بابلو إسكوبار: حكاية أشهر تاجر مخدرات بنى إمبراطورية من الدم والمال

هيمن بابلو إسكوبار على تجارة الكوكايين عالميًا عبر عصابة ميدلين، وبلغت أرباح إمبراطوريته الإجرامية أكثر من 6 مليارات دولار سنويًا في أواخر الثمانينيات، معتمدة على مزيج من الرشاوى والعنف وعمليات تهريب ضخمة وصلت إلى استخدام الغواصات لنقل المخدرات. وانتهت مسيرته عام 1993 بعدما حاصرته السلطات الكولومبية وقتلته في مدينة ميدلين عقب سنوات من المطاردة والصراع مع الحكومات وأجهزة الأمن.

عندما يتردد اسم بابلو إسكوبار، فإن الأذهان تستحضر العنف والجريمة والضحايا والمرتشين والمغامرات الجريئة لأشهر تاجر مخدرات في التاريخ، فرض سيطرته على أسواق كولومبيا، واستطاع تكوين ثروة هائلة ونفوذ غير محدود، ودخل في حرب طويلة مع أجهزة الاستخبارات والحكومات والأجهزة الأمنية في عدة دول، وتسبب في قتل الآلاف من الأشخاص حتى تعرض هو نفسه للقتل على يد السلطات الكولومبية.

وفي هذا المقال نتناول حكاية بابلو إسكوبار، أشهر زعماء العصابات وتجار المخدرات وأكثرهم إثارة للجدل في النصف الثاني من القرن العشرين، من خلال السطور التالية.

بابلو إسكوبار.. النشأة والمولد

بابلو إميليو إسكوبار جافيريا هو الاسم الكامل لزعيم الجريمة بابلو إسكوبار، الذي ولد يوم 1 ديسمبر عام 1949 في مدينة ريونيغرو في كولومبيا، حيث كان والده مزارعًا وكانت أمه تعمل في مجال التدريس. عاش بابلو إسكوبار طفولة صعبة نظرًا للأحوال الاقتصادية المتدنية للأسرة التي يبلغ عدد أفرادها تسعة، وهو ما جعله ينقطع عن الدراسة ويتجه إلى الجريمة والعنف، فقد انضم إلى إحدى العصابات المعروفة في كولومبيا، وارتكب من خلالها عددًا من الجرائم التي تتضمن السرقة والتزوير والنصب.

بابلو إسكوبار وحياة الجريمة

مع انخراطه في حياة الجريمة، ونظرًا لبنيته الجسدية القوية وجرأته واندفاعه الشديد من أجل الحصول على المال، استطاع بابلو إسكوبار المشاركة في عملية اختطاف لإحدى الشخصيات الشهيرة عام 1972، فحصل على مبلغ قدره 100 ألف دولار كفدية للإفراج عن الرجل، وهو المبلغ الذي استغله بابلو إسكوبار بعد ذلك للدخول في عالم المخدرات.

بحلول منتصف السبعينيات، كان الفتى بابلو إسكوبار قد سيطر على سوق تجارة المخدرات في مدينة ميدلين الكولومبية، وأصبح له كثير من التابعين والأصدقاء، وكون عصابة عرفت باسم «سيكاريوس». كانت أفكار بابلو إسكوبار الجريئة سببًا في تطور نشاطه واتساع منطقة نفوذه، إذ اتفق مع عدد من الفلاحين على زراعة نبات الكوكا المخدر، وبدأ بتصنيعه في عدة أماكن سرية لتحويله إلى كوكايين، عن طريق الاستعانة بعدد كبير من خبراء المعامل، وهو الأمر الذي أدى إلى ازدهار تجارته داخل كولومبيا، ثم جاءت الخطوة التالية.

تمثلت النقلة الجديدة في حياة بابلو إسكوبار عندما أدخل المخدرات إلى الولايات المتحدة عن طريق الطائرات التي كانت تتجه إلى بنما، ثم تتجه بعد ذلك إلى الولايات المتحدة، التي كانت تحمل في المرة الواحدة نحو 12 طنًا من المخدرات، وهو ما أدى إلى قيامه بخطوة عملاقة في طرق نقل المخدرات بعد ذلك.

كانت النقلة الجديدة الأكثر جرأة، التي لم يتوقعها أي شخص سواء من تجار المخدرات أو من السلطات في كولومبيا أو الولايات المتحدة، هي اتجاه بابلو إسكوبار لنقل المخدرات عن طريق الغواصات، إذ أشرف على تصنيع غواصتين لتوصيل الشحنات في منتصف الثمانينيات، وهو ما جعل عصابة ميدلين التابعة لبابلو إسكوبار تتصدر عملية تجارة المخدرات في كل من كولومبيا والولايات المتحدة وإسبانيا والمكسيك وفنزويلا وبورتوريكو والدومينيكان وعدد من دول أوروبا وبعض دول آسيا.

الحرب على بابلو إسكوبار

أصبح بابلو إسكوبار من أشهر الشخصيات على المستوى العام، وكان الجميع يعرف أنه يتاجر في المخدرات، ما جعل السلطات تشن حربًا طويلة عليه وعلى أتباعه.

وقد بدأت هذه الحرب عام 1975 حينما قبض عليه وهو عائد من الإكوادور ومعه نحو 40 رطلًا من الكوكايين، وهي التهمة التي كانت كفيلة بسجنه مدى الحياة، إلا أن إسكوبار استطاع الخروج من هذه الورطة، فقد حاول في البداية تقديم الرشاوى للقضاة من أجل الحصول على البراءة، وعندما فشل الأمر أقدم على قتل الشرطيين المسؤولين عن القضية واللذين ألقيا القبض عليه، وبالتالي سقطت جميع التهم وبرئ وغادر السجن.

استمرت الحرب بعد ذلك بين السلطات الكولومبية وعصابة بابلو إسكوبار، إلا أنه لجأ إلى حيلة أخرى، فقد شارك في الانتخابات ونجح في دخول البرلمان الكولومبي عام 1982، وأصبح عضوًا في الحزب الليبرالي، وحصل على جواز سفر دبلوماسي، كما شارك في بعض المناسبات الرسمية ممثلًا لبلاده.

إلا أن بابلو إسكوبار المجرم وتاجر المخدرات لم يتوقف عن العمل، بل نفذ العديد من الأنشطة الإجرامية الكبيرة، من بينها اتهامه بتفجير إحدى الطائرات التابعة للخطوط الكولومبية عام 1989 لاغتيال مرشح الرئاسة الكولومبي «سيزار جافيريا»، ما أدى إلى مقتل جميع الركاب الذين وصل عددهم إلى 103 ركاب.

كذلك أشارت أصابع الاتهام إلى بابلو إسكوبار في تفجير مبنى المخابرات العامة في كولومبيا، وهو الأمر الذي أدى إلى مقتل نحو 89 شخصًا من المارة والموظفين. إلا أن الجريمة التي اعترف بها إسكوبار نفسه هي اغتياله لـ70 قاضيًا كانوا يتولون تتبع أنشطته الإجرامية من قتل واغتيال وتجارة الممنوعات عام 1992، إذ نفذت عصابته تصفيتهم جميعًا بطريقة تعبر عن القوة والنفوذ والعنف، وهو ما جعل الحكومات تدرك حجم الإمبراطورية الإجرامية التي أنشأها بابلو إسكوبار والتي تحتاج إلى طريقة أخرى في التعامل معه.

بابلو إسكوبار.. حالة غريبة وإمبراطورية ضخمة

عند الحديث عن إمبراطورية بابلو إسكوبار الإجرامية، فالأمر يتجاوز المنطق والطبيعي، فقد وجدت قاعدة تحكم هذه الإمبراطورية، التي وضعها بابلو إسكوبار بنفسه حين قال «خذ الرشوة أو خذ الرصاصة»، بمعنى إما أن تتعاون معي وإما أن تموت بالرصاص. وبالتالي اعتمد في إمبراطوريته على رشوة رجال الشرطة والموظفين والقضاة، وفي المقابل كان القتل والاغتيال والتفجير هو الاختيار الثاني لمن يرفض التعاون.

عاش بابلو إسكوبار في عقاره الضخم الذي أنشأه في مدينة «بورتو ترينفو» والمسمى «هاسندا نابوليس»، الذي يحتوي على 14 بحيرة اصطناعية وستة حمامات بالإضافة إلى مزرعة تضم 100 ألف شجرة وحديقة حيوان وإسطبلات للخيول، وكأنه في دولة صغيرة يعمل بها نحو 700 موظف وعامل.

من ناحية أخرى، كان بابلو إسكوبار في منتهى الكرم والجود في التعامل مع الناس، إذ كان يمول بناء الحدائق العامة والكنائس والمنازل وملاعب الكرة والمستشفيات في المناطق الفقيرة، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يعملون لديه سواء في العصابة أو مزارع المخدرات، الذين وصل عددهم إلى نحو 750 ألف شخص، وهو ما جعل شعبية بابلو إسكوبار تصل إلى مستوى مرعب كمجرم وتاجر مخدرات.

كانت أرباح إمبراطورية بابلو إسكوبار في نهاية الثمانينيات تتخطى 6 مليارات دولار سنويًّا، وهو ما يتجاوز عوائد ودخول دول بأكملها، وهو ما جعله يحتل المرتبة السابعة على قائمة مجلة فوربس الأمريكية بين أغنى مليارديرات العالم عام 1989.

نهاية بابلو إسكوبار

مع بداية التسعينيات، كان بابلو إسكوبار مطلوبًا في عدد من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما جعل السلطات الكولومبية تتفاوض معه من أجل تسليم نفسه والحصول على مدة سجن مخففة، وعدم تسليمه إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الكثير من الميزات الخاصة، ومنها على سبيل المثال السماح له بأن يبني سجنه الخاص، وكأن الأمر يتعلق بأحد أفلام الجريمة، وليس بالواقع الذي نعرفه.

وبالفعل، بنى بابلو إسكوبار سجنه الخاص وأطلق عليه اسم «الكاتدرائية»، وهو مكان يتميز بالفخامة التي تتناسب مع زعيم تجارة المخدرات، إذ أقام بابلو إسكوبار في سجنه المريح، ومن خلاله تابع تسيير أعماله الإجرامية واستقبل أصدقاءه وعائلته لمدة عام، حتى تعرضت الحكومة للكثير من الانتقادات، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الكولومبي يصدر أمرًا بوضع بابلو إسكوبار في أحد السجون الحقيقية.

وهنا وصلت الأحداث إلى ذروتها، حيث رفض بابلو إسكوبار الانصياع لأمر الرئيس، واستطاع الهروب من السجن بعد يوم واحد من القرار، وهو الأمر الذي دفع الحكومة الكولومبية إلى البحث عنه ورصد مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يساعد على إلقاء القبض على بابلو إسكوبار.

كما قبضت الحكومة الكولومبية على عائلة بابلو إسكوبار ووضعهم قيد الإقامة الجبرية في أحد الفنادق، ورغم محاولات بابلو إسكوبار المستمرة في تهريبهم، فإن كل الدول الغربية رفضت استقبالهم، بالإضافة إلى القبضة الحكومية القوية التي بدأت في تصفية أعمال بابلو إسكوبار، والبحث في الأجهزة الأمنية عن الأشخاص الذين يتعاونون معه، حتى وصلت إلى القبض على مجموعة من الخونة الذين ينقلون إليه الأخبار والمعلومات.

ولم يمض الكثير من الوقت حتى أصبح بابلو إسكوبار محاصرًا ومعزولًا عن المعلومات ومصادر القوة، وهو ما جعل الحكومة ترصد مكالمة هاتفية كان يجريها بابلو إسكوبار، وهي ما أرشدتهم إلى مكانه في أحد المنازل في مدينة «ميدلين»، فطوقت القوات الحكومية الكولومبية المنزل وداهمته، حيث أطلق الرصاص عليه، فأصابته رصاصة في ظهره، ورصاصة أخرى اخترقت أذنه، فخر صريعًا، لتنتهي حكاية أشهر رجال العصابات وصاحب أكبر إمبراطورية لتجارة المخدرات في التاريخ، في ديسمبر عام 1993، وهو في الـ44 من عمره.

انتهت إمبراطورية إسكوبار في ديسمبر عام 1993 وهو في الـ44 من عمره

أجمل ما قاله بابلو إسكوبار

رغم دموية تاريخه، فإن له عبارات شهيرة أصبحت أيقونية في الثقافة الشعبية ومنها:

Plata o Plomo وتعني: الرشوة أو الرصاص، أي إما تتعاون معي أو تُقتل.

ومن عباراته الشهيرة الأخرى: (يمكنني أن أستبدل كل شيء في حياتي، لكنني لا أستطيع أبدًا استبدال زوجتي وأولادي).

هل تم العثور على أموال بابلو إسكوبار؟

نعم، تم العثور على أجزاء منها، ولكن ليس كلها. فقد صادرت الحكومة الكولومبية والأمريكية مئات الملايين من الدولارات والعقارات والسيارات وقتها، ولكن لا تزال هناك ملايين الدولارات المدفونة أو المخبأة في جدران المنازل والمزارع السريعة التي تلفت أو ضاعت ولم يُعثر عليها حتى الآن.

من عثر على أموال بابلو إسكوبار؟

  • السلطات الرسمية: التحالف الأمني المشترك بين الشرطة الكولومبية، والجيش، ووكالة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA).
  • الأقارب: في عام 2020، عثر ابن أخيه نيكولاس إسكوبار على مخبأ سري داخل جدار أحد المنازل يحتوي على 18 مليون دولار، لكنها كانت تالفة وغير قابلة للصرف.
  • المزارعون والسكان المحليون: عثر بعض الفلاحين في كولومبيا بالصدفة على براميل وحاويات بلاستيكية مدفونة تحتوي على ملايين الدولارات.

في الختام، كانت حياة إسكوبار ظاهرة إجرامية فريدة ومأساوية، جمعت بين الثراء الفاحش والدموية المطلقة، وتركت جراحًا غائرة في جسد كولومبيا والعالم لسنوات طويلة. ورغم محاولات هوليوود وصناع الدراما إضفاء طابع رومانسي أو بطولي على شخصيته في المسلسلات والأفلام، فإن الواقع يظل شاهدًا على دموية إمبراطوريته التي بنيت على أنقاض أرواح الآلاف من الأبرياء والقضاة ورجال الأمن.

كيف ترى التأثير الذي تركه بابلو إسكوبار على كولومبيا حتى اليوم؟ وهل تعتقد أن الدراما نجحت في نقل حقيقته أم بالغت فيها؟ لا تنسَ مشاركة المقال على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة