يسود اعتقاد شائع بأن الكتاب الصوتي مولود غريب عن ثقافتنا، وأنه صرعة تكنولوجية "مستوردة" فرضتها وتيرة الحياة الحديثة وتطبيقات الهواتف الذكية. لكن الحقيقة تخبرنا بشيء مغاير تمامًا؛ فالعرب الذين جعلوا من الأذن وسيلتهم الأولى للمعرفة، ومن الرواية الشفهية ديوانًا لتاريخهم، كانوا عمليًّا هم المؤسسين الأوائل لمفهوم تجسيد النص.
منذ زمن الحكواتي في المقاهي القديمة إلى الراوية الذي كان يحفظ دواوين الشعراء وينقلها بنبرات صوته وتفاعله، كانت اللغة العربية دائمًا لغة تُسمع لتُفهم، لا لغة تُقرأ بالعين فقط. ومع دخول التكنولوجيا في القرن العشرين، لم ينتظر العقل الثقافي العربي طويلًا ليحول هذا الإرث الشفهي إلى توثيق مسجل، فكانت السبق في تطويع الأسطوانة والشريط لخدمة الكتاب.
لكن المثير للدهشة ليس فقط في ريادة الفكرة، بل في تلك المفارقات السياسية والإنسانية التي صاحبت ولادة أول كتاب صوتي عربي رسمي؛ حين اجتمعت السيادة، والفن، والمعارضة في تسجيل واحد!
بدأت القصة، كما أوردها غالي شكري في كتابه (من الأرشيف السري للثقافة المصرية)، حين فوجئت الفنانة مديحة يسري التي كانت قد اعتزلت التمثيل وأنشأت شركة للإنتاج الفني بالكويت، بمكالمة هاتفية من أحد الأجهزة المصرية:

- هل لدى شركة الموارد الثقافية والترفيهية استعداد للقيام بعمل جاد خلال أسبوع؟
وأجابت مديحة يسري بصوتها الوقور الناعم:
- أي خدمة يا فندم.. تحت أمرك.
سألها باحترام:
- هل تعرفين الشاعر صالح جودت؟
قالت بهدوء:
- طبعًا يا فندم.
في لهجة -مهذبة- آمرة اختتم الحديث:
- اتصلي به!
لتشرع من بعدها الشركة المملوكة للفنانة المصرية وقتها في تنفيذ أول كتاب صوتي، منشور ومسجل بصوت مؤلفه الشاعر صالح جودت الذي كان من أبرز المعارضين لنظام عبد الناصر!
وكان الدافع الأساسي لتنفيذه رغبة أمير الكويت وقتها صباح السالم؛ وكان هو آخر من عانق جمال عبد الناصر من الرؤساء والملوك العرب.. وما كاد يهبط بطائرته الخاصة مطار الكويت بعد ظهر 28 سبتمبر/ أيلول 1970 حتى همس في أذنه أحد الرجال أن عبد الناصر يعاني الآن لحظات الاحتضار، ويقال أنه بعد أن أُبلِغ بالخبر رسميًّا أفضى إلى بعض أصدقائه في القاهرة بالمشاعر المريرة التي لا تفارقه، وقال إنه على استعداد كامل للمساهمة في أي تخليد للرئيس الراحل؛ فاشتبكت أسلاك التليفون بين القاهرة والكويت، حتى كان تنفيذ هذا الكتاب.
طلبت الفنانة المعتزلة وقتها من صالح جودت على الفور، بعد تكليفها بالاتصال به:
- أيوه يا صالح.. إزي أخبارك.. قالوا أتصل بيك.. خير إن شاء الله.
- خير يا دوحة.. الأمر وما فيه إني ألفت كتابًا عن الرئيس الراحل. وبيقولوا إنك ممكن تنشريه وتسجليه كمان.. بصوتي يعني.. إيه رأيك؟ ما تفكريش في الفلوس من ناحيتي.
وحين تسلمت نجمة أربعينيات وخمسينيات السينما المصرية مخطوط الكتاب، كان صالح جودت (الذي طلب منها ألا تفكر بمسألة المال من ناحيته) قد تسلم شيكًا قيمته ستة آلاف دينار كويتي؛ وقد أصر على ألا يفتح حسابًا به خارج مصر، فتقاضى اثني عشر ألف جنيه مصري في القاهرة.
كان عنوان الكتاب (قصة كفاح البطل جمال عبد الناصر)، وقد نهج فيه المؤلف نهجًا تسجيليًّا، فاستعرض حياة الرئيس منذ الطفولة حتى الوفاة، وجاء الكتاب ممتلئًا بالعبارات الإنشائية التي تخلد الرئيس الراحل بواسطة واحد من أشهر معارضيه.
وكان أحد المسؤولين عن نشر المخطوط وتسجيله (الناصريين المتطرفين)، فقد هز رأسه معلقًا: إنه كتاب رائع حتى إنني أشك في موافقة صالح جودت على وضع اسمه فوق الغلاف؛ فقلبه وعقله ضد عبد الناصر، فكيف يسمح لنا بتوقيعه على مثل هذا الكتاب؟
وأجابت مديحة يسري: ليس توقيعه فحسب، وإنما صوته أيضًا المطلوب أن يسجله بصوته على شريطين، فالكتاب معد للقراءة والسماع. سألها الأخ الكويتي ببراءة: وما الحكمة في التسجيل الصوتي؟ إنه ليس قصيدة أو تمثيلية أو أغنية. اكتفت مديحة بأن تجيب: هذا هو المطلوب. اسألهم أنت!
· كتاب تسجيلي وبعض عبارات حماسية:
وباستعراض نموذج واحد من الكتاب يتضح لنا منهجه : "إن مصر أنجبت في تاريخها الحديث كثيرًا من الأبطال كعمر مكرم وأحمد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، ولكنهم جميعًا كانوا زعماء محليين ينادون «مصر للمصريين».
أما جمال عبد الناصر «فقد نظر إلى مصر كجزء لا يتجزأ من كيان أكبر، هو الأمة العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي» فأصبح زعيمًا عربيًّا «ثم نظر إلى الأمة العربية كجزء من عالم أكبر فأصبح زعيمًا للعالم الثالث».
وعن عبد الناصر ينشد:
التمسنا في بطولاتك إشعاعًا ووهجًا
وجعلناك محجًا
ووجدنا في وصاياك لنا العهد المرجى
لخطى المستقبل الحلو الأغن.
يعلق غالي شكري على المقاطع التي أوردها من الكتاب أن من يتصفح الكتاب دون عناء التأمل العميق سوف يلاحظ مباشرة أنه أشبه ما يكون بمنشورات مصلحة الاستعمالات أو مطبوعات التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة، وأنه يدرج بسهولة في قائمة (كتب بلا مؤلفين) فهو لا يحتاج إلى كاتب يؤلفه، وإنما إلى أرشيف.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 صدر الكتاب مطبوعًا ومسجلًا على شريطين كاسيت كل منهما 60 دقيقة، بعد أن تم إنجازه ونشره وتسجيله في شهر واحد بعد وفاة الرئيس، مطبوعًا على ورق مصقول وامتلأ بالصور النادرة على ورق كوشيه.. فإن أحدًا لم يدرِ به، حيث لم يدون غلى الغلاف سعر الكتاب، ولم يطرح علنًا في الأسواق، ولكنه وزع بطريقة سرية على بعض الناس، وقد كان هذا مقصودًا!
فالقارئ العادي هنا لا يمثل أي هدف بالنسبة لناشري الكتاب أو مؤلفه، فمن اختار اسم (صالح جودت) ليضعه على الغلاف، وتعمد -أول مرة- أن يسجل الكتاب بصوته على أشرطة، كانوا يستجيبون لرغبة أمير الكويت في تخليد الرئيس الراحل ومساهمته الشخصية في ذلك، لكن الأهم هو تسجيل تلك الوثيقة بصوت جودت بعد استلام الشيك؛ أما هو فقد أضاف إلى المعلومات الأرشيفية التي وضع تحت تصرفه، بعض العبارات الإنشائية الحماسية؛ ليسجل بذلك على نفسه شهادة حية إلى جانب عبد الناصر.
العجيب حقًّا أن صالح جودت هو نفسه الذي دعم حركة 15 مايو/أيار 1970. وقد كان يومًا (شخصيًّا) في حياة صالح جودت إلى أبعد الحدود، ممتلئًا بالحماس لإحراق أشرطة وتسجيلات مخابرات وفتح المعتقلات، لولا (سره الخفي) الذي ظن أنه لا يعرفه أحد! فالقصيدة يعرفها الجميع ويضمونها إلى قائمة أشعاره في الملوك والرؤساء السابقين واللاحقين. أما الكتاب والأشرطة فلم يعرف أمرها إلا الأقلون.
واشتبكت أسلاك التليفون من جديد بين القاهرة والكويت، كانت الأصوات جديدة، ولكن الأجهزة هي هي. وكانت مديحة يسري على الطرف الآخر تقول: ليست لدي نسخة واحدة من الكتاب ولا من الأشرطة، حسبما يورد غالي شكري في كتابه.
يبدو أن جهازًا آخر سبق الفرسان الجدد في الاستيلاء على بقية النسخ والتسجيلات. ولم يعد ممكنًا تنفيذ حكم الإعدام في الورق المطبوع والأشرطة، على الرغم من أنها لم توزع على الجمهور العام: وأسقط في يد صالح جودت والذين وراءه!
· لعبة الأجهزة
حتى كان يوم..
فتح فيه صالح جودت النار على عبد الناصر والناصرية؛ واتهم الثورة بعدم الشرعية في كل إجراءاتها وقوانينها ودساتيرها وتشريعاتها، وأن الشرعية تبدأ مع السادات من 15 مايو 1971.
وفي عدد (المصور) الصادر بتاريخ 21 يونيو/ حزيران 1974 بعنوان (هل تبقى الثورة إلى الأبد؟)، وفي عدد بتاريخ 5 يوليو/تموز 1974م يتساءل عن كلمة اليسار «من أين جاءتنا هذه الكلمة التي روج لها المروجون خلال السنوات العشرين الماضية؟».
وفي عدد 16 أغسطس/ آب 1974 من المجلة نفسها يرى في ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي «جسر للعبور من نظام إلى نظام آخر يحقق الديموقراطية الحقة كما أرستها الثورة الفرنسية».
ويرى في عدد يونيو/ حزيران 1974 أن «مصر منذ حرب أكتوبر قد قررت أن تكون مصر المصرية الخالصة».. وغير ذلك كثير من الكتابات التي تسجل موقفه من يوليو، وليس مهمًا أن صالح جودت تسلق أعلى المناصب في ظل عبد الناصر، وأنه كان من أدوات السلطة البارزة في الحياة الثقافية، وأنه على الرغم من وجهه القبيح كان مقبولًا من المستويات السياسية والتنظيمية والرسمية كافة، وأنه جنى أرباحًا من هذا كله.. وإنما المهم قبل ذلك كله وبعده: لعبة الأجهزة! إن الكتاب المحكوم عليه بالإعدام لم يمنع صالح جودت من كتابة عشرات المقالات ضد عبد الناصر.
ووصلت الجرأة بجودت إلى أنه حين هدده أحمد أبو مطر (شاب كويتي كان متحمسًا لعبد الناصر) بالكتاب والشريطين، قال لأصدقائه في ركن سميراميس بالقاهرة وهو يقلب مجلة (الرائد) الكويتية:
- لقد اعترفت ميمي شكيب أمام النيابة والمحكمة أنها تدير بيتًا للدعارة، ومع ذلك برئت ساحتها من الجرم المشهود. التسجيلات ليست قرينة أو دليلًا.
علق توفيق الحكيم ووهو ينظرفي عين ثروت أباظة بعين وإلى إبراهيم الورداني بعين أخرى:
- ولا الكتاب يصلح دليلًا.
· مفارقة توفيق الحكيم وصالح جودت
وتكمن المفارقة أيضًا، ما يحكي غالي شكري، في احتمالية رغبة توفيق الحكيم في المقارنة بدهاء بين كتاب صالح جودت وكتابه (عودة الوعي)، فالكتابان من المفترض أنهما غريمان.. والجهات التي أصدرتهما واحدة باختلاف الأسماء والشيكات؟
ويعلق غالي شكري في النهاية «التاريخ وحده سيجيب، ولكن الغاية ووسائلها تبقى واحدة: حين مات عبد الناصر كتب أحد خصومه ويدعى صالح جودت كتابًا عن (قصة كفاح البطل)، وبعد أربع سنوات من رحيله كتب أحد مؤيديه ويدعى توفيق الحكيم كتابًا ضده. الكتابان صدرا في بيروت والكويت: الأول نشرته وسجلته مديحة يسري، والآخر نشر محمد المعلم في دار الشروق. والكتابان أخيرًا لا يحتاجان إلى تأليف وإمعان للفكر، وإنما هما من باب التسجيل الوثائقي في لعبة الأجهزة».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.