لقد كانت رحلة تطور الكمبيوتر طويلة وممتلئة بالاكتشافات الرائدة، لكن البداية الحقيقية انطلقت مع حاسوب إيناك ENIAC، ويُعد هذا الجهاز بحق أول كمبيوتر في العالم اخترع لغرض عام، وهو وإن كان ضخمًا في حجمه، فقد مثّل (قفزة عملاقة نحو المستقبل الرقمي) الذي نعيشه اليوم. من العمليات العسكرية المعقدة إلى التطبيقات العلمية والمدنية، وضع هذا الجهاز الأساس لكل ما نراه الآن من تطورات تقنية مذهلة؛ لذا فحين تنظر إلى هاتفك الذكي أو حاسوبك المحمول، تذكَّر أن كل هذا بدأ ذات يوم من غرفة مملوءة بـالصمامات والأسلاك، وحلم طموح فقط بتحويل الحسابات إلى سرعة لا تُصدق.
في هذا المقال سنغوص معًا في حكاية أول حاسوب، ونتعرف على مخترعيه، وظروف نشأته، وحجمه الضخم، وكيف بدأ استخدامه أول مرة، لذا هل أنت مستعد للعودة إلى أصل التكنولوجيا؟
في عصرنا الحالي يصعب تخيل الحياة دون الكمبيوتر؛ فهو حاضر في كل تفاصيل يومنا، من العمل والدراسة، إلى الترفيه والتواصل. لكن هل تساءلت يومًا عن أول كمبيوتر في العالم؟ متى ظهر؟ ومن الذي صمَّمه؟ وما شكله مقارنة بأجهزة اليوم الصغيرة والخفيفة؟ الرحلة إلى بداية الحوسبة تأخذنا إلى منتصف القرن العشرين، حين كان الحاسوب الأول بحجم غرفة كاملة، ويعمل بصعوبة تعادل قوة حاسبة بسيطة الآن. ومنذ ذلك الحين، انطلقت ثورة غيَّرت وجه العالم.
ما أول كمبيوتر في العالم؟
يُعد كمبيوتر إينياك (ENIAC) وهو اختصار لـ Electronic Numerical Integrator and Computer، أول كمبيوتر إلكتروني عام الغرض في العالم، تم تطويره في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، وكان هدفه الأساسي إجراء العمليات الحسابية المعقدة التي تتعلق بالمدفعية والفيزياء العسكرية.

ظهر هذا الجهاز في عام 1945، وكان وقتها إنجازًا ثوريًا بكل المقاييس، وكان يتطلب مساحة تقارب حجم قاعة رياضية. ورغم ضخامته واستهلاكه الهائل للطاقة، فإنه كان قادرًا على تنفيذ آلاف العمليات الحسابية في الثانية الواحدة؛ ما جعله أسرع بمئات المرات من أي آلة حاسبة ميكانيكية معروفة في ذلك الوقت.
من هنا، انطلقت شرارة الثورة التكنولوجية التي وضعت حجر الأساس لما نعرفه اليوم عن أجهزة الحاسوب الحديثة.
حجم أول كمبيوتر في العالم
عند الحديث عن أول كمبيوتر في العالم، لا يمكن تجاهل حجمه الهائل الذي كان أشبه بغرفة كاملة. فحاسوب إينياك ENIAC، الذي أُطلق رسميًا سنة 1946 لم يكن جهازًا صغيرًا على مكتب كما نراه اليوم، بل كان عملاقًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد بلغ وزنه أكثر من 30 طنًا، وامتد على مساحة تقدر بنحو 167 مترًا مربعًا، أي تقريبًا بحجم شقة كبيرة.
احتوى هذا الجهاز على ما يقرب من 18,000 صمام مفرغ (أنابيب إلكترونية)، إضافة إلى آلاف المفاتيح والأسلاك ولوحات التوصيل، وكان يحتاج إلى نظام تبريد خاص لأن تشغيله يولد حرارة شديدة للغاية.
وبسبب حجمه، لم يكن إينياك ENIAC كمبيوتر يمكن نقله أو استخدامه بسهولة، بل كان يتطلب فريقًا كاملًا لتشغيله وصيانته. هذا الحجم الكبير كان نتيجة طبيعية للتكنولوجيا المتوفرة في ذلك الوقت، قبل ظهور الترانزستورات والرقائق الدقيقة التي أحدثت لاحقًا ثورة في عالم الحوسبة.
مَن مخترع أول كمبيوتر في العالم؟
عندما نطرح سؤال: من اخترع الكمبيوتر؟ ومتى؟ فإن الإجابة تأخذنا إلى اسمين بارزين، هما: جون بريسبر إيكرت، وجون موكلي. هذان العالمان الأمريكيان هما من طوَّرا كمبيوتر إينياك ENIAC في جامعة بنسلفانيا بين عامي 1943 و1945، ليكون أول كمبيوتر إلكتروني قابل للبرمجة على نطاق واسع.
على الرغْم من وجود أجهزة ميكانيكية سابقة مثل آلة (باباج) التحليلية في القرن التاسع عشر، فإن كمبيوتر إينياك ENIAC هو أول كمبيوتر فعلي يشبه في بنيته الأساسية الحواسيب الحديثة، حسب استخدام الكهرباء بدلًا من الأجزاء المتحركة.
وقد ساعد إيكرت وموكلي على فتح الباب أمام تطوير الحواسيب لاحقًا، فقد ألهم مشروعهما باحثين ومهندسين آخرين في أوروبا وأمريكا لتطوير نماذج أكثر كفاءة وصغرًا في الحجم، حتى وصلنا إلى الحواسيب التي نستخدمها اليوم في جيوبنا.
متى استُخدم الكمبيوتر أول مرة؟
بدأ استخدام الكمبيوتر فعليًا مع ظهور كمبيوتر إينياك ENIAC في أربعينيات القرن العشرين، وجرى تجريبه أول مرة في عام 1945، ثم أُعلن عنه رسميًا في فبراير 1946. وقد صُمم هذا الكمبيوتر في البداية لأغراض عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا لحساب جداول المدفعية الخاصة بالجيش الأمريكي.

وعلى الرغم من أن الحرب انتهت قبل أن يُستخدم كمبيوتر إينياك ENIAC في ساحة المعركة، فإن إسهاماته لم تتوقف، فسرعان ما تم توجيه قدراته إلى مشروعات أخرى، مثل تطوير القنابل الهيدروجينية، وحسابات الطقس، حتى البحث العلمي.
ويمكن احتساب تلك اللحظة هي الانطلاقة الحقيقية لعصر الحوسبة الحديثة، فقد جرى أول مرة استخدام جهاز إلكتروني يستطيع تنفيذ عمليات حسابية بسرعة ودقة تفوق قدرات البشر؛ ما أحدث ثورة علمية وتقنية استمرت آثارها حتى يومنا هذا.
على الرغم أن حاسوب إينياك ENIAC بدا أشبه بوحش معدني من المستقبل، فإن أثره كان أعمق من جهاز ضخم فقط. لقد وضع الأسس التي قامت عليها الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم، بدءًا من الحواسيب الشخصية، حتى الذكاء الاصطناعي. وما بين غرفة ممتلئة بالصمامات، وجهاز صغير في راحة يدك، تمتد رحلة مذهلة من الإبداع البشري، بدأت بشغف وحلم.. ولم تنتهِ بعد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.