إيران من الداخل.. استعادة مرآة الحكاية في رواية «ما لم تروه ريحانة»

استقر الحمام في أدبياتنا العربية أننا لا نستطيع تمييز صوت نواحه من صوت هديله، وكأن غناءه بكائية أبدية، وبكاءه لحن لن ينقطع ما دامت الحياة. بين أبدية الغناء والنواح استلهم أدهم العبودي ثيمته الدرامية الرئيسة في روايته الجديدة «ما لم تروه ريحانة» التي قدمت معادلًا تخييليًا لملابسات إعدام المواطنة الإيرانية السنية «ريحانة جباري» -على خلفية قتلها لضابط استخبارات إيراني عمل بالطب بعد استقالته حين حاول اغتصابها- التي شغلت العالم منذ وقوعها في العام 2007 حتى تم تنفيذ حكم الإعدام في عام 2014.

ابتداء من العنوان «ما لم تروه ريحانة» يمنح العبودي قارئه وعدًا ضمنيًا بأن يقرأ عملًا سيمنحه أبعادًا فنية وجمالية أكثر ثراء من الحادثة الحقيقية، ومنذ تصدير الرواية «فيما قبل، بعد، الموت، حكاية، لم يكتب لها فصل أخير» ستجد رهانًا على تحقيق إضاءة على أبعاد أكثر براحًا من كونه أبعاد القضية الواقعية، ووعدًا آخر بخلق زمن خاص بالسرد داخل العمل، قد يتقاطع مع الزمن الحقيقي للأحداث، لكن تبقى دومًا له كلمته الخاصة، بما يمثل تحديًا لأي كاتب عما يمكن أن ينتجه من جديد في قضية تناولها العالم له بالتفصيل في إحدى مراحلها. 

انطلقت الرواية من الخاص إلى العام طوال الوقت، فقرقعة كسر رقبة وإعدام إحدى السجينات اعتباطًا لم يختلف كثيرًا عن مشهد انقضاض، عن صوت كسر رقبة الحمامة حين انقضاض الذئب عليها، فالأولى رمز لكل المسجونات قهرًا، والأخرى قد تكون قربانًا لتعيش بقية الحمامات. ورسائل ريحانة إلى أمها وإلى حبيبها إيوان ربما كانت فضاءً يسمح بتمرير رسائل ريحانة إلى الإنسانية من بعدها وإلى كل إنسان مجهول لم يسمع بها من قبل.

البحث عن حياة بديلة بين أكثر من زمن

بين موت ريحانة كل يوم داخل السجون من التغوط داخل العنبر، والضرب بالهراوات دون سبب، وبين المنع عن الطعام والشراب، وبين الاغتصاب من مأمور السجن ثم من رجاله مرات عدة، وبين مشاهدة الموت كل يوم في صور متعددة، وبين البحث عن حياة في خيالها ورسمها ورسائلها، حاول المؤلف إنتاج سيرة ذاتية روائية للشخصية الحقيقية.

بنى أدهم العبودي روايته منذ البداية على نسق زمني متكسر، يتحرك فيه تحركًا يبدو عشوائيًّا، وكأنه «زمن مذبوح»، لكن في النهاية ستجد أن كل لحظتين اختارت الرواية أن تربط بينهما أدى ربطهما إلى توليد زاوية جديدة للرؤية، فتبدأ الرواية من لحظة إعدام إحدى السجينات المرافقات لريحانته، ثم يعود ليبين ظلال الشخصية الرئيسة وعلاقاتها المتشابكة بوطنها وأمها وأبيها وحبيب لم تعرفه إلا من الخطابات.

بنى أدهم العبودي روايته منذ البداية على نسق زمني متكسر، يتحرك فيه تحركًا يبدو عشوائيًّا

وقد اعتمد الكاتب آليات مونتاجية عدة لتقديم وتأخير الحوادث والعلاقات بمنطق مكعبات البازل التي تمثل إعادة ترتيبها إعادة صياغة للرؤية كاملة، فستجد الأم حاضرة في السجن، ولتجد المشاهد يقتص من هنا، ليستكمل هناك حيث يؤدي باستكماله فيما بعد وفي هذا المكان تحديدًا معنى إضافيًا. 

وسيجد القارئ أن الرواية تطرح طول الوقت أسئلتها بطريقتها الخاصة عن الحياة ومعانيها وتجلياتها المختلفة. فهل الحياة هي ما نعيش أم ما يتبقى منا؟ وهل يستطيع الإنسان أن يصنع حياة أخرى من خياله؟ وهل يمتلك الإنسان القدرة على البحث عن الحياة إلى آخر نفس كما نرى في بعض تصرفات ريحانة والسجينات؟ وهل تكفي أحيانًا حياة الحلم لتعويض الحياة الواقعية المفقودة، فخيالها كان يحمل حياة، وأحلامها مع أمها حياة أخرى، وصحبتها لوداع الفتاة التي علقت في الحرب بين العراق وإيران ومثَّلت لها ريحانة حياة كاملة في لوحاتها كانت تحمل حياة ثالثة... وهكذا. 

ونستطيع القول إن هذا الدمج بين أكثر من نمط للحياة وصل ذروته مع دمج بين الحياتي الواقعي وبين ما يمكن أن نسميه (الحياتي الرسائلي). فالرسائل بين ريحانة وبين حبيبها (إيوان) حملت كثيرًا من التفاصيل الدقيقة، حتى إنها كانت تتداخل أحيانًا مع السرد المحكي لتكتشف في منتصف هذا الجزء من الرواية أو ذاك، أنه ليس كلامًا على لسان الراوي.

وإنما هو حكي من ريحانة إلى إيوان في إحدى الرسائل، مثلما حدث في حادثة خروجها من السينما لتواجه هي وصديقتها مع الأخريات هراوات الجماعات المتشددة، ليحدث التماهي في هذه اللحظة تحديدًا بين حياة ريحانة داخل الرسائل وحياتها خارجها، فكما تستخدم الرسائل مهربًا في وقت الضيق كانت تحاول وصديقتها الهروب من هراوات المتشددين حين الخروج من السينما.

السنة والشيعة الحقل الشائك

إذا كان من مهام الفن الإشارة إلى مواطن المرض مباشرة، فإن الرواية انحازت بوصفها عملًا فنيًا بالأساس إلى الإنساني العام فقط، حتى في أكثر القضايا اشتباكًا وتمييزًا، كتناولها مثلًا لتجليات التفرقة الصارخة بين السنة والشيعة داخل إيران. 

فأبو ريحانة ليس نموذجًا للسني الذي لا يخطئ، وإنما هو (مؤمن حشاش)، يعاقر الخمر وقت الضيق، ويتحدث في السياسة، ويهادي جاره الشيعي ويتزاور معه وبينهما كل الود، لكنه -ككل المؤمنين البسطاء- من الممكن أن يحتد عليه حتى إنهما قد يتعاركا بسبب سخرية الآخر من واحد من شيوخ أهل السنة في إيران، لتحقق الرواية ما ينشغل به الفن حقيقة من رصد تداخلات النفس البشرية بكل تناقضاتها.

وكذلك ستجد أن ريحانة التي تعيش ضمن فئة أقلية (السنة) يوافق هواها هوى الحكومة -دون ترتيب- حين تصر على اختيارها دخول الفيلم الهندي مع صاحبتها دون الفيلم الأمريكي، ثم تخرج لتجد مع صديقاتها عددًا من المتشددين يريدون الفتك بهم في مشهد عبثي للغاية، وكأن ريحانة هنا تعادل ملايين الأفراد ممن يوافق هواهم هوى الحكومات دون قصد، لكنهم قد يتلقون العقاب ذاته من باب أن الحسنة تخص والسيئة تعم.

ومن باب أننا أحيانًا نكون في نظر الحكومات أرقام فقط، لا معنى لاسمك وإنسانيتك واختياراتك وطموحاتك وتطلعاتك وتفاصيلك الصغيرة التي هي في نظرهم تخصك وحدك. 

ولعل اسم «إيوان» بكل دلالاته التاريخية الفارسية ومعانيه في الفارسية والعربية يوحي بالاتساع والبراح، وهو ما كانت تبحث عنه (ريحانة) العبودي طول الوقت، سواء في سجنها الكبير (إيران) بصفتها سنية داخل مجتمع شيعي متشدد، أو بصفتها سجينة متهمة ظلمًا في قتل ضابط مخابرات إيراني سابق، وامتهن الطب وقت أن حاول استدراجها للاعتداء عليها. 

أدهم العبودي بين مصر وإيران

وفي مسار مختلف وذكي للغاية نحتت الرواية بقصد أو دون قصد قناة بين هموم المواطن الإيراني وهموم المواطن المصري بصورة من الصور، وهي هموم قد تتشابه في الأسباب وفي النتائج كذلك، فكلاهما يعيش في بلد شرقي، عدد سكانه كبير، وموقع دولته محوري إستراتيجي، فسنجد أن حادثة الإرهاب التي قُتل فيها عدد من السياح في جنوب إيران ستستدعي لدى القارئ زمن الحوادث الإرهابية التي وقعت تباعًا في جنوب مصر لعدد من السياح على أيدي متشددين، فلا فرق هنا بين التكفير والهجرة والجهاديين في مصر، وبين «مجاهدي خلق» في إيران.

نحتت الرواية بقصد أو دون قصد قناة بين هموم المواطن الإيراني وهموم المواطن المصري

فسنجد أن الكاتب المصري لم يغب عنه مواطن التشابه بين مصر وإيران تحديدًا، مجتمعيًا، حتى إن التشابه في تركيبات الشخصيات وملامحها النفسية، وكذلك حضور بعض العادات الاجتماعية من جهاز العروس ونموذج الحارة وحدود حريات الفتيات والنساء، والضغط الاقتصادي على حساب المواطن بحجة إقامة مشروعات كبرى، والعمليات الإرهابية ضد السياح ذاتها في جنوب مصر/ جنوب إيران في أوقات مضت.

حتى إن الأسطورة وحضورها في أكثر من بيئة مصرية وبخاصة بيئة الصعيد سنجد أن العبودي لم يغفل عنها في استدعائه لأسطورة الغراب، فيزاوج بين ما دوَّنه العرب شفاهيًا في أساطيرهم من أنه سرق قديمًا جناحي ديك ليطير بهما بعد أن أغواه بشرب المسكرات، ليكتنز الغراب هنا بحمولات دلالية جديدة قد تزاوج بينه وبين شخصية الأب الذي ربما كان يتراوح حاله بين الديك المصلي المؤذن، وبين الديك الذي يسكر في بعض اللحظات ليفقد جناحيه.

نقطة قوة الرواية في ظني هي ما أنتجت نقطة ضعفها، فالرهان هنا قائم على إنتاج رؤية جديدة من حادثة معروفة تفاصيلها فعلًا، والقارئ هنا لا ينتظر نهاية مباغتة يمكنه معرفتها من جوجل، وإنما ينتظر رؤية جديدة للقصة، وهو ما أوقع الرواية في بعض المواضع القليلة في منطقة الاستطراد الذي لم يُضف جديدًا إلى تلك الرؤية إلا قدرة الكاتب اللغوية لا أكثر، لكنها لم تكن بالقدر الذي يؤثر في جودة العمل تأثيرًا واضحًا. 

جدير بالذكر أن الرواية وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد، وتُعد العمل الثالث عشر لصاحبها الذي فاز عن روايته الأولى «رأس العبد» بجائزة الشارقة للإبداع العربي في 2012.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة