لماذا يكون الأطفال أكثر انضباطًا وتأديبًا في وجود الأدب؟

يتكرر هذا السؤال على لسان كثير من الأمهات: «لماذا ينضبط أطفالي فور دخول والدهم؟». في غياب الأب، يسود العناد والمشاغبة، وفي حضوره يظهر الهدوء والالتزام. هذا التحول السلوكي ليس مصادفة، بل نتيجة لعوامل نفسية وتربوية وثقافية متعددة.

في هذا المقال، نحلل الظاهرة من جذورها ونكشف الأسباب التي تجعل الطفل يختلف سلوكه باختلاف الحضور الوالدي.

قد يكون هذا السؤال هو أكثر الأسئلة التي تتكرر على لسان الأمهات، لا سيما في مرحلة التربية الأولى، إذ يرفض الأبناء اتباع القواعد ويتصفون بالعصيان والتمرد والعناد على مدار اليوم، في حين يلتزمون إلى حدٍّ كبير في حضور الآباء، وهو ما يُعد تحولًا كبيرًا يجعل الأم في حيرة من أمرها ويدفعها إلى ترديد هذا السؤال.

فهل ينضبط الأطفال حقًّا في وجود الأب؟

في الحقيقة، تُعد هذه المسألة مسار بحث ونقاش ودراسة في عدد من المراكز على مستوى العالم، وهو ما دفع مؤسسة «فاذر ماذر» إلى إجراء دراسة موسعة في جامعة كونيتكت، إذ أجروا مقابلات مع عدد من الآباء والأمهات الذين أكدوا أن هذا السؤال يشغل بالهم. والأهم من ذلك، أنهم قالوا إن تأثير الأب ينسحب إلى أمور عدة في مرحلة التربية مقارنة بتأثير الأم على الأبناء على مستوى السلوك والانضباط والطاعة.

إضافةً إلى مسألة الانضباط السلوكي، فإن الأطفال يميلون أكثر إلى الاهتمام بالأمور التي يقوم بها الأب، وكذلك يستمعون بتركيز كبير إلى الحوارات والنقاشات والمحادثات من جهة الأب أكثر من الأم. لذا فإن الأمر يؤثر في سلوكهم مع الوقت، وهو ما يأخذنا إلى الإجابة عن السؤال وشرح المسألة في نقاط عدة.

سلوك الأطفال في وجود الأب

أسباب تحسن سلوك الأطفال في وجود الأب

على الرغم من أن عددًا من الأسباب والدوافع التي تجعل الأبناء يتصرفون بصورة أفضل في وجود الأب؛ فإننا نحاول الإشارة إلى أهم الأسباب التي يشترك فيها الجميع التي تتطابق إلى حدٍّ كبير مع ظروف التربية في المجتمعات العربية، وهي كالتالي:

أسلوب التربية

عامة وفي المجتمعات العربية بوجه خاص، يختلف أسلوب التعامل والتربية بين الآباء والأمهات، فتميل الأمهات غالبًا إلى التراجع وترك العقاب والتفاوض مع الأطفال، وإعطائهم أكثر من مهلة، والسماح لهم بارتكاب الأخطاء، وهو ما يجعل الأطفال أقل التزامًا؛ لأنهم يتكيفون مع الوقت مع أسلوب الأم، ويعرفون أنها في النهاية سترغب في إنهاء الإزعاج والوصول إلى حل يسير.

وفي المقابل، فإن معظم الآباء يتبعون أساليب صارمة في العقاب، إضافة إلى اتجاههم لحل المشكلات مباشرة دون منح الأطفال مساحة كبيرة للتفاوض. لذا فإن الطفل يعرف أن المشكلة ليست في مصلحته وأنه غالبًا سيُعاقب، وهو ما يدفعه إلى تجنب إثارة غضب الأب أو الوقوع في أي مشكلة في أثناء وجوده. وبذلك، يلتزم بالحدود ويبدو هادئًا ولطيفًا في وجود أبيه، وهو ما يدفع الأمهات إلى الجنون أحيانًا.

أسلوب الأب في العقاب

قضاء الوقت

تُعد مسألة قضاء الوقت من أهم المسائل التي تصنع فرقًا كبيرًا بين استجابة الأبناء للآباء أو الأمهات. فمن الطبيعي أن يقضي الأطفال وقتًا أطول مع الأمهات، وهو ما يجعل الطفل قادرًا على التعرف على نقاط ضعف الأم ومعرفة أي الأمور التي تؤثر فيها عاطفيًّا، إضافة إلى الانشغال الكبير نتيجة المسؤوليات المتعددة. وبذلك، يفهم الطفل بسرعة الحالة النفسية التي تكون عليها الأم، ويعرف كيف أنها ستحاول إنهاء حالة العصيان والعناد بإرضائه، وهو ما يستغلّه في كل مرة.

أما الأب، فهو غالبًا ما يقضي وقتًا قصيرًا في البيت نتيجة الانشغال، ولا سيما في المجتمعات العربية. لذا فإن الأبناء يعدون الأب في معظم الأحيان ضيفًا يجب التعامل معه بحرص وتحمله، وعدم التصرف في وجوده بطريقة غير محببة، فلا يكون الأطفال على طبيعتهم الكاملة في وجود الأب إلى أن يخرج من البيت ويعودون إلى ممارسة السلوك المحبب لديهم.

الأب ضيف في المنزل

تأثير لغة الجسد

يُعد تأثير لغة الجسد من الأسس المهمة والعميقة فيما يخص تأثر الأبناء بالأب على مستوى السلوك أكثر من الأم، إذ يتأثر الأطفال بتفاعلاتهم مع البالغين من طريق «الخلايا العصبية المرآتية» وهي المسؤولة عن الاستجابة.

وعندما يجد الطفل أحد والديه عابسًا أو مبتسمًا، فإنه يستجيب غالبًا بالمشاعر نفسها. فعند الابتسامة، يشعر الطفل بنفسه متحمسًا ومرتاحًا، وعند العبوس يشعر الطفل بالانزعاج ولا يشعر بالراحة. وبذلك، يميل الأطفال إلى تقليد التفاعلات اليومية التي تمر أمامهم، وهو ما يجعل الطفل يبدو أقل انضباطًا مع قضائه وقتًا طويلًا بصحبة الأم التي تستنفد طاقتها خلال اليوم وتبدو مرهقة وعصبية ومتوترة في كثير من الأحيان.

تأثر الابن بسلوك الأب

ومن ناحية أخرى، يتعامل الطفل مع الأب في أوقات راحة الأب من الضغوط وفي أثناء وجوده في المنزل للاسترخاء، لذا فإن تعبيرات الهدوء والارتياح والاسترخاء في لغة جسد الأب تؤثر في الأبناء، وهو ما يجعل تأثير الأب في هذه الحالات أكبر من تأثير الأم.

الحدود الآمنة

من أهم الأمور التي تجعل الأبناء أقل انضباطًا في حضور الأم عنها في وجود الأب هي مسألة التعلُّق الآمن، إذ يرى معظم الأبناء أن الأم هي الملاذ الآمن لهم التي تستطيع بطبيعتها استيعاب الطفل ومشاعره وفهم التفاصيل، إضافة إلى طبيعتها الحنونة التي تجعلها غالبًا تتراجع عن العقاب وفرض القواعد، وهو ما يجعل الطفل يشعر بالأمان والراحة في وجود الأم أكثر منها في وجود الأب، وبذلك فهو يجد نفسه أكثر شجاعة في ارتكاب الأخطاء وخرق القواعد.

أما في وجود الأب، فإن الأبناء يعرفون أن الأب غالبًا لا يخوض في التفاصيل، وإنما يتجه في معظم الأحيان إلى العقاب وحل المشكلة وتنفيذ القواعد، وهو ما يجعل الأطفال أكثر انضباطًا وأكثر خوفًا من التعبير عن أنفسهم.

الأب يعاقب مباشرة

وهو سلاح ذو حدّين، على الرغم من أنه يمنح الأب السيطرة والقدرة على قيادة الأسرة؛ فإنه يحتاج إلى كثير من الانفتاح على الأبناء والاستماع إليهم ومشاركتهم في وضع القواعد ومنحهم الحرية حسب درجة الوعي والتطوّر العمري.

كيف نصحح سلوك الأبناء؟

مع الإجابة عن السؤال الأول الذي يناقش سبب انضباط الأطفال في وجود الأب أكثر منه في وجود الأم، نأتي إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو كيف يمكن تصحيح سلوك هؤلاء الأبناء؟

من الأمور الأساسية لضبط سلوك الأبناء أن يكون التواصل فعّالًا بالحديث ومشاركة الأفكار والمشاعر بين أفراد الأسرة.

أهمية التواصل الفعال بين أفراد الأسرة

كذلك، يجب أن تخلق الأم مناخًا إيجابيًّا بتعزيز سلوكيات الطفل الجيدة، والثناء عليه، وتشجيعه، واللعب معه، ومنح الفرصة لممارسة الهوايات في أثناء وجودها بجانبه دون عصبية أو توتر.

من الأمور المهمة أيضًا أن تتخلص الأم من الضغوط والتوترات والعوامل التي تسبب لها الإرهاق، التي قد تكون سببًا في عدم قدرتها على التواصل مع أبنائها ولعب الدور الفعَّال في حياتهم في تلك المرحلة الحساسة.

وفي النهاية، يجب أن يطلب الآباء المساعدة من المتخصصين إذا استمر سلوك الطفل ووصل لحدٍّ مزعج، إذ يمكن الاستفادة من الجلسات العلاجية ومن آراء المتخصصين في علم النفس التربوي الذين يستطيعون فهم المشكلة وتقديم الحلول.

وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعمّ الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.