أسرار الدماغ: كيف تؤثر الصدمات والحوادث على الذاكرة؟

يُعد الدماغ البشري لغزًا عظيمًا، فهو المحرك الصامت الذي يدير تفاصيل حياتنا بدقة فائقة، ولا تقتصر وظيفة هذا العضو الفريد على توجيه الحركة فحسب، بل تمتد لتشمل بناء الذاكرة التي هي جوهر الوجود الإنساني. في هذا المقال، سنغوص في أعماق الدماغ لنستكشف أنواع الذاكرة عند الإنسان، وتأثير الصدمات في الذاكرة، وما هي العوائق التي قد تعترض طريقنا، وكيف يمكننا تطويع قدراتنا الذهنية لنمتلك ذاكرة أقوى.

تعتمد الذاكرة على عمل الحُصين واللوزة الدماغية في الدماغ لترميز المعلومات وتخزينها واسترجاعها، ويمكن تحسينها بزيادة وقت المذاكرة واستخدام التدريب المتقطع وتشفير المعلومات بصريًا ولفظيًا معًا.

الدماغ البشري: مركز القيادة

الدماغ هو العضو الأكثر تعقيدًا في جسم الإنسان، فهو الجهاز المركزي الذي يدير كل شاردة وواردة، من أبسط الحركات الإرادية إلى أعقد العمليات الذهنية. والدماغ هو الجزء الرئيسي من الجهاز العصبي المركزي، يقع داخل الجمجمة التي توفر له حماية كاملة، ويتكون من مليارات الخلايا العصبية التي تتواصل فيما بينها عبر نبضات كهربائية وإشارات كيميائية، ليعمل كجهاز كمبيوتر بيولوجي فائق السرعة.

الدماغ هو العضو الأكثر تعقيدًا في جسم الإنسان

ينقسم الدماغ إلى 4 أجزاء رئيسة:

  1. جبهي.
  2. صدغي.
  3. جداري.
  4. قذالي.

ويُعد الفص الصدغي هو الجزء المسؤول عن الذكريات وتخزينها في الذاكرة طويلة المدى، بالإضافة إلى استقرار الحالة المزاجية.

وهناك هيكل بحجم الإبهام داخل كل فص صدغي يُطلق عليه الحصين hippocampus. في فيلم 50 First Dates تتعرض «لوسي» لحادث سيارة خطير أدى إلى تضرر منطقة الحصين لديها؛ وبناء عليه في كل مساء عندما تخلد للنوم تنمحي ذكريات اليوم السابق؛ ما يجعلنا ندرك أنه دون هذا الهيكل لا يمكنك تخزين معلومات أو تجارب جديدة.

وأمام منطقة الحصين يوجد هيكل بالغ الأهمية يسمى اللوزة الدماغية amygdala، هذا الجزء يسمح لنا بالترميز العاطفي للذكريات، ويساعدنا على التعلم من التجارب السابقة وتجنبها في المستقبل.

الذاكرة البشرية: المستودع الخفي للهوية والمعرفة

تعد الذاكرة واحدة من أعظم الألغاز التي ميز بها الخالق العقل البشري، فهي ليست مجرد مخزن للمعلومات، بل هي خيط متين يربط ماضي الإنسان بحاضره، ويشكل جوهر هويته وشخصيته.

ما هي الذاكرة؟

الذاكرة هي قدرة الدماغ على استقبال المعلومات من العالم الخارجي، ثم ترميزها وتخزينها، واسترجاعها عند الحاجة إليها، فهي عملية معقدة تشترك فيها مناطق متعددة في الدماغ، أبرزها الحصين والقشرة المخية.

الذاكرة هي قدرة الدماغ على استقبال المعلومات من العالم الخارجي

مراحل عمل الذاكرة

تمر المعلومة بثلاث مراحل أساسية حتى تصبح جزءًا من وعينا:

  1. الترميز: تحويل الحوافز الحسية (بصرية أو سمعية) إلى لغة يفهمها الدماغ.
  2. التخزين: الاحتفاظ بالمعلومات لفترات زمنية متفاوتة.
  3. الاسترجاع: القدرة على الوصول إلى المعلومة المخزنة وإعادة استخدامها بشكل فعال.

أنواع الذاكرة عند الإنسان

يصنف علماء النفس والأعصاب الذاكرة إلى ثلاثة أنواع رئيسة:

  1. الذاكرة الحسية: تستمر لثوانٍ معدودة، وتستقبل المعلومات عبر الحواس الخمس، وتعمل كمصفاة أولية.
  2. الذاكرة قصيرة المدى (الذاكرة العاملة): هي التي نستخدمها في المهام اليومية السريعة، مثل تذكر رقم هاتف لمدة دقيقة، وقدرتها الاستيعابية محدودة جدًا.
  3. الذاكرة طويلة المدى: هي المخزن العميق الذي يحتفظ بالذكريات الشخصية، والمهارات الحركية، والمعارف العامة لسنوات طويلة.

