الكتابة اليدوية بالرسم والخربشة باستخدام أقلام التلوين والرصاص والطباشير مهارةٌ أساسيةٌ للأطفال الصغار ومرحلة ما قبل المدرسة، وأداة أساسية لتطوير التفكير والتواصل لدى الطفل منذ سنواته الأولى؛ إذ ترتبط القدرة على الإمساك بالقلم والرسم والخربشة بتطور الإدراك الحسي والحركي، وتُسهم في تسهيل تعبير الطفل عن مشاعره وأفكاره، أو ما يُطلق عليه مرحلة ما قبل الأكاديمي التي تهدف إلى تزويد الطفل بالمهارات الأساسية التي يحتاج إليها لكي ينجح ويتفوق في المراحل التعليمية اللاحقة؛ لذلك نجد أن بعض الأنشطة اليومية، كالرسم والتلوين والكتابة على البطاقات، من شأنها أن تُساعد الأطفال على تعلُّم الكتابة اليدوية والإمساك الجيد بالقلم.
لماذا تبدو الكتابة اليدوية مهارة أساسية للأطفال؟
لأن الأطفال الذين يكتبون بسلاسة ووضوح، يكونون أكثر قدرة على استخدام الكتابة لتسجيل أفكارهم وخواطرهم. فعندما تكون الكتابة اليدوية تلقائية، تتدفق الأفكار بسلاسة. ويذكر أحد الآباء طريقة ملهمة في التعامل مع الشجار بين الأبناء. فحين دخوله من باب المنزل، يهرول إليه أبناؤه ليدلي كلٌّ منهم بشكايته من أخيه، فماذا فعل هذا الأب الذكي حيال هذه المشكلة؟

طلب من كل طفل أن يكتب في ورقة ماذا حدث بالضبط، وما الأسباب التي أدت إلى تفاقم المشكلة، ومن المتسبب بها من وجهة نظر كل واحد منهم.
بذلك استطاع هذا الأب أن يمتص غضب الأبناء وحماستهم، في الهدوء وكتابة وتسجيل ما حدث بتفاصيله الدقيقة، ليكون بذلك، وبأسلوب غير مباشر، قد أسهم في تنمية مهارة أساسية لدى الأبناء دون أن يدري، ألا وهي مهارة الكتابة اليدوية.
يحتاج الأطفال أيضًا إلى الكتابة في عدد من الدروس والمهام المدرسية؛ إذ تُساعد مهارات الكتابة اليدوية الأطفال على تطوير مهارات القراءة والتهجئة، كما تُساعد على حفظ المعلومة وسهولة استرجاعها.
تزداد الحاجة إلى مهارات الكتابة اليدوية لأداء مهمات عدة في مراحل لاحقة من حياتنا، مثل كتابة بطاقات أعياد الميلاد، وملء الاستمارات، وتوقيع المستندات المهمة، وغيرها من الأشياء الضرورية.
كيف نطور خط اليد أو الكتابة اليدوية؟
الخط مهارة معقدة تتطور مع مرور الوقت، ولكي يتعلمه الطفل، يحتاج إلى الجمع بين المهارات الحركية الدقيقة واللغة والذاكرة والتركيز، كما يحتاجون إلى التدرُّب على التعليمات واتباعها؛ لذلك، تبدو أبرز المشكلات التي يعانيها طفل فرط الحركة وتشتت الانتباه، الصعوبات الأكاديمية نتيجة ضعف انتباهه وتركيزه، أو التركيز لفترات قصيرة ما يعيق حفظ المعلومات، فضلًا على استرجاعها.
هل الكتابة باليد اليسرى عند الأطفال أمر مقلق؟
الكتابة باليد اليسرى عند بعض الأطفال ليست بالأمر المقلق كما يتصور بعضهم، فإن كان معظم الأطفال يختارون الكتابة والرسم باليد اليمنى لأسباب عديدة، لكن بعضهم يختار الكتابة باليد اليسرى. في هذه الحالة، لا داعي لتبديل اليدين أو إجبار الطفل على الكتابة باليد اليمنى.

خاصة وأن بعض الآباء والأمهات يأخذونها من منظور ديني، ألا وهو التيمن في كل شيء، وهذا أمر محمود، ولكن ليس بالضرورة في الكتابة، إذ لا مانع أن تدرب طفلك على تناول الطعام أو الشراب باليد اليمنى، أو عند دخوله البيت أو المسجد برجله اليمنى، لا يوجد تعارض على الإطلاق.
يختلف الأطفال في تفضيلاتهم بين اليد اليمنى واليسرى نتيجة لعوامل وراثية، عصبية، وربما حتى بيئية، إذا كان الطفل يختار استخدام اليد اليسرى للكتابة أو الرسم، فهذا أمر طبيعي تمامًا ولا يستدعي القلق.
هنا تحديدًا، يميل كثير من الأطفال إلى استخدام يدهم المهيمنة (سواء كانت اليسرى أو اليمنى) بين سن 2-4 سنوات. بعض الأطفال قد يُظهرون ميلًا لاستخدام اليد اليسرى في بعض الأنشطة ثم يغيرون لاحقًا إلى اليد اليمنى أو العكس، لكن ذلك أمر طبيعي أيضًا ولا يؤثر في تطورهم.
إذا كان الطفل مرتاحًا في أثناء الكتابة أو الرسم باليد اليسرى، فمن الأفضل تركه على حاله وعدم إجباره على استخدام اليد اليمنى، فقد يسبب ذلك توترًا أو إرباكًا.
أفكار لتشجيع طفلك على الخربشة والرسم والكتابة
- توفير الأدوات المتنوعة: أحضر أقلام تلوين وورقًا، أو طباشيرًا وسبورة، وفر مواد متنوعة لطفلك ليرسم عليها، على سبيل المثال: ورق ملوَّن، وكرتون، ودفاتر بخطوط وصفحات فارغة، هذا يُساعد طفلك على تعلُّم إمساك القلم الرصاص.
- الرسم المشترك: أما إذا كان لديك مزيد من الوقت، فخصِّص وقتًا تجلس فيه مع طفلك، لترسما صورًا ورسومًا معًا.
- ربط الرسم بالاهتمامات: شجِّعه على رسم أشياء تُثير اهتمامه. على سبيل المثال: إذا كان طفلك يُحب الطيور، يُمكنك رسم عصفورة أو حمامة، ويُمكنه إضافة الأرجل والجناحين. أو في يوم ماطر، يُمكنك رسم سحابة كبيرة، ويُمكن لطفلك رسم مطر يتساقط.
- تنمية الأشياء الدقيقة: استخدام المكعبات والخرز، حتى الصلصال، ورسم خطوط على الرمل أو الطين، كلها أشياء تُساعد طفلك على تطوير عضلات اليد اللازمة لاستخدام أقلام الرصاص، مع العلم أن فرص الرسم الكثيرة تُساعد طفلك على مواصلة تطوير مهاراته في الكتابة اليدوية.
- القدوة الحسنة: من الأشياء المفيدة للطفل أن يراك وأنت تكتب بيديك لأغراض مُختلفة - على سبيل المثال: لعمل قائمة، أو ترك رسالة، أو كتابة رقم هاتف.

تعليم الكتابة اليدوية في المدرسة
تتطور لدى الأطفال مهارات الكتابة اليدوية بمعدلات مختلفة، لكن معظم الأطفال يكتسبون هذه المهارات الأساسية خلال أول عامين دراسيين، ابتداءً من السنة الثانية، يبدأ الأطفال بكتابة جُمل أكثر تعقيدًا ويكتبون عن تجاربهم.
لكي تشجع طفلك على الكتابة اليدوية والرسم، خصِّص كرسيًّا ثابتًا وسطحًا بمستوى سرَّته، إذا كانت طاولتك مرتفعة جدًّا، ويمكنك استخدام وسادة أو كرسي طويل لرفع طفلك أعلى، مع مسند للقدمين لدعم قدميه.
توجد نوعية من الآباء والأمهات لا يُضيِّعون فرصة للتعلُّم إلا ويستغلونها، كأن تُشجِّع الأم طفلها على إضافة بعض الأصناف إلى قائمة المشتريات من محل البقالة، أو المساعدة في بطاقات أعياد الميلاد وغيرها، أو صنع ملصقات باستخدام أوراق الملاحظات اللاصقة.
فاجئ طفلك بأنواع مختلفة من أدوات الكتابة والملحقات، مثل أقلام الرصاص، والأقلام الجافة، وحافظات الأقلام، والمساطر، هذا يُظهر لطفلك تقديرك لأدوات الكتابة اليدوية.
كيف تتعرَّف على مشكلات الكتابة اليدوية لدى طفلك في سن مبكرة؟
يتطلب تعلُّم الكتابة مزيجًا من المهارات والقدرات وفهمًا جيدًا للغة، إذا كان طفلك يواجه صعوبة في واحدة أو أكثر من هذه المهارات، فقد يواجه صعوبة في تعلُّم الكتابة اليدوية.
توجد بعض العلامات المبكرة التي تشير إلى صعوبة تطوير مهارات الكتابة اليدوية لدى طفلك في المدرسة على النحو التالي:
- تبديل اليدين: يُفضِّل معظم الأطفال استخدام يد واحدة للرسم قبل وصولهم إلى المدرسة، ولكن يحدث هذا لدى بعض الأطفال عند بدء الدراسة.
- بطء وصعوبة الكتابة: قد يحتاج طفلك إلى بعض المساعدة فيتطوير المهارات الحركية للقيام بحركات سلسة ودقيقة.
- طريقة الإمساك بالقلم: قد يؤدي ذلك إلى إبطاء خط طفلك، ويجعل من الصعب عليه إكمال العمل في وقت معقول.
- قلَّة الاهتمام بالرسم والكتابة اليدوية أو تجنُّبهما: قد يحدث هذا إذا لم يكن طفلك واثقًا من الرسم، أو لم تكن كتابته متقدّمة مثل كتابة زملائه.
- الكتابة غير المرتَّبة: قد يظهر ذلك على هيئة حروف معكوسة، أو أحرف غير مغلقة إغلاقًا سليمًا، أو أحجام حروف غير متناسقة، أو أحرف غير مصطفة على السطر، أو مسافات غير متناسبة بين الحروف والكلمات.
- عدم اتباع تعليمات المعلم في أثناء تعلُّم الكتابة: قد يكون ذلك بسبب صعوبة التركيز أو الانتباه أو فهم التعليمات.

إذا لاحظت هذه العلامات، فمن المحتمل أن طفلك لا يستطيع رؤية السبورة بوضوح، أو الطباعة في الكتب، أو قد يكون لدى طفلك احتياجات تعليمية إضافية تؤثر في تطور خط اليد.
تُعد الكتابة اليدوية أكثر من مهارة قديمة؛ إنها استثمار في القدرات المعرفية، اللغوية، والحركية للطفل، بتوفير البيئة المناسبة، الأدوات المشجعة، والانتباه لأي علامات مبكرة لمشكلات الكتابة، ويمكننا تمكين أطفالنا من تطوير هذه المهارة الأساسية، والتي ستُسهم بدورها في نجاحهم الأكاديمي والشخصي.
ختامًا، الكتابة اليدوية مهارة لا تُعلَّم فقط في المدرسة، بل يغرسها الآباء والأمهات في البيت بالحب والتشجيع، فكل كلمة يكتبها طفلك خطوة نحو الإبداع ومستقبل أفضل لطفلك أكاديميًّا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.