تعد قصة بداية السينما في مصر واحدة من أكثر الملاحم الثقافية إثارة في التاريخ الحديث؛ فهي ليست مجرد تأريخ لظهور آلات تصوير وعروض ضوئية، بل رحلة تحرر وطني وبناء هوية بصرية لدولة قررت أن تقود المنطقة فنيًا. من المقاهي الشعبية في الإسكندرية إلى صروح الإنتاج العالمية، نستعرض معكم المحطات التي شكلت تاريخ السينما المصرية، ونغوص في كواليس بداية السينما في مصر، مستعرضين دور الرواد الأوائل والصدفة التي جعلت من مصر وجهة الفن الأولى.
بدأت السينما في مصر بعرض أفلام الأخوين لوميير في الإسكندرية عام 1896، ثم تحولت إلى صناعة وطنية مع فيلم ليلى (1927) لعزيزة أمير، قبل أن تنطلق صناعيًا على نطاق واسع بتأسيس استوديو مصر عام 1935 بدعم طلعت حرب.
الشرارة الأولى: الإخوة لوميير وسينما الإسكندرية 1896 - 1920
قبل أن تصبح القاهرة هوليوود الشرق بعقود، وقبل أن تُبنى البلاتوهات الضخمة، كانت هناك لحظة فارقة غيرت وجه الثقافة في المنطقة العربية للأبد. هي لحظة انطفاء الأنوار في إحدى قاعات الإسكندرية ليعلو صوت جهاز العرض، معلنًا بداية عصر جديد.
لم يكن العالم قد استوعب بعد اختراع الإخوة لوميير (أوجست ولويس) في باريس عام 1895، حتى كانت مصر على موعد مع هذا السحر. ففي يناير 1896، وبعد أقل من عام على العرض العالمي الأول، استضافت مدينة الإسكندرية أول عرض سينمائي في بورصة طوسون.
كانت سينما الإسكندرية في ذلك الوقت أكثر من مجرد دار عرض، فقد كانت نافذة أطل منها المصريون على عالم من الصور المتحركة الصامتة. هذا السبق الزمني جعل مصر من أوائل دول العالم التي عرفت السينما، ليس كمشاهد معروضة فقط، بل كميدان للتصوير أيضًا، حيث سجل مصورو لوميير أول مشاهد سينمائية في شوارع الإسكندرية والقاهرة في العام نفسه.

دور الأجانب: من الفرجة إلى التأسيس التقني
في تلك المرحلة المبكرة، أدى الأجانب دورًا محوريًا ومزدوجًا في نشأة السينما المصرية. فمن جهة، كان المقيمون من الإيطاليين والفرنسيين واليونانيين هم أصحاب دور العرض الأولي والمستوردين للأفلام الأوروبية، ومن جهة أخرى، كان هؤلاء المصورون هم من نقلوا التكنولوجيا إلى الأيدي المصرية.
برزت أسماء مثل أورفانيللي ودي لاجارد الذين بدؤوا في تصوير أفلام إخبارية قصيرة عن زيارات الخديوي والاحتفالات الشعبية. ورغم أن الصبغة كانت أجنبية في البداية، فإن هذه المرحلة كانت المدرسة التي تعلم فيها الشباب المصريون أسرار الكادر والإضاءة وتحميض الأفلام، مما مهد الطريق لاحقًا لظهور الرعيل الأول من المبدعين المصريين.
لماذا الإسكندرية؟
قد يتساءل بعضهم: لماذا بدأت الحكاية من الإسكندرية وليس القاهرة؟ الإجابة تكمن في طبيعة سينما الإسكندرية كمركز كوزموبوليتاني (متعدد الثقافات). كانت المدينة آنذاك تعج بالجاليات الأجنبية والمثقفين والتجار، مما جعلها بيئة خصبة لاستقبال الاختراعات الحديثة. من بورصة طوسون إلى مقهى زواني، كانت السينما هي اللغة العالمية التي جمعت كل هؤلاء تحت سقف واحد، قبل أن تنتقل العدوى الفنية إلى القاهرة لتبدأ رحلة تمصير الفن السابع.
ثورة 1927 السينمائية: قصة أول فيلم مصري صامت
بعد عقود من الاعتماد على العروض الأجنبية والمصورين الوافدين، جاء عام 1927 ليكون العام الذي استردت فيه الكاميرا هويتها المصرية. كانت خطوة فنية جبارة، وصرخة استقلال ثقافي أثبتت أن المصريين قادرون على حكي قصصهم بأنفسهم. وفي قلب هذه الثورة، نجد اسمًا واحدًا غيّر مجرى تاريخ السينما في مصر: عزيزة أمير.
عزيزة أمير: أم السينما المصرية
عند الحديث عن الرواد، تبرز عزيزة أمير ليس فقط كممثلة، بل كمنتجة مغامرة ومقاتلة من طراز فريد. في وقت كان المجتمع ينظر فيه للفن بحذر، قررت هي أن تضع كل إمكانياتها المادية والمعنوية لتأسيس صناعة وطنية. وبفضل إصرارها، تحولت من مجرد فنانة مسرحية إلى أم السينما المصرية، وهو اللقب الذي استحقته بجدارة بعد أن حملت على عاتقها حلم إنتاج أول عمل روائي طويل.

فيلم (ليلى) 1927: شهادة ميلاد الفن الوطني
يُجمع المؤرخون والنقاد على أن فيلم (ليلى) هو أول فيلم مصري صامت روائي طويل بإنتاج وطني خالص، وكان هذا الفيلم رهانًا على الذائقة المصرية، وقد واجه الفيلم صعوبات تقنية وفنية هائلة، لكن عزيزة أمير لم تستسلم، بل استعانت بمخرجين وفنيين مصريين (مثل إستفان روستي وأحمد جلال) لإتمام العمل.

وفي 16 نوفمبر 1927، عُرض الفيلم في سينما متروبول بالقاهرة، وحضره قامات المجتمع وعلى رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي، ومؤسس بنك مصر طلعت حرب، وقد تأثر أحمد شوقي بالفيلم لدرجة أنه قال لعزيزة أمير: لقد فعلتِ ما لم يفعله الرجال، وهي الجملة التي لخصت حجم الإنجاز في ذلك الزمان.
المعمل والنيجاتيف: كيف تغلبت السينما المصرية على عقبات التقنية؟
لم تكن المعاناة في بدايات السينما المصرية فنية فحسب، بل كانت تقنية بامتياز. فقبل تأسيس المعامل الكبرى، كان المبدعون الأوائل يضطرون لتحميض الأفلام في حمامات المنازل أو معامل بدائية بداخل شقق سكنية ضيقة. ويُذكر أن المخرج محمد كريم كان يرسل أفلامه لفرنسا أو ألمانيا ليتم تحميضها وطبعها، مما كان يهدد بضياع المادة الفلمية أو تلفها.
هذا الصمود التقني هو الذي دفع الرواد للمطالبة بإنشاء معامل وطنية، وهو ما تحقق لاحقًا في استوديو مصر، لتنتقل الصناعة من الغرف المغلقة إلى المعامل الكيميائية المجهزة عالميًا.
لماذا يعد أول فيلم مصري صامت نقطة تحول؟
لم يكن فيلم (ليلى) مجرد قصة اجتماعية، بل كان إعلانًا عن انتهاء حقبة الجاليات الأجنبية وبدء عصر السينما الوطنية:
- تمصير الحكاية: لأول مرة يشاهد الجمهور المصري شخصيات تشبهه، ترتدي ملابسه، وتتحرك في بيئته المحلية.
- فتح الباب للمنتجين: شجع نجاح الفيلم التجاري والجماهيري المستثمرين والمبدعين الآخرين على دخول المجال، مما مهد الطريق لاحقًا لظهور استوديو مصر.
ثورة الصوت: حين تكلمت الشاشة بالعربية 1932 - 1934
إذا كانت السينما قد وُلدت في مصر عام 1896، فإنها لم تكتسب صوتها وشخصيتها التي غزت العالم العربي إلا في عام 1932. كانت هذه السنة هي الحد الفاصل بين عصر الصمت وعصر الهدير؛ حيث انتقلت السينما المصرية من مرحلة الاعتماد على تعبيرات الوجه المبالغ فيها، إلى سحر الكلمة المنطوقة، وذلك بفضل جرأة الفنان القدير يوسف وهبي.
يوسف وهبي: من خشبة المسرح إلى تحدي الصوت
كان يوسف وهبي في ذلك الوقت هو سيد المسرح بلا منازع، بفرقته رمسيس التي قدمت كلاسيكيات الدراما. أدرك وهبي أن المستقبل يكمن في تلك الشاشة البيضاء، وقرر أن ينقل مسرحيته الناجحة (أولاد الذوات) إلى السينما، ولم يكن التحدي حينها فنيًا فحسب، بل كان تقنيًا بامتياز؛ فمصر في ذلك الوقت لم تكن تمتلك أجهزة لتسجيل الصوت داخل الاستوديوهات.

فيلم (أولاد الذوات): الصرخة الأولى للشاشة 1932
يُسجل التاريخ أن فيلم أولاد الذوات هو أول فيلم مصري ناطق، وهو العمل الذي غيّر قواعد اللعبة السينمائية تمامًا، ونظرًا لعدم توافر تقنيات الصوت محليًا، اضطر يوسف وهبي للسفر بطاقم العمل إلى باريس، وتحديدًا إلى استوديوهات إيكلير، لتسجيل حوارات الفيلم وأغانيه، وهو ما جعله عملًا باهظ التكاليف ومغامرة إنتاجية كبرى.
ناقش الفيلم قضية حساسة وهي الصراع بين الشرق والغرب، من خلال قصة شاب مصري يقع في حب امرأة فرنسية تخدعه، مما جعل الفيلم يلمس وترًا وطنيًا واجتماعيًا لدى الجمهور.
لماذا يعد أول فيلم مصري ناطق نقطة تحول كبرى؟
بمجرد عرض الفيلم في سينما رويال بالقاهرة، حدثت ضجة لم تشهدها البلاد من قبل. لم يكن الجمهور يصدق أنه يرى النجوم وهم يتحدثون ويغنون باللهجة المصرية. وبفضل هذا الفيلم، أصبحت اللهجة المصرية هي اللغة الرسمية للفن السابع، مما مهد الطريق لاحقًا لانتشار الأفلام المصرية في كافة الأقطار العربية، كما فتح الفيلم الباب أمام المطربين لدخول عالم السينما، وهو ما استثمره لاحقًا محمد عبد الوهاب وأم كلثوم.
سفير فوق العادة: كيف غزت اللهجة المصرية الوجدان العربي؟
لم يكن نجاح أول فيلم مصري ناطق نصرًا تقنيًا ليوسف وهبي وحده، بل كان نصرًا لغويًا لمصر. ففي الوقت الذي كانت فيه اللهجات العربية تتعدد وتتباين، جاءت السينما المصرية لتوحد الوجدان العربي حول اللهجة القاهرية البيضاء. وبفضل انتشار الأفلام الناطقة في دور العرض ببيروت وبغداد ودمشق، أصبح المشاهد العربي يفهم المفردات المصرية ويغني أغانيها، مما منح مصر قوة ناعمة (Soft Power) لا تضاهى، وجعل من الممثل المصري نجم الشباك الأول من المحيط إلى الخليج.
طلعت حرب وهوليوود الشرق: 1935 وما بعدها
إذا كانت السينما المصرية قد ولدت بالإسكندرية ونطقت بصوت يوسف وهبي، فإنها لم تصبح إمبراطورية إلا حين وضع الاقتصاد لَبنته في أساساتها. في عام 1935، شهد العالم العربي ولادة صرح فني لم يكن له مثيل، وهو استوديو مصر، الذي كان إعلانًا عن سيادة مصر الفنية على المنطقة بأسرها، بفضل رؤية رجل الاقتصاد الأول طلعت حرب.

طلعت حرب: السينما قضية وطنية واقتصادية
لم ينظر طلعت حرب إلى السينما كنوع من الترفيه العابر، بل كان يؤمن بأن استقلال مصر السياسي لا يكتمل إلا باستقلال اقتصادي وثقافي. كان يدرك أن الشاشة هي أسرع وسيلة للوصول إلى عقول الشعوب، ومن هنا قرر أن يقتحم هذا المجال ليس كفنان، بل كمخطط استراتيجي، واضعًا نصب عينيه تأسيس كيان يضاهي استوديوهات هوليوود.
استوديو مصر 1935: صرحٌ عالمي على أرض الجيزة
في منطقة الهرم، افتتح طلعت حرب استوديو مصر ليكون أول مصنع متكامل للسينما في الشرق الأوسط، وقد تم تجهيز الاستوديو بأحدث الآلات الألمانية والفرنسية، وضم معامل للتحميض والطبع، وغرفًا للمونتاج، بل وأرسل طلعت حرب بعثات تعليمية إلى أوروبا (مثل المخرج نيازي مصطفى والمصور أحمد خورشيد) لتعلم أصول المهنة ونقلها لمصر.
كان فيلم (وداد) لكوكب الشرق أم كلثوم هو باكورة إنتاج الاستوديو، ليعلن للعالم أن السينما المصرية باتت تمتلك الجودة والقدرة على المنافسة العالمية.
تأثير بنك مصر على صناعة السينما: من المغامرة إلى الصناعة
كان تأثير بنك مصر على صناعة السينما حاسمًا في تحويل مسار التاريخ الفني، ويمكن تلخيصه في نقاط جوهرية:
- الاستقرار المالي: لأول مرة، أصبح هناك تمويل ضخم ومستقر للأفلام، مما أنهى عصر المنتج المغامر الذي قد يفلس بعد فيلم واحد.
- خلق كوادر مهنية: لم يعد العمل في السينما سبوبة أو هواية، بل أصبح مهنة مؤسسية تضم مهندسين، وفنيين، ومحاسبين، مما رفع من مستوى الحرفية السينمائية.
- الهيمنة الثقافية: بفضل الإنتاج الغزير والمنظم لاستوديو مصر، غزت الأفلام المصرية الأسواق العربية، لتصبح مصر المصدر الأول للثقافة والبهجة، وتصبح اللهجة المصرية هي اللغة المفهومة عالميًا.
السينما الغنائية: الخلطة السحرية للريادة المصرية
لا يمكن قراءة تاريخ البدايات دون التوقف عند الخلطة السحرية التي ميزت السينما المصرية عن هوليوود والسينما الأوروبية، وهي السينما الغنائية. فمنذ اللحظة التي نطق فيها الفيلم، استثمر المنتجون ولع الشعب المصري بالطرب، فاستقطبوا عمالقة مثل محمد عبد الوهاب في فيلم (الوردة البيضاء) 1933، وكوكب الشرق أم كلثوم. هذا الاندماج بين الطرب والتمثيل خلق نوعًا سينمائيًا فريدًا ضمن تدفق الجمهور وحقق إيرادات خيالية، مما جعل الفيلم المصري سلعة ثقافية لا يمكن منافستها في السوق العربية.
متى دخلت السينما في مصر؟
دخلت في يناير 1896، وذلك بعد أسابيع قليلة من أول عرض سينمائي تجاري في العالم (باريس، ديسمبر 1895).
متى بدأت السينما في مصر؟ (كصناعة وإنتاج)
بدأت المحاولات الأولى بتصوير أفلام إخبارية قصيرة في 1896، لكن البداية الحقيقية للسينما الروائية الطويلة بإنتاج مصري كانت عام 1927 مع فيلم (ليلى).
متى بدأ عرض أول فيلم سينمائي في مصر؟
أول عرض كان في 5 يناير 1896 بمدينة الإسكندرية (بورصة طوسون)، ثم تبعه عرض في القاهرة في 28 يناير 1896.
ما هو أول فيلم في تاريخ السينما؟ (عالميًا ومحليًا)
- عالميًا: فيلم (الخروج من المصنع) 1895 للأخوين لوميير.
- مصريًا (صامت): فيلم (ليلى) 1927.
- مصريًا (ناطق): فيلم (أولاد الذوات) 1932.
ما هي أقدم سينما في مصر؟
تعد سينما توغراف لوميير بمدينة الإسكندرية (بشارع شريف حاليًا) أول دار عرض مجهزة تم افتتاحها في مصر عام 1897، بينما يظل مكان أول عرض هو بورصة طوسون (مركز الإسكندرية للإبداع حاليًا).
في النهاية، كانت السينما في مصر ثمرة تلاقي عبقرية الفنان مع رؤية الاقتصادي الوطني وشجاعة الرواد الأوائل. من فيلم (ليلى) التي جسدت إصرار عزيزة أمير، إلى (أولاد الذوات) الذي منحنا صوت يوسف وهبي، وصولًا إلى (استوديو مصر) الذي بناه طلعت حرب ليكون حصن الهوية؛ تظل هذه البدايات هي التفسير الحقيقي لسر تربع مصر على عرش الفن العربي لأكثر من قرن.
وستظل السينما في مصر تاريخًا للسيادة الناعمة التي لا تنطفئ أنوارها، وإرثًا باقيًا يثبت أن الشاشة الفضية مرآة لروح الشعب وضميره الحي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.