أنيس عبيد: رائد نرجمة الأفلام في الشرق الأوسط

لم تكن شاشة السينما في بداياتها تنطق بالعربية للأفلام الأجنبية، بل كان المشاهد يعتمد على «المفهماتي» أو الاجتهادات الشخصية، حتى ظهر الشاب المصري الذي غير وجه الثقافة السينمائية في الشرق الأوسط. أنيس عبيد، الاسم الذي ارتبط في أذهان الأجيال بمتعة المشاهدة ودقة العبارة والحفاظ على الذوق العام، الذي صنع جسرًا حضاريًا لنقل إبداعات السينما العالمية إلى قلب البيت العربي.

البداية والشغف السينمائي

البداية كانت مع شاب مصري يعشق الذهاب إلى السينما مع أصدقائه، وخاصة الأفلام الأجنبية، وكان وقتها توجد سينمات يعرض ثلاثة أفلام، وكان حينها يؤدي دورًا أقوى من المفهماتي، وهو ترجمة حرفية لما يقوله الممثلون، نظرًا لإتقانه اللغة الإنجليزية والفرنسية، ولكن كان ذلك يفقده كثيرًا من المتعة، حتى وصل الحال بأصدقائه إلى الاعتماد عليه في الذهاب إلى السينما، ولا يذهبون إلا مع صديقهم المفضل أنيس عبيد.

المسيرة المهنية: من الهندسة إلى «عاصمة النور»

كان أنيس عبيد من أسرة راقية بمصر، وكان طالبًا في كلية الهندسة حتى أتم دراساته الجامعية، وسافر إلى باريس لعمل دراسات عليا في مجال الهندسة، وهناك في عاصمة النور قادته الصدفة إلى إعلان لتدريب ودراسة دمج الترجمة المكتوبة للأفلام، وكان الهدف منها دعم الأفلام العلمية، ولوعيه الشديد بأهمية الترجمة، التحق بالتدريب وترك دراساته العليا في الهندسة.

كان أنيس عبيد من أسرة راقية بمصر، وكان طالبًا في كلية الهندسة

لتأتي الصدفة التالية، وهي مقابلة الفنان والمطرب المصري محمد عبد الوهاب في أثناء تصوير فيلم «الوردة البيضاء»، وقد ظهر معه في مشهد صغير نظير أجر، لأن الأحوال المادية لم تكن على ما يرام، إذ بدأ سعر الجنيه المصري في الانخفاض.

العودة وميلاد الترجمة المكتوبة

وبعد أن أتم دراسة الترجمة، عاد إلى مصر وبدأ ينفذ فكرة وضع ترجمة على الأفلام الأجنبية، لكن لم يهتم أحد بالفكرة لصعوبة تنفيذها، ما عدا جريدة الأهرام التي تبنتها من منطلق احترام لغة البلاد، وترجم فيلم «روميو وجولييت»، فنجح نجاحًا مبهِرًا.

وكانت الترجمة وقتها تقوم على عمل سكريبت أو سيناريو يُقسَّم إلى جمل، وتُكتب كل جملة على الشاشة حسب ترجمتها، وكان ذلك بالطبع أمرًا شاقًا، ثم صدر قرار من الحكومة سنة 1946 بضرورة وضع ترجمة على الأفلام، وهو ما أتاح لأنيس العمل بصورة أوسع، وأدى إلى طفرة في سوق السينما المحلية، كما أتاح لكثير من الناس مشاهدة الأفلام الأجنبية والإقبال عليها.

فلسفة الترجمة: «تبًّا لك»!

والترجمة ليست عملية آلية تنقل الكلمات من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما هي إحساس ووعي وفهم بما تستطيع أن تترجمه بما يناسب تقاليد وعادات بلدك، والألفاظ التي تلائم طبيعة المجتمع. لذلك، عندما كان يوجد لفظ خارج أو نوع من أنواع السب والشتم، كان أنيس عبيد يترجمها إلى «تبًّا» و«سحقًا» و«وغد»، ويُنسب له الفضل في إدخال هذه الكلمات، حتى إنه قال عبارته الشهيرة: «نجاح الترجمة هو في عدم الإحساس بها»، ثم شارك منتجًا لبنانيًا، وأسسا معًا شركة في لبنان باسم «خوري وعبيد»، لكنهما انفصلا سريعًا.

الترجمة ليست عملية آلية تنقل الكلمات من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما هي إحساس ووعي وفهم

نقطة التحول والابتكار التقني

وفي الستينيات، اخترع ماكينة لأفلام بمقاس 16 مل، في وقت بدأت فيه الأفلام تُسجل على شرائط بهذا المقاس، وقد عُرضت هذه الماكينة في المعرض الصناعي، فأشاد بها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لدقتها. وهنا يتضح أن أنيس عبيد لم يكن شخصية عادية، بل كان رجلًا يمتلك وعيًا كبيرًا بأهمية الترجمة ومدى الاحتياج لها في وقته، وهو أول من أسس مهنة الترجمة في الشرق الأوسط، فكان المؤسس والرائد، وكل من جاء بعده سار على طريقته وأسلوبه.

وبجانب إتقانه اللغتين الإنجليزية والفرنسية، كان متمكنًا من اللغة العربية الفصحى، لأنها اللغة التي تُترجم إليها، فكان حافظًا لنصف القرآن الكريم، رغم أن ديانة أنيس عبيد هي المسيحية، وكان يؤكد لأبنائه ضرورة تعلم العربية وإتقانها من خلال القرآن الكريم، لذلك اتسمت ترجماته بالدقة اللغوية والإملائية، وكان يؤمن بأن الصورة مهمة، وأن الترجمة يجب أن تكون ملازمة لها.

إرثه وأعماله الخالدة

لولا المترجم أنيس عبيد لما استطاع أحد في الوطن العربي مشاهدة الأفلام الأجنبية، فهو الذي فتح الباب للملايين للاستمتاع بالأفلام والحلقات الأجنبية. ولم يكتفِ بذلك، فعندما سافر المنتج المصري بديع صبحي إلى الهند وجلب أفلامًا لعرضها في مصر، كانت مخاطرة كبيرة، إذ لم يكن يعلم مدى تقبل الجمهور لها، لكنه أسند ترجمتها إلى معمل أنيس عبيد.

ورغم وجود سكريبت مترجم إلى الإنجليزية، لم يكتفِ بذلك، بل عيَّن مترجمًا هنديًّا لترجمة الأفلام مباشرة من الهندية إلى العربية، حرصًا على الدقة، ونتيجة لذلك، حققت الأفلام الهندية في مصر نجاحًا مبهِرًا، حتى أثرت في سوق وإيرادات الفيلم المصري، وكانت نقطة تحول في مسيرته. 

كما أسند إليه المخرج يوسف شاهين ترجمة أفلامه إلى الإنجليزية والفرنسية، ثم أصبح أنيس عبيد المصدر الأساسي للتليفزيون المصري في ترجمة الأفلام والمسلسلات الأجنبية، فكانت تُطبع الترجمات في معمل أنيس عبيد للترجمة بمنطقة وسط البلد، لتبقى الجملة الأشهر في نهاية كل فيلم: «تمت الترجمة بمعامل أنيس عبيد» أو «طُبعت الترجمة بمعامل أنيس عبيد».

رحل أنيس عبيد وترك خلفه مدرسة عريقة في فن الترجمة، حولت الشاشة الفضية من صور متحركة بلغات غريبة إلى تجارب إنسانية مفهومة ومؤثرة، وسيظل اسمه محفورًا في ذاكرة السينما بصفته الرائد الذي لم يكتفِ بنقل الكلمات، بل نقل الثقافات بروح المبدع وعين المهندس.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة