في عتمة الليل، وحين تضيق المذاهب وتتراكم الهموم كالجبال على كاهل الإنسان، لا يجد القلب المكلوم ملاذًا أرحب من الكلمة الصادقة ليبثها شكواه. تعكس هذه الأبيات الفياضة تجربة شعورية وإنسانية فريدة، يمتزج فيها أنين الروح بمرارة الاغتراب، وتتصادم فيها عبرات الحزن الساخنة مع نار الشوق والوجد.
إنها ليست أبيات للقراءة فقط، بل هي مرآة لقلب يذوب ألمًا وينكسر دهرًا، لكنه رغم كل هذا الشجن يرفض الاستسلام لليأس، باحثًا عن بارقة أمل في الظلماء، ومعتصمًا بحبل الله الذي لا ينفصم.
أنين الروح
جَفَّتْ دُمُوعِي وَنَارُ الحُزْنِ تَشْتَعِلُ ... وَالشَّوْقُ فِي غُصَصِ الأَيَّامِ يَعْتَمِلُ
يَا لَيْلُ طُلْتَ وَمَا لِلفَجْرِ مِنْ أَمَلٍ ... كَأَنَّ صُبْحِيَ بِالأَشْجَانِ مُكْتَحِلُ
قَلْبِي يَذُوبُ وَإِنْ أَبْدَيْتُ خَافِيَةً ... مِنَ السُّرُورِ، فَفِي أَعْمَاقِيَ العِلَلُ
أَسِيرُ فِي الدَّرْبِ وَالأَوْهَامُ تُثْقِلُنِي ... كَأَنَّنِي جَبَلٌ بِالهَمِّ مُشْتَمِلُ
مَا لِي أَرَى الدَّرْبَ مَهْجُورًا وَمُغْتَرِبًا ... كَأَنَّ كُلَّ حَبِيبٍ خَانَهُ الأَجَلُ؟
يَا حَازِنَ النَّفْسِ قَدْ ضَاقَتْ مَذَاهِبُنَا ... لَكِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الضِّيقِ يَبْتَهِلُ
أَقُولُ لِلنَّفْسِ وَالأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... جُودِي بِصَبْرٍ عَسَى الأَحْزَانُ تَرْتَحِلُ
مَا زِلْتُ أَرْقُبُ فِي الظَّلْمَاءِ بَارِقَةً ... وَالعُمْرُ يَمْضِي وَحَبْلُ الوَصْلِ مُنْفَصِلُ
طَافَ الخَيَالُ بِأَيَّامٍ لَنَا سَلَفَتْ ... فَأَمْطَرَتْ سُحُبٌ فِي الخَدِّ تَنْهَمِلُ
كَمْ غَصَّةٍ فِي حَنَايَا الرُّوحِ أَوْدَعَهَا ... دَهْرٌ عَنِ العَدْلِ وَالإِنْصَافِ يَعْتَزِلُ
أَبِيتُ وَالسَّهْدُ يُضْنِي كُلَّ جَارِحَةٍ ... كَأَنَّ طَرْفِيَ بِالعَبَرَاتِ يَكْتَحِلُ
لا النَّوْمُ يَقْرَبُ مِنْ عَيْنِي فَيُرِيحُهَا ... وَلَا الهُمُومُ عَنِ الأَعْقَابِ تَنْتَقِلُ
يَا دَهْرُ رِفْقًا بِقَلْبٍ بَاتَ مُنْكَسِرًا ... لَمْ يَبْقَ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ مُتَّكَلُ
صَبْرِي تَوَلَّى وَنَارُ الوَجْدِ مُوقَدَةٌ ... وَالعَقْلُ فِي حَيْرَةِ الأَفْكَارِ مُشْتَغِلُ
رَأَيْتُ كُلَّ مَلَاذٍ غَاضَ مَنْبَعُهُ ... وَكُلَّ حِصْنٍ بِنَاهُ الخَوْفُ يَنْخَذِلُ
كَتَمْتُ حُزْنِي عَنِ العُذَّالِ مَفْخَرَةً ... حَتَّى بَدَتْ أَعْظُمِي بِالهَمِّ تَنْتَحِلُ
أَسِيرُ بَيْنَ وُجُوهِ النَّاسِ مُغْتَرِبًا ... لَا الدَّارُ دَارِي وَلَا الأَصْحَابُ مَنْ وَصَلُوا
يَا أَيُّهَا الطَّائِرُ البَاكِي عَلَى فَنَنٍ ... نُحْ عَالِيًا فَمَدَارُ الحُزْنِ مُتَّصِلُ
شَكْوَاكَ شَكْوَايَ إِلَّا أَنَّ بِي أَلَمًا ... مِثْلَ السُّعَارِ بِقَعْرِ الرُّوحِ يَشْتَعِلُ
أَرْنُو إِلَى الأُفُقِ المَهْجُورِ فِي طَلَبٍ ... لِعَالَمٍ لَيْسَ فِيهِ اليَأْسُ وَالوَجَلُ
تَمُرُّ نَسْمَةُ صَبْحٍ كَيْ تُعَزِّيَنِي ... فَيَشْرَقُ الدَّمْعُ وَالأَنْفَاسُ تَخْتَنِلُ
إِنَّ الحَيَاةَ كِتَابٌ كُلُّ صَفْحَتِهِ ... غَمٌّ يَسِيلُ وَأَقْدَارٌ لَهَا عَرَجُ
وَمَا نَفَعْتُ مَلَامِي فِي تَقَلُّبِهَا ... فَاللَّوْحُ جَفَّ وَهَذِي السُّحْبُ تَنْتَقِلُ
وَكُلُّ نَفْسٍ سَتَلْقَى مَا أُتِيحَ لَهَا ... فَلَا الفِرَارُ يُنَجِّي مَنْ بِهِ وَجَلُ
فَاصْفَحْ عَنِ العُمْرِ إِنْ شَابَتْ بَشَاشَتُهُ ... فَالمُرُّ يَمْضِي وَحُلْوُ العَيْشِ يَتَّصِلُ
لَكِنَّنِي رَغْمَ جُرْحِ القَلْبِ مُعْتَصِمٌ ... بِالمُسْتَعَانِ فَإِنَّ الكَرْبَ يَنْفَصِلُ
وَلَنْ أُمَلِّكَ هَذَا الوَجْدَ نَاصِيَتِي ... مَا دَامَ فِي صَدْرِيَ الإِيمَانُ يَعْتَدِلُ
خَتَمْتُ شِعْرِي بِأَسْحَارٍ مُبَارَكَةٍ ... فَاللَّهُ أَكْبَرُ وَالآَمَالُ تَبْتَهِلُ
في نهاية المطاف، تنجلي سحب الشجن في القصيدة عن حقيقة إيمانية راسخة؛ فالكتابة التي بدأت بدموع جافة ونار تشتعل، انتهت بأسحار مباركة ودعوات تبتهل. لقد استطاعت الشاعرة أن تحول وجعها الذاتي إلى لوحة كونية تشرح طبيعة الحياة وتقلباتها، مؤكدة أن مر العيش سيمضي وأن الكرب -مهما عظم- سينفصل.
يبقى الإيمان المعتدل في الصدر هو البوصلة التي تحمي النفس من الانكسار التام، لتعود الروح وتحلق من جديد فوق آلامها، مرددة في يقين: «فالله أكبر والآمال تبتهل».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.