لماذا يحتاج دماغك إلى الراحة لترسيخ الذاكرة في عصر المعلومات؟

باتت المعلومات في عصرنا الحالي سهلة الوصول ومتوافرةً بصورة مكثَّفة على عكس ما مضى، إذ توضح التقديرات أن الأمريكيين وحدهم فقط يقضون ما مقداره 12 ساعة يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان للمحتوى الرقمي من فيديوهات التيك توك وصولًا إلى البودكاستات حصة الأسد بنحو ثلثي التقدير.

أثارت وفرة المعلومات التساؤلات حول قدرة ذاكرة الإنسان على الاستيعاب والتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات اليومية الحديثة، رغم أن البعض يرى أن «زيادة الخير خيرين»، فلا يرون أي مشكلة في تلقينا للمعلومات الزائدة التي بدورها تحتاج إما إلى تثبيتها بوصفها معرفة أو إلى تحويلها إلى فهم عميق في الدماغ، لكن البحوث تشير إلى أن أدمغتنا تحتاج إلى أوقات راحة منتظمة لتستوعب على نحو صحيح ما نتلقاه من معلومات.

فن «الصفنة».. لماذا يحتاج عقلك إلى وضع الطيران؟

إن الصفنة -حالة شرود الذهن التي لا يفكر فيها المرء في شيء محدد، فتجده مشتتَ البال- تمنح الدماغ الفرصة لإعادة النظر في تجارب المرء الأخيرة ومعالجتها، وذلك بحسب عالِمة الأعصاب المعرفية إيرين وامسلي «Erin Wamsley» في جامعة فورمان في ولاية كارولينا الجنوبية.

يحدث جزء كبير من هذه العملية على المستوى اللاواعي للمرء، أي إننا لا ندرك متى وأين ستحدث، لكن إن لم نمنح أدمغتنا هذه السهوات بين حين وآخر، سنجد صعوبةً في تذكر واستيعاب ما تعلمناه من أمور. تقول وامسلي: «الناس عمومًا لا يدركون أن أدمغتهم تؤدي دورًا مهمًا حين لا يفعلون شيئًا، وإن عملية شرود الذهن «الصفنة» جانب ضروري من جوانب الذاكرة».

لماذا تُعد الراحة مهمة للدماغ؟

كانت أوقات الراحة سابقًا سمةً روتينية لا مناص منها، على عكس عصرنا الذي سادت فيه سماعات البلوتوث والتشغيل التلقائي؛ فقد بات الابتعاد عن المحتوى الحديث وأخذ قسط من الراحة والاسترخاء أمرًا اختياريًا متزايدًا بمرور الوقت. يقول مايكل كريج «Michael Craig»، وهو أستاذ مساعد وباحث في مجال الذاكرة في جامعة نورثمبريا في المملكة المتحدة: «في عصرنا الحديث -حيث كل شيء بات متاحًا للشخص لحظيًا- قد نلاحظ أننا ابتعدنا عن أوقات الراحة الطبيعية التي تسمح للدماغ بترسيخ ما اكتسبناه من ذكريات جديدة».

عندما ترى الأكاديميين مثل كريج يتحدثون عن مفهوم «ترسيخ الذاكرة»، فهم لا يشيرون إلى أسلوب التذكر الآلي، أي تذكر ما حُفِظَ بالتلقين والتكرار من غير فهم، للحقائق والأرقام فحسب، بل إلى كل ما نكتسبه من معلومات جديدة -سواء كانت من قنوات الأخبار، أو من لقاء مع زميل أو صديق، أو أي شيء نذاكره للامتحان- فإن أدمغتنا تجاهد لتوطيد تلك المعلومات مع المخزون المعرفي للمرء بطريقة تسمح له بربط المواضيع ببعضها، وتطويرها بفهم أعمق لها، فتنبثق منها الرؤى والأفكار الجديدة.

كما يستغل الدماغ أيضًا أوقات الراحة للتخلص من المعلومات غير المهمة، فلو أشغلنا هذه اللحظات بأي محتوى يحفزه، فقد يحرم ذلك الدماغ من استغلال الوقت والمساحة التي يحتاجها لتخزين المعلومات وتنفيذ وظائف بناء المعنى، بحسب كريج.

تأثير الـ10 دقائق.. استراحة قصيرة لذاكرة أقوى

استنتج كريج في بعض بحوثه مع عدد من زملائه أن الناس لو استراحوا على نحو وافٍ لمدة عشر دقائق بعد أدائهم مهمةً تعليمية، فإن المعلومات المستقطبة حديثًا تُرسخ على نحو ملحوظ في الذاكرة -خاصةً قدرتهم على تذكر أدق التفاصيل وتمييزهم بين ما تعلموه من محتوى مشابه- بصورة أفضل بكثير مما يحدث لدى الناس الذين لا يستريحون ويشرعون مباشرةً في المهمة التالية.

تعكس هذه النتيجة، إلى جانب الكثير من الأعمال ذات الصلة -على الإنسان والحيوان- استنتاجًا مشتركًا مفاده أن حرمان المرء من الراحة بعد التعلم يسفر عن ضعف في الحفظ، وحدوث الاستذكار الخاطئ، والإخفاق في التعلم من أخطاء الماضي. يقول كريج: «يبدو أن نشاطاتنا اليومية تسهم في تحديد مصير الذكريات الحديثة».

ولو أننا استقطبنا المعلومات الحديثة بصورة مستمرة نسبيًا، من دون أخذ قسط من الراحة التي كانت تُعَد سمةً من سمات الحياة، فهذا قد يؤثر سلبًا على قدرتنا على تكوين وتثبيت الذكريات الجديدة.

بغض النظر عن كل هذه المخاوف، تكشف بحوث الذاكرة أيضًا عن أن «تحيز الحداثة» -تحيز معرفي يدفع الأفراد إلى إعطاء أهمية أكبر للأحداث أو المعلومات الحديثة الأخيرة مقارنة بالمعلومات القديمة أو التاريخية، لاعتقادهم الخاطئ بأنها أكثر صلة بالمستقبل- من المحتمل أن يشكِّل عواقب لدى الذين يُسارعون إلى الأجهزة فور حصولهم على لحظة صفاء، فبحسب براد فايفر «Brad Pfeiffer»، عالم الأعصاب في كلية الطب بجامعة تكساس ساوث وسترن، تميل بعض العمليات التي تسهم في الاحتفاظ بالمعلومات الحديثة إلى أن تعطي الأولوية لكل ما نصادفه مؤخرًا.

«إذن دعنا نقول إنك كلما انتهيت من دراستك ثم أمسكت هاتفك وتصفحت التيك توك»، بحسب كلامه، «فإن كانت هذه المقاطع آخر شيء شاهدته قبل الاسترخاء، فيُحتمل أن يُعيد الدماغ عرضها وتخزينها بدلًا من واجبك أو أيٍّ مما كنت تقوم به قبل إمساكك بالهاتف».

دليل الاسترخاء الذكي.. ليس مجرد نوم أو تأمل

مع أن البحوث تشير إلى أن أخذ راحة ذهنية قصيرة -خاصةً بعد التعلم أو خوض تجربة مهمة- يعزز ذاكرتك وعددًا كبيرًا من وظائفها الحيوية، فإن الخبراء بيَّنوا عدم وضوح مقدار الراحة الأفضل للمرء، أو شكل هذه الراحة المطلوبة.

حتى الآن، استنتجت الدراسات أن 10-20 دقيقة من الهدوء في عزلة مع إغلاق العينين، تصقل ذاكرة المرء لكل ما صادفه من معلومات حديثة، لكن لكريج رأي آخر؛ فيقول: حتى لو كانت «أوقات الراحة القصيرة» أشد قصرًا من ذلك، أي بضع دقائق أو حتى ثوانٍ، فمن المحتمل أن يعطي ذلك المفعول ذاته.

علاوة على ذلك، فصحيحٌ أن الباحثين قد درسوا ودوَّنوا تأثيرات الجلوس والاضطجاع في مكان هادئ، لكن توجد أدلة تبين أن أنشطتنا وأعمالنا الروتينية التي لا تتطلب قدرة ذهنية عالية -على سبيل المثال: طي الملابس، أو التنزُّه على الأقدام- قد توفر للدماغ ما يحتاجه من أوقات الراحة الخالية من المحفزات أو منخفضة المحفزات، لترسيخ ما تعلمه.

توضِّح وامسلي أن أنواع الأنشطة التي تعزز معالجة المعلومات وتوطيد الذكريات تختلف في الغالب من شخص لآخر، وعلى أساس ما يدور في أذهانهم، فتشرح: «عند تصفح الناس لمواقع التواصل الاجتماعي بغية الهروب من التفكير المفرط أو الضغوط، وهم بالكاد يعيرون انتباهًا لما يتصفحونه، فهذا غالبًا يتوافق مع عملية توطيد الذاكرة التي يجريها الدماغ»، لكن من جهة أخرى، فإن التأمل، وحل المشكلات، وغيرها من المهام الذهنية التي تتطلب قدرًا من التركيز والجهد المحسوب، تتعارض مع عملية توطيد الذاكرة خارج دائرة الانشغال «أي بعد الدراسة أو العمل»، بحسب قولها.

الراحة ليست مضيعة للوقت.. الجودة أهم من الكمية

الخلاصة، أن منح الراحة للدماغ لا يكون فقط عبر عدم الانخراط في المحتوى المحفز، بل أيضًا عبر تجنب الواجبات الذهنية التي يمارسها الناس في أوقات الفراغ بغية تطوير أنفسهم أو زيادة إنتاجيتهم لتكون أشد فعالية.

وبحسب كلام وامسلي: «في ثقافة العمل لدينا على مدار أيام الأسبوع، التي يواصل فيها الناس أداء أعمالٍ شاقة باستمرار، يدفع هذا الناس إلى النظر إلى أي شكل من أشكال الراحة على أنه مضيعةٌ للوقت»، «وهذهِ نظرةٌ خادعةٌ».

يؤيد كريج هذا الرأي، فيقول: «إذا كان المرء في انشغال دائم وعقله في نشاط مستمر، فنحن نعلم أن هذا سينعكس سلبًا على التعلم والتذكر»، «فالجودة أفضل من الكمية».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.