تأثير الصدمة في الذاكرة: كيف يحمي العقل نفسه من الصدمات؟

شاهدت في الآونة الأخيرة فيلم saiyaara، وفيه «فاني» فتاة تحب كتابة الشعر وتحب خطيبها بشدة، ولكنها فوجئت بأنه تركها يوم زفافها من أجل الزواج بفتاة ثرية طمعًا في مالها؛ ما تسبب بصدمة شديدة لفاني.

وتمر السنون وتقع فاني في حب شاب طموح اسمه «كريش» يريد أن يكون مغنيًا مشهورًا فتساعده فاني على كتابة كلمات أغانيه. وفي إحدى حفلاته تفاجأ بخطيبها السابق وهو مدير لشركة الأغاني.

الغريب في الأمر أنها ذهبت إليه وتعاملت معه وكأن شيئًا لم يحدث لها بسببه، وكأن عقلها أقصى يوم رحيله عنها والأحداث التي تلت ذلك حماية لها من الصدمة التي تلقتها؛ ما أدى إلى تدهور ذاكرتها في أحداث الفيلم.

فعند استرجاع أحداث مزعجة في عقولنا مثل خطأ محرج في العمل أو تجربة صادمة بشدة تؤثر فينا يعمل المخ تلقائيًا على إقصاء هذه المعلومات من عقولنا حماية لنا؛ ما يؤدي إلى نسيان أحداث معينة من الذاكرة.

عند استرجاع أحداث مزعجة في عقولنا يعمل المخ تلقائيًا على إقصاء هذه المعلومات

عوائق التذكر: أثر المحيط على كفاءة استرجاع المعلومات

رغم كفاءة العقل البشري، لكن توجد عوامل متعددة قد تعمل كحائط صد يمنع المعلومة من الوصول إلى الوعي، مما يؤدي إلى ما نسميه بالنسيان أو تشتت الذاكرة.

1- الاستدعاء الحر والاستدعاء التلميحي

الاستدعاء هو عندما نكون بصدد محاولة تذكر حدث معين. ويوجد نوعان من الاستدعاء هما الاستدعاء الحر وفيه نحاول تذكر حدث دون وجود أي تلميحات، مثل الزمان (كالأمس أو يوم الاثنين) أو مكان (كالسينما). والنوع الثاني هو الاستدعاء التلميحي، ويحدث هذا كثيرًا خاصة في وقت الامتحانات. فواضعو الأسئلة يحرصون على وضع تلميحات للطالب في الأسئلة لتكون الإجابة بنعم أو لا.

2- تأثير السياق في الاسترجاع والتعرف

أخذ العالمان جودين وبادلي مجموعة من الغواصين، وطلبا منهم حفظ معلومات معينة تحت الماء، وعند خروجهم على اليابس طلبا منهم تذكرها، لكن واجه الغواصون صعوبة في تذكر المعلومات، في حين عندما طُلب منهم تذكرها تحت الماء استطاعوا بكل سهولة استرجاع المعلومات وتذكرها.

أثبتت الدراسة أنه إذا كان سياق تشفير المعلومات هو سياق تذكرها نفسه يسهل عندئذ تذكر معلومات أكثر عما إذا كان سياق التشفير مختلفًا عن سياق الاسترجاع.

المرونة العصبية: هل نستطيع تحسين ذاكرتنا؟

نعم نستطيع تحسين ذاكرتنا، عن طريق:

1- فرضية الوقت الكلي: وهو أن نقضي وقتًا أطول في حفظ أو تشفير المعلومة. فإذا كنا نقضي 15 دقيقة لحفظ أسئلة بعينها يُفضل قضاء 30 دقيقة من أجل سهولة الاستدعاء بعد ذلك.

2- تأثير التدريب المتقطع أو ما يعرف بـ Pomodoro Technique وفيه نحفظ الأسئلة على فترات متقطعة. أثبت الأبحاث أن محاولة حفظ المعلومات وتشفيرها داخل الذاكرة على فترات متباعدة أفضل من محاولة حفظها على مرة واحدة، أي التركيز على حفظ المعلومات خلال 25 دقيقة وأخذ فترة راحة 5 دقائق أفضل من محاولة حفظها خلال 30 دقيقة.

3- تشفير المعلومات لفظيًا وبصريًا معًا. فعند سماع الأغنية يفضل وجود كلمات الأغنية معك لتشغيل حاستي السمع والبصر من أجل نتائج أفضل في الحفظ على المدى البعيد، وهو ما يتبعه المغنون عندما يسجلون أغنية.

 

4- شفرة الإطالة، وهي محاول وضع اختصارات لكلمات نريد حفظها في صورة كلمات مألوفة لدينا. مثال جملة Richard Of York Gave Battle In Vain التي تساعدنا في تذكر ألوان قوس قزح بمطابقة الحرف الأول من كل كلمة Red, Orange, Yellow, Green, Blue, Indigo, Violet.

ختامًا، تظل الذاكرة البشرية مستودعًا خفيًا يحفظ لنا ملامح حياتنا، ورغم ما قد يواجهها من عوائق أو صدمات، فإن العلم أثبت أننا نملك زمام المبادرة لتطويرها، فقط إذا فهمنا آليات عمل الدماغ، واستخدمنا تقنيات علمية مجربة، تجعلنا أكثر قدرة على استثمار هذا الكنز الإلهي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة