمل العميق. فالأشخاص الذين يستطيعون ممارسة العمل العميق يتميزون بسرعة التعلم، جودة الإنجاز، والتفوق على المنافسين، في حين الآخرون يبقون أسرى التشتت المستمر.

أنواع العمل العميق (اختر ما يناسبك)

يقسم نيوبورت الأشخاص القادرين على العمل العميق إلى أنواع:

  1. المعتكفون: يخصصون مدة طويلة للعمل بعيدًا عن كل المشتتات.
  2. النماذج المختلطة (Bimodal): يخصصون أيامًا أو ساعات محددة للعمل العميق.
  3. الصحفيون: يخلقون روتينًا يوميًا محددًا يسمح لهم بالتركيز لساعات معينة على المهمة الأساسية، ويستطيعون أن يفصلوا أنفسهم عن التشتت متى شاؤوا.

لتطبيق العمل العميق، يقترح نيوبورت الابتعاد عن المشتتات، تحديد أهداف واضحة لكل جلسة، تخصيص وقت محدد للتركيز، والعمل على نتائج ملموسة بدلًا من مجرد المجهود.

خطة عمل للعام الجديد (خطوات عملية)

كيف أبدأ سنة جديدة بنجاح؟ لدمج أفكار الكتابين في خطة عملية، اتبع الخطوات التالية:

  1. تحديد الأولويات: ابدأ بتحديد أهداف واضحة لكل جلسة عمل (نيوبورت).
  2. عزل المشتتات: خصص وقتًا محددًا للتركيز (مثلًا 90 دقيقة) وأغلق هاتفك تمامًا.
  3. الصيام الرقمي: خذ استراحة من السوشيال ميديا لعدة أيام لتستعيد حساسية دماغك (لمبكي).
  4. تقبل الألم الصحي: ابدأ يومك بدش بارد أو رياضة لتعزيز الدوبامين الصحي.

الفكرة الثالثة: مواجهة الأكاذيب التي نصدقها عن أنفسنا

في الوقت الحالي، أصبح كثيرون يعيشون صورة مزيفة عن أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يخلق ضغطًا نفسيًا هائلًا. هذا الواقع المزيَّف يسبب انتشار كثير من الأمراض النفسية التي لم تكن شائعة في السابق، نتيجة مقارنة النفس بالآخرين، وطموحات عالية تفوق الجهد المبذول، والسعي نحو حياة مثالية غير واقعية.

علينا أن نتذكر أن النجاح يحتاج إلى التوازن، والتركيز على أهدافنا الحقيقية والتخطيط الشخصي، بعيدًا عن المقارنة المستمرة مع الآخرين، وأن استخدام السوشيال ميديا يجب أن يكون وسيلة للتعلم، للتواصل، واكتساب الخبرات، لا وسيلة للتظاهر أو خلق صورة زائفة عن حياتنا.

لنبدأ هذه السنة الجديدة بعقل صافٍ، وتركيز حقيقي على أهدافنا، ومعرفة نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا، واستخدام وسائل العصر الحالي بما يخدم تقدمنا. لا تجعل التشتت، السوشيال ميديا، أو صورة زائفة عن نفسك تمنعك من تحقيق إنجازاتك.

في هذا العصر يمكننا أن ننظر إلى العالم كله من نافذة غرفتنا، وأن نرى الأشخاص من دول مختلفة، ونتعرف عليهم من شاشة هاتفنا وكأنهم أصدقاؤنا أو أقرباؤنا؛ فنحن في عصر السرعة، ويمكننا بالسوشيال ميديا أن نصبح مذيعين ومؤثرين وصحفيين من على سرير غرفتنا، مع توافر كثير من المصادر العلمية والمعلمين المتمكنين في جميع المجالات بأسهل وأرخص الطرق.

وعلى الرغم أن الأجيال السابقة يحسدوننا على هذا الكم الهائل من الفرص التي يمكننا بفضلها أن نبقى ناجحين ومؤثرين، لكن عصر التقنية هو سلاح ذو حدين؛ فهو وسيلة للنجاح السريع، والفشل والإحباط على حد سواء.

هابي نيو يير! 

إذا أردتم معرفة مزيد عن أهمية الدوبامين والإنجاز، يمكنكم قراءة مقال رؤيا أنور الجمال: الدوبامين والإنجاز.

ويمكنكم الاطلاع على مقال: أحلام اليقظة.. كيف تحولها من هروب ووهم إلى أداة للنجاح؟ المتاح على المنصة؛ للتعرف على المزيد عن قوة التركيز، والخيال في تحقيق الإنجازات.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.