أهم أدوات الممثّل

التّمثيل هو فن محاكاة الواقع لتقديم نماذج لشخصيات معيّنة من هذا الواقع لها فكر معيّن، وسلوك بارز يتأثّر بالمجتمع ويؤثّر فيه أيضًا من خلال حكاية إنسانيّة، وهي ما يسمّى الدراما، وكلمة دراما مأخوذة من الكلمة اليونانيّة (دراؤا) ومعناها الحدث أو الفعل، والتّمثيل قديم قدم البشريّة فقد كان أفراد القبائل البدائيّة يمثلون أمام أفراد القبيلة كيف قاموا بعمليّة اصطياد الحيوانات، ويقومون بتمثيل ما فعلوه من حركات أمام أفراد القبيلة الّذين لم يكونوا حاضرين في الحدث بأنفسهم، فيمثّلونه أمامهم لكي يستوعبوا هذا الحدث وكأنّهم يشاهدونه بأنفسهم، وقد عرف التّمثيل بداية في الكنائس حيث كانوا يقيمون مسارح لتمثيل حكايات الثّواب والعقاب والقصص الدّينيّة، ثمّ خرج بعد ذلك إلى الحياة العامّة.

وظهرت المسارح الّتي تقدّم للجمهور قصصًا من الحياة أو من الخيال والأساطير القديمة، وعلى الرّغم من أنّ التّمثيل سواء في المسرح أو التّلفزيون والإذاعة والسّينما يندرج تحت المسمّى الإنجليزي(entertainment)  وهو بمعنى التّرفيه أو التّسلية، وهذا ما يجذب النّاس في الحقيقة لمشاهدة الأعمال التّمثيليّة والفنيّة، إلّا أنّه في نفس الوقت لا يخلو من هدف وراء هذا التّرفيه وهو توصيل رسالة ثقافيّة وفكريّة للنّاس أو تجربة إنسانيّة يستفيد منها الجمهور، والحقيقة أنّ قيمة فنّ التّمثيل تعتمد على هذه الرسالة، فكلما كانت الرسالة قويّة ومؤثّرة وإيجابيّة كلمّا ارتفعت قيمة العمل التمثيلي أو الفني المقدّم، فالتّمثيل يحتاج في الحقيقة إلى شخصيّات موهوبة لها (كاريزما) خاصّة وقدرات خاصّة على الخوض في نفسيّات مختلفة وتقمّصها، والعيش فيها بحيث تتوارى شخصيّة الممثّل الحقيقيّة، ويتلبّس بشخصيّة الدّور الّذي يقوم به، بمعنى آخر يكون شخصًا آخر داخل العمل، وهذا يحتاج إلى إتقان لتقمّص الشّخصيّات المختلفة بمصداقيّة شديدة حتّى تصل للمشاهد، ويصدّقها في حبكة إنسانيّة محكمة، وهي ما تسمّى (بالدراما) والّتي تعني الحكاية الإنسانيّة.

وأريد هنا أن أتناول واحدة من أهم الأدوات الّتي يستعين بها الممثّل لأداء أو تمثيل شخصيّة دراميّة معيّنة وهي أوّل ما يفكر فيه الممثّل عندما يقرأ الدّور ويقرّر القيام به، ألا وهي الملابس، والملابس في الحقيقة لها تأثير كبير جدًّا على شخصيَة الإنسان.

نحن في حياتنا الطّبيعيّة كأشخاص طبيعيّين ولسنا ممثلين نبدّل ملابسنا باستمرار وفقًا لأحوالنا في العمل مثلًا نرتدي ملابس رسميّة، وفي البيت نرتدي ملابس أكثر بساطة وراحة، وفي الإجازة نرتدي ملابس خفيفة رياضيّة، وهذا يساعدنا في الحقيقة على القيام بهذه الأدوار المختلفة في حياتنا، فالممثّل يفعل هذا بالضبط مع الشّخصيذات الّتي يمثّلها يرتدي ملابسها في الواقع حتّى يستطيع أن يعيش في هذه الشّخصيّة ويتقمّصها، وأذكر هنا حكاية طريفة رواها البعض عن الممثل أحمد زكي أثناء تصويره فيلم "البيه البواب" وكان يرتدي جلبابًا بسيطًا، ويجلس على دكّة البوّاب أمام إحدى العمارات في منطقة الزمالك، فأتى أحد السّكان بسيارته وتعامل معه على أنه بوّاب حقيقي، فطلب منه نقل الحقائب من سياّرته، وقد قام فعلًا أحمد زكي بنقل الحقائب، وأعطاه الرّجل مبلغًا من المال وهو لا يعرف أنّه الممثّل المعروف، وأنّهم يقومون بتصوير فيلم في هذا التّوقيت، وقد قال الممثّل الموهوب أحمد زكي عن هذا الموقف أنّه كان بمثابة جائزة حصل عليها من الجمهور مباشرة عن نجاحه في تقمّص شخصيّة البوّاب.

  هذا مثال بسيط على أهميّة الملابس، فالممثّل المفكّر الموهوب هو الّذي يعرف كيفيّة اختيار ملابس الشّخصيّة، والتّشبه بها تماما، فهذا يساعده على تقمّص نفسيّتها، وطريقة تصرّفها وتفكيرها، هذا بالإضافة لعدّة عوامل أخرى بالطّبع مثل المكياج وطريقة الكلام الدّارجة، أو ما يسمّى باللّهجات المختلفة، ولكن تبقى الملابس من أهم المكوّنات الّتي تعبّر عن الشّخصيّة.

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية