الأب أنستاس الكرملي صاحب المعجم المساعد ودوره في نهضة اللغة العربية

الأب أنستاس الكرملي فهو بطرس جبرائيل يوسف عواد، أحد أبرز حراس اللغة العربية فرسان الثقافة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، برز اسم الكرملي كونه أحد أهم اللغويين وصانعي الثقافة والفكر، قاوم الركاكة العثمانية والمد الغربي بتأسيس (مجلة لغة العرب) و(مجلس الأب أنستاس الكرملي) الذي شهد كبار علماء اللغة العربية والأعيان وأساطين اللغة ورواد الثقافة.

في هذا المقال نصحبك في جولة سريعة في حياة أنستاس ماري الكرملي؛ لنكتشف أهم محطاته في عالم الثقافة واللغة، في السطور التالية.

 المولد والنشأة

وُلد بطرس جبرائيل يوسف عواد الذي عُرف بعد ذلك باسم أنستاس ماري الكرملي يوم 5 أغسطس عام 1866 في مدينة بغداد، لأبٍ من أصول لبنانية وأم عراقية، ولأسرة تضم 9 أبناء بينهم 5 بنين و4 بنات.

تعلم الكرملي في مدينة بغداد، وأتم دراسته بمدرسة الآباء الكرمليين، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة الاتفاق الكاثوليكية التي حصل منها على الشهادة عام 1882، ليبدأ مسيرته العملية والعلمية معلمًا للغة العربية وهو في السادسة عشرة من عمره.

ثم سافر إلى بيروت بعد أربع سنوات ليعمل مدرسًا في كلية الآباء اليسوعيين، وهي المدة التي استغلها أنستاس الكرملي لإكمال دراسته في تعلم اللغات المختلفة، وعلى رأسها الفرنسية واليونانية واللاتينية، بجانب إتقانه اللغة العربية.

ومن أجل الحصول على مزيد من العلم والمعرفة والثقافة سافر أنستاس إلى بلجيكا، فالتحق بأحد الأديرة، وهناك حصل على لقب أنستاس ماري الكرملي، ثم أكمل رحلته في مدينة مونبلييه الفرنسية حيث درس الفلسفة واللاهوت، وغادرها إلى إسبانيا للتعرف على الثقافة و الآثار العربية والإسلامية هناك ليتشرب من تاريخ الثقافة العربية.

ومنها عاد إلى العراق ليطبيق العلوم والمعارف التي حصل عليها في رحلته التعليمية، فتولى مسؤولية الآباء الكرمليين في العراق بصفته أحد الرهبان الكرمليين وواحدًا من رواد النهضة العربية.

بطرس جبرائيل يوسف عواد الذي عُرف بعد ذلك باسم أنستاس ماري الكرملي

محطات مهمة في حياة أنستاس الكرملي

كان الأب أنستاس أحد فرسان اللغة العربية الكبار، وأحد رموز الثقافة العربية الحديثة في مشروعها التأسيسي بعد دخول الإنجليز العراق، وذلك بنضاله في الحفاظ على عروبة الثقافة ومقاومتها للمد الغربي من ناحية، والركاكة العثمانية التركية من ناحية أخرى.

كان الكرملي يحرص على اللغة العربية بعدِّها الهوية والتاريخ والمنطلق الثقافي اللساني، ضمن دور أنستاس الكرملي في الحفاظ على اللغة العربية.، رغم أنه كان يجيد كثيرًا من اللغات مثل اليونانية والإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية، وكان دائمًا يتحدث عن اللغة العربية باعتبارها جسر المقاومة والإدراك والوعي أمام التحديات التي تواجهها البلاد في تلك المرحلة الصعبة.

من هذا المنطلق عمل الأب الكرملي على معجمه الخاص الذي أطلق عليه (معجم المساعد) الذي تم تحقيقه بعد موته، وهو من أهم المعاجم التي حفظت اللغة ووظائفها وقامت على تشذيبها من الألفاظ والمفردات النافرة، وهو ما يعد مجهودًا كبيرًا، بجانب النشاطات الأخرى التي كان يمارسها الأب أنستاس الذي أكد في معجمه أن اللغة العربية هي لسان العرب في مناحي الحياة كافة.

أيضًا كانت مجلة لغة العرب إحدى المحطات المهمة في حياة أنستاس الكرملي، أصدرها عام 1911، وشاركت في صناعة حراك ثقافي كبير عن طريق استقطاب الأدباء والكتاب والباحثين في مجالات الثقافة واللغة.

وكان لها تأثير كبير في الحالة الثقافية العربية، وهو ما دعا مجمع اللغة العربية في القاهرة لاختيار الأب أنستاس الكرملي عضوًا فاعلًا، ثم تبعه المجمع اللغوي في دمشق، ومجمع اللغات الشرقية.

ثم كانت المحطة الأخرى التي أضاءت منطقة جديدة في مواهب ونشاطات الأب الكرملي، وهي إدارته تحرير صحيفة العرب التي صدرت عام 1917، وهي المعركة التي خاضها على الرغم من الجدل الكبير الذي ثار بسبب ارتباط صحيفة العرب بالتعاون مع الاحتلال الإنجليزي.

لكن أنستاس الكرملي استطاع أن يحشد الكُتاب والأدباء العراقيين والعرب للكتابة في الصحيفة، فحملت المقالات والأعمال الأدبية تنديدًا كبيرًا بالاستعمار، ونداءات قوية مطالبة بالتحرر الثقافي والعلمي والاجتماعي.

ولعل أبرز الأسماء التي شاركت الأب أنستاس الكرملي في معركته بالكتابة والمقالات والتأييد كل من عبد الفتاح إبراهيم، ومعروف الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، ويوسف غنيمة، وآخرون.

أيضًا لا نستطيع أن نتجاهل الصالون الثقافي الذي كان يطلق عليه (مجلس الأب أنستاس الكرملي) أو (مجلس الجمعة)، وكان يُقام أسبوعيًا في دير الآباء الكرمليين في مدينة بغداد.

وكان الصالون حدثًا ثقافيًا هائلًا يضم العلماء والأعيان والأدباء ورواد اللغة العربية وأصحاب الهامات العالية في الفكر والثقافة، بالنظر إلى تلك الفترة التاريخية التي كانت تعج بالتحديات في حين كانت شحيحة الإمكانات التي تسمح بالتفاعل الثقافي وقيام الأنشطة التي تجمع كل هؤلاء من أصحاب الفكر والعلم والثقافة.

مؤلفات أنستاس الكرملي

لم يكن اهتمام الأب أنستاس الكرملي باللغة العربية دفاعًا عن الأغراض النحوية أو الضوابط اللغوية الأكاديمية، وإنما كان الأمر متعلقًا بجوهر الثقافة العربية الذي يرتبط باللغة والتاريخ والوجود والهوية، وهو ما ظهر في كتابات ومؤلفات أنستاس الكرملي التي كانت بابًا للمعرفة والتنوير، وأداة للنضال والتحرر من الاستعمار الإنجليزي من ناحية، والتخلف الذي فرضه وساعد عليه الوجود العثماني من جهة أخرى.

ولعل أبرز أعمال الأب أنستاس الكرملي ما يلي:

  • أغلاط اللغويين الأقدمين.
  • نشوء اللغة العربية ونموها.
  • النقود العربية وعلم النميات.
  • تحقيق معجم العين للخليل بن أحمد.
  • تحقيق نخب الذخائر في أحوال الجواهر  لابن الأكفاني.
  • مختصر تاريخ العراق.
  • جمهرة اللغات.
  • أديان العرب.
  • شعراء بغداد وكتابها.
  • العرب قبل الإسلام.
  • فضل العرب في علم الحيوان.
  • الرسائل المتبادلة بين الكرملي وتيمور.
  • معجم المساعد.

وفاة أنستاس الكرملي

توفي الأب أنستاس في 7 يناير عام 1947 عن عمر ناهز 81 عامًا في مدينة بغداد، بعد رحلة طويلة من خدمة اللغة العربية والنضال من أجل تحرر الثقافة العربية من قبضة العثمانيين والإنجليز، ورثاه كثير من الكتاب والشعراء.

وصدرت كثير من الكتب التي تناولت تجربته الثقافية والنضالية، ولعل أهمها كتاب (أنستاس ماري الكرملي وحياته ومؤلفاته) تأليف كوركيس عواد، وكتاب (الأب أنستاس ماري الكرملي) للكاتب عامر رشيد السامرائي.

من هو الأب أنستاس ماري الكرملي؟

هو بطرس جبرائيل يوسف عواد، مفكر وعالم لغوي عراقي من أصول لبنانية وُلد عام 1866، يُعد من أهم حراس اللغة العربية في العصر الحديث، وراهبًا كاثوليكيًا كرس حياته للدفاع عن عروبة الثقافة وتنقيتها.

ما أهم مؤلفات الأب أنستاس الكرملي؟

ترك مكتبة ضخمة من أهمها: أغلاط اللغويين الأقدمين، نشوء اللغة العربية ونموها، أديان العرب، ومختصر تاريخ العراق. وبرز في تحقيق نصوص التراث مثل معجم العين للخليل بن أحمد.

ما هو معجم المساعد ومن مؤلفه؟

هو معجم لغوي ضخم ألفه الأب أنستاس ماري الكرملي، وتم تحقيقه ونشره بعد وفاته. ويهدف المعجم إلى حفظ وظائف اللغة العربية، وتشذيبها من المفردات النافرة والدخيلة لتكون لغة حياة عصرية ومرنة.

ما دور مجلة لغة العرب في الثقافة العربية؟

أسهمت المجلة في إحداث حراك ثقافي وتنويري هائل عبر استقطاب خيرة الأدباء والباحثين في الوطن العربي. وأدت دورًا محوريًّا في الحفاظ على اللغة ومواجهة الركاكة ومحاولات التتريك والتغريب في تلك الحقبة.

متى صدرت مجلة لغة العرب ومن أسسها؟

تأسست المجلة وصدر عددها الأول عام 1911 على يد الأب أنستاس الكرملي في مدينة بغداد، واستمرت منارة ثقافية بفضل جهوده ومراسلاته المستمرة مع علماء عصره في مختلف الأمصار.

متى توفي الأب أنستاس الكرملي؟

توفي الكرملي في 7 يناير عام 1947 في بغداد، تاركا خلفه إرثًا ثقافيًّا ومؤلفات لغوية عظيمة لا تزال مرجعًا لجميع الباحثين والدارسين