إيمانويل كانط: رحلة في فلسفة العقل والأخلاق والسياسة

يعد إيمانويل كانط أحد أبرز أعمدة الفلسفة الغربية الحديثة، والرجل الذي استطاع صياغة علاقة جديدة بين العقل والواقع. لم تكن حياته التي قضاها في مدينة كونيغسبرغ مجرد مسيرة أكاديمية رتيبة، بل كانت ورشة عمل فكرية أنتجت كتابًا تلو الآخر لتغير وجه المعرفة الإنسانية إلى الأبد.

في هذا المقال، نسلط الضوء على نشأة هذا المفكر الألماني، ونلقي نظرة على كتابه العقل المحض، ونغوص في أعماق نظرياته التي جمعت بين العقلانية والتجريبية، لنفهم كيف أثرت أفكاره على عالم السياسة والأخلاق.

نشأة كانط ومسيرته الأكاديمية

إيمانويل كانط Immanuel Kant فيلسوف ومفكر سياسي ألماني مثالي. وُلد في كونيغبرغ، وعمل مُدرّسًا بين 1746-1755م، بعد الانتهاء من دراسة اللاهوت والفلسفة والعلوم، ثم عمل أستاذًا في جامعة كونيغسبرغ نفسها.

من هو إيمانويل كانط

عَرَف كانتْ حياة رتيبة للغاية، فلم يتزوج ولم يُغادر مسقط رأسه أبدًا. وهو الفيلسوف الوحيد الذي درس في الجامعة بانتظام. كما أن تطوره الفلسفي قد أثار الكثير من التعجب، إذ نشر أول كتاب له «نقد العقل الخالص» عن عمر يناهز السابعة والخمسين.

التحق كانط عام 1740م بجامعة كنجسبيرج، ودرس فيها علومًا مختلفة مثل الأدب والفلسفة والرياضيات وعلوم الدين.

حصل على الماجستير عام 1755م وعمل مدرسًا في الجامعة نفسها، وخلال 15 عامًا درّس موضوعات عدة مثل علم الأخلاق والمنطق والرياضيات. واستمر في العمل بالجامعة حتى عام 1796م.

صار عضوًا في مجلس الشيوخ عام 1780م، ثم عضوًا في الأكاديمية الملكية للعلوم في برلين عام 1787م.

لماذا لم يتزوج كانط؟

لم يتزوج إيمانويل كانط طوال حياته، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب اجتمعت في شخصيته وأسلوب حياته الصارم:

  • الانضباط والروتين الصارم: كان كانط يقدس النظام والهدوء لدرجة الهوس، فكان يومه يسير وفق جدول زمني دقيق جدا لا يتغير، وكان يرى أن الزواج قد يربك هذا النظام ويشتت تركيزه عن أبحاثه الفلسفية.
  • الوضع المادي في البداية: صرح كانط في إحدى مذكراته بأنه عندما كان في سن يحتاج فيه إلى زوجة، لم يكن يملك المال الكافي لإعالة أسرة، وعندما أصبح لديه المال الكافي في وقت لاحق من عمره، لم يعد يشعر بالحاجة إلى الزواج.
  • الموقف الفلسفي من الاستقلال: كان يرى أن الفيلسوف يجب أن يظل مستقلًا، وكان يميل إلى العزلة الفكرية التي توفر له الوقت الكامل للتفكير في القضايا الكبرى دون الالتزامات العائلية التي قد تستهلك وقته وجهده.

ورغم أنه لم يتزوج، إلا أن كانط لم يكن منعزلًا اجتماعيًا بشكل كلي؛ فقد كان يحب استضافة الأصدقاء والعلماء على مائدته، وكان معروفًا بلباقته وقدرته الكبيرة على إدارة الحوارات الممتعة، لكنه فضل أن يظل مرتبطًا بفلسفته فقط.

ما هي فلسفة كانط باختصار؟

تعتمد نظرية كانط على إحداث ثورة في كيفية فهمنا للعالم، حيث يرى أن العقل ليس مجرد وعاء سلبي يستقبل المعلومات، بل هو مشارك نشط يفرض قوانينه الخاصة على التجربة.

فلسفة كانط

في كتابه نقد العقل المحض، يفرق بين الأشياء في ذاتها التي لا يمكننا معرفتها، وبين الظواهر كما تظهر لنا عبر حواسنا؛ وبذلك وضع حدودًا للمعرفة البشرية، مؤكدًا أننا لا نرى الواقع كما هو، بل كما تسمح لنا القوالب الذهنية مثل الزمان والمكان باستيعابه.

أما في الجانب الأخلاقي، فقد أسس كانط لما يعرف بالأمر الجازم أو الواجب المطلق، معتبرًا أن قيمة الفعل الأخلاقي تنبع من النية والالتزام بالواجب لا من النتائج المترتبة عليه، ووضح في كتبه أن على الإنسان أن يتصرف وفقًا للقواعد التي يتمنى أن تصبح قانونًا عالميًا، مما يجعل من كرامة الإنسان وحريته غاية في حد ذاتها، وليس مجرد وسيلة لتحقيق مآرب أخرى.

كتاب «العقل المحض» لكانط

عكف إيمانويل كانط صاحب التأثير في كتابه على دراسة العقل البشري المجرد بعيدًا عن المشاعر، وتوصل إلى ما يسمى "مراحل المعرفة"، ويعمل كانط في كتابه على دراسة التيار العقلاني والآخر التجريبي، وبيان فساد كل منهما.

ويعد كتاب "نقد العقل المحض" أهم كتب كانط، ونُشر عام 1781م، تلاه مؤلفات فلسفية أخرى منها "نقد العقل العملي" وقد نُشر عام 1788م، وكتاب "الدين في حدود مجرد العقل" المكون من 4 أجزاء، بالإضافة إلى مجموعة من المقالات مثل مقالة "ما هو التنوير؟" والتي كتبها عام 1784م.

كتاب "نقد العقل المحض"

فلسفة وأفكار إيمانويل كانط في كتاباته

المؤلَّف الوحيد الذي يحمل طابعًا سياسيًّا مَحضًا من بين مؤلفاته هو: «نحو سلام دائم، محاولة فلسفية». بعض المؤلفات الأخرى تتناول المسألة السياسية من زاوية القانون والأخلاق، وانطلاقًا من فلسفة التاريخ. إلا أنه لا يمكن إغفال كتابيه «نقد العقل الخالص» و«نقد العقل العملي» وغيرهما من مؤلفاته في فهم فكره السياسي.

الفكر السياسي عند كانط

في إطار مثاليته المتعالية والأخلاقية يأخذ هذا الفكر معناه وموقعه. وأن العلم ليس سوى مجالٍ من مجالات المعرفة، والفعل هو ميدان من ميادين الأخلاق.

لقد تأثر كانط بمفكرين سياسيين أمثال روسو، ومونتسكيو، وهيوم، وبمجمل فلسفة عصر التنوير.

فأخذ من مونتسكيو مبدأ فصل السلطات، ومن روسو نظرية العقد الاجتماعي، والإرادة العامة، والمساواة الطبيعية.

إلا أنه لم يأخذها على عِلاتها، بل أدخل عليها تعديلات تتوافق مع نظامه الفلسفي؛ ففكرة العقد الاجتماعي مثلًا ليست فرضية تاريخية بنظره، بل هي «فكرة صادرة عن العقل» وتشكل أساس شرعية السلطة. كما أن نظرية الإرادة العامة والمساواة الطبيعية لا تشكل عناصر لعقيدة ديمقراطية لأنه كان جمهوريًّا لا ديمقراطيًّا.

وهي عنده ليست سوى مسلّمات صادرة عن الحضّ الأخلاقي لمنع الحاكم من فرض إرادته دون مشاركة بقية الذوات الأخلاقية.

كما أخذ كانط من فلسفة التنوير مسلّمة تقدم الإنسانية المتجانس نحو الحرية والتحقق الأخلاقي، أي نحو تحقيق السلام الدائم. إلا أنه يختلف عن فلاسفة عصر التنوير بإعطائه الأولوية للممارسة على النظرية، مؤكدًا على العمل كعنصر حاسم في تقدم البشرية.

ومنذ البداية يعلن كانط أن فلسفته لا تتمتع بأي امتياز عن غيرها إلا من ناحية كونها تساعد البشر على نيل حقوقهم السياسية. ولهذا، فإنه ينطلق في فلسفته السياسية من كونية القانون الأخلاقي الذي يجعل البشر كذوات أخلاقية متساوين. فحبهم للحرية يجعلهم أصحاب كرامة، عقلانيين يستحقون التمتع بالحرية السياسية.

دولة الحق وفصل السلطات في المنظور الكانطي

وبما أن عالم الأخلاق «عالم الحقائق السياسية والاجتماعية» محكوم بالغايات، ينتج عن ذلك أن هذا العالم لا يمكن أن يُحكم إلا بدولة الحق، وإلحاق السياسة بالأخلاق التي تتميز عن غيرها بالإطلاقية والحزم. وكانط يعرف الحق على أنه «مجموعة الشروط التي تُمكِّن حرية الفرد من التوافق مع حرية الآخرين في إطار قانون حرية عام».

هذا التعريف يتأتى من فكرة استقلالية الإرادة عند كانط وسيادة الغايات من جهة، ومن مبادئ حقوق الإنسان في الحرية والإخاء والمساواة لثورة عام 1789م. فاحترام هذه المبادئ والدفاع عنها هما الأساس الذي يقوم عليه كل نظام شرعي. كما أن الدفاع عن هذه المبادئ هو غاية السياسة، وليس العمل على كسب رضى المواطنين.

وهنا يتخلى كانط عن فكرة الحاكم المستبد المستنير وعن المذهب النفعي لفلاسفة التنوير، ذلك لأن الشكل الوحيد الذي يتناسب مع هذه الغاية هو الشكل الجمهوري «المناقض للشكل الاستبدادي» الذي يفترض وجود نظام تمثيلي يقوم على مبدأ فصل السلطات كآلية ملموسة لممارسة السلطة.

ولهذا كان كانط يؤيد الملكية الدستورية ونظام الاقتراع القائم على ضريبة حق التصويت. ويمكن القول إن كانط هو الفيلسوف الوحيد من بين كبار الفلاسفة الذي لا يقتصر توضيح الفلسفة السياسية عنده على «اعتبارات تاريخية»، بل على دمجها في فلسفة التاريخ.

لقد كان يؤمن بمشروع للجنس البشري «كلمة مشروع تقتضي وجود إرادة بشرية ذكية وواعية لوضع المشروع»، أو على الأقل كان يعتقد بأن الطبيعة تهيئ كونيتها بقيادة الإنسانية نحو أهدافها.

الطبيعة تعطي للسياسة غاياتها بصورة عفوية، وتقود الجنس البشري نحو التوسع على الأرض ونحو انتشار الثقافة كشرطين أساسيين لقيام حكومة شرعية، جمهورية أو كونية تحقق السلام الدائم.

فالنظام الجمهوري الذي ينزع بشكل طبيعي إلى أن يصبح نظامًا عالميًا وأن يُلغي الحروب والتناقضات هو بهذا المعنى «تحضير» لإقامة مملكة الله على الأرض. غير أن النظام الجمهوري لا يقيم الحرية بشكل مطلق، لأن الطبيعة والسياسة تقودان إلى تحقيق سيادة القانون، وليس إلى الأخلاقية. إلا أن دولة الحق تبقى في الإطار العام لفلسفة التاريخ أملًا يُرتجى من أجل سيطرة مطلقة للقانون الأخلاقي.

السياسي الأخلاقي ضد المكيافيلية: فلسفة الإصلاح

أما على صعيد الغايات والوسائل السياسية، فإن كانط لا يرى العقل العملي عقلًا انتهازيًا «أي العقل المطبق في عالم الفعل». ذلك لأن توجيهات العقل العملي تفرض نفسها كمطلق، وأي اختراق لها يبقى غير مقبول. فالتوجيهات الأخلاقية المتضمَّنة في الغايات لا يمكن لها أن تكون في أي حال من الأحوال نابعة من الوسائل.

وهنا يختلف كانط مع مكيافيلي، لأن ما هو مثالي عنده هو السياسي الأخلاقي. ولم يكن كانط يؤمن بالثورة كوسيلة للتغيير، بل كان يؤمن بالإصلاح، وكان يرى أن سبب الثورة هو غياب الإصلاح. حتى إنه عارض بشدة الدعوة إلى مقاومة إرادة الحاكم، لأن ذلك يتناقض مع فكرة السيادة ويُعيد المجتمع إلى ما قبل الحالة المدنية. ولهذا اتُّهم كانط بأنه معادٍ للتغيير ومُغرق في الرجعية.

على أي حال، لقد كان لأفكار كانط الفلسفية والسياسية تأثير كبير على فكر هيغل وغيره من الفلاسفة، فقد طبعت مثاليته الأخلاقية الفلسفة السياسية الألمانية مدة طويلة، إلا أن هذه الفلسفة كانت تحمل ثغرات كثيرة، لأنها تغوص في اسمية لا متناهية، ولأن ما تقدمه هي أشكال خالصة للعقل.

في الختام، يظهر لنا إيمانويل كانط كفيلسوف لم يكتفِ بالتنظير، بل سعى لجعل الفلسفة أداة لنيل الحقوق وتحقيق كرامة الإنسان. ورغم ما وجه لفلسفته من انتقادات بسبب إغراقها في المثالية، فإن بصمته في الأخلاق والسياسة تظل مرجعًا لا غنى عنه لفهم الدولة الحديثة وحقوق الفرد.

لقد قدم كانط نموذجًا فريدًا للمفكر الذي يرى في العقل والواجب الأخلاقي الطريق الوحيد لتحقيق سلام دائم وشامل للبشرية جمعاء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة