أهمية العناق للأطفال والتواصل الجسدي الآمن وتجنب الحرمان العاطفي

التواصل الجسدي الآمن للأطفال هو حجر الزاوية في بناء شخصية سوية، ففي خضم مسؤوليات الآباء اليومية وتزاحم الواجبات والالتزامات في سبيل توفير حياة آمنة للأبناء، ينسى بعض الآباء أو يتناسى حاجة الأبناء للعطف والتعاطف والعناق والتلامس الجسدي.

فتلك الحياة الآمنة -من وجهة نظر الآباء- هي في الحقيقة حياة رغدة أو مريحة أو حياة رفاه، ولكنها ليست الركيزة الحقيقية لأمان الأبناء بل إن صح القول: قد لا تمت لها بصلة.

يرى بعض الآباء ألا مكان لهذه السخافات وسط كَم الهموم والسعي غير المنقطع والكد لتوفير وسط مادي يلبي متطلبات الأطفال من مأكل وملبس وتعليم وعلاج، والحقيقة أن تلك السخافات تتبوأ من الأهمية ما يجعل من وجودها درعًا حاميًا صحيًا ونمائيًا ومجتمعيًا، ويجعل من غيابها خطورة تهدد أمن وسلامة الأبناء، وهذا جوهر تربية الأبناء القائمة على العاطفة.

السؤال الأهم هنا: كيف سيتعلم الأبناء المشاعر الآمنة للأطفال التي من المفترض أن يصدروها غدًا لأبنائهم؟

أهمية العناق للأطفال

أهمية العناق للأطفال: تأثير بيولوجي ونفسي

التواصل الجسدي بين الوالدين والأبناء له أثرٌ إيجابي عميقٌ على عقل الطفل، وحينئذ يبرز أثر العناق على نمو الطفل، إذ يُحفز إفراز مواد كيميائية تُشعره بالسعادة مثل:

  1. الأوكسيتوسين (Oxytocin): ما يُقلل من التوتر والقلق ويُعزز مشاعر الحب والأمان والثقة.
  2. الإندورفين والدوبامين: يساعدان على نمو الدماغ وبناء العاطفة.
  3. خفض الكورتيزول: يُساعد على تقليل مستويات التوتر عن طريق خفض هرمون الكورتيزول.

التلامس الجسدي وتطور الدماغ

يُعد اللمس أول حاسة تتطور لدى الأطفال، ويمنح التلامس الجسدي التحفيز الذي تحتاج إليه أدمغة الصغار لنمو صحي. فالأطفال الذين يتلقون مزيدًا من العناق لديهم أدمغة أكثر نموًا، ما يوضح تأثير اللمس على الدماغ وتأثير نقص اللمس على تطور الدماغ عند الأطفال.

ويُمكن أن يساعد التواصل الجسدي الطفل على إدارة مشاعره وتنظيم انفعالاته بصورة أفضل، وزيادة تقديره لذاته، وتحسين سلوكياته الاجتماعية والتعليمية. وهو مفيد بوجه خاص للأطفال الذين يُعانون من القلق الاجتماعي، إذ يجعلهم يشعرون بأنهم أقل عرضة للخطر وأكثر أمانًا.

الأثر البيولوجي للعناق

لماذا يحتاج الطفل للعناق؟

يؤثر العناق على صحة الطفل النفسية، ومن أهم فوائد العناق من الناحية النفسية أن التواصل الجسدي من كلا الوالدين يهدئ الرضيع، وينمي لديه رابطًا آمنًا. يكمن السر في تلقي الطفل لمسةً حنونةً من كلا الوالدين.

كم عناقًا يحتاج الطفل؟ تقول المعالجة النفسية فيرجينيا ساتير: «الأطفال بحاجة إلى العناق 4 مرات يوميًّا للبقاء، وثمانيَ مراتٍ يوميًّا للصيانة النفسية، وإلى اثني عشر عناقًا ليكونوا سعداء وللنمو». ثم إن العناق هو الطريقة الأكثر فاعلية لإنهاء نوبة الغضب، ويدعم العاطفة والأمان عند الأطفال.

لماذا يرفض المراهقون العناق من والديهم؟

من الشائع جدًا أن يرفض المراهقون العناق أو التواصل الجسدي من آبائهم أو البالغين الآخرين بدءًا من سن التاسعة تقريبًا، وقد تختلف أسباب ذلك؛ ومنها:

  • رغبتهم في الشعور بالاستقلال.
  • الشعور بالحرج والوعي بتغير بنية جسدهم.
  • الرغبة في الخصوصية الجسدية خلال مرحلة البلوغ.
  • عدم الراحة في التعبير عن مشاعرهم.

والحقيقة أنه من الصحي لهم أن يرسموا حدودهم الشخصية، ومن واجب الآباء احترام رغباتهم. لكن هذا لا يعني عدم تعبير الآباء عن مشاعرهم لهم، وحينئذ يأتي دور طرق تعزيز التواصل الجسدي الآمن مع الأطفال والمراهقين بطرق بديلة:

  • دعم اهتماماتهم.
  • احترام حاجاتهم للمساحة الشخصية.
  • قضاء وقت ممتع معهم.
  • المشاركة في نشاط مفضل.

الاحترام والاحتواء أساس العلاقة بين الأب وابنه المراهق

عواقب نقص التواصل الجسدي عند الأطفال

كيف يؤثر الحرمان العاطفي على نمو الطفل؟ الإجابة صادمة، قد يؤدي الحرمان من التواصل الجسدي إلى نتائج سلبية على الصحة النفسية وصعوبات اجتماعية على المدى الطويل. علامات الحرمان العاطفي لدى الأطفال قد تشمل:

  1. ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق.
  2. صعوبات في التعامل مع المواقف الاجتماعية.
  3. قصور في النمو الجسدي.
  4. مشكلات في النواحي العاطفية قد تؤدي إلى العدوانية.
  5. عجز دائم في تكوين روابط آمنة وعلاقات صحية.

فاللمسة الإنسانية الآمنة والحانية ضرورية للنمو السليم، وغيابها قد يُضعف نمو الدماغ ويُسبب مشكلات جسدية وعاطفية قد تستمر حتى مرحلة البلوغ.

التواصل العاطفي بين الوالدين والأبناء ضرورة حياة

صحيح أننا نحيا حياة براجماتية واقعية وعملية، وصحيح أن وتيرة الحياة أصبحت سريعة تخلو من المشاعر والعاطفة، لكننا في النهاية بشر مثلما نحتاج إلى النجاح والإنجاز والماديات نحتاج كذلك إلى القيم والمبادئ والتضامن والمشاركة.

كيفية تعويض الطفل عن نقص العاطفة؟

  • ابدأ فورًا بزيادة جرعات العناق واللمس الآمن.
  • استمع لطفلك بقلبك قبل أذنك.
  • تذكر أن المحرومين من التواصل الآمن والدافئ هم الأكثر عرضة للإصابة بالانطواء الاجتماعي والاضطرابات السلوكية.

فإن لم يكن للطفل خبرة سابقة وتجربة واعية عن التواصل الجسدي الآمن للأطفال سبق وتلقاها من والديه، فكيف له أن يحمي نفسه من الأذى؟! وكيف يتعاطف من لم يعرف معنى التعاطف؟! فالأطفال المحرومون من المشاعر هم بالغون محطمون، والبالغون فاقدو المشاعر صانعون لأطفال متنمرين ومضطربين ومعادين للمجتمع.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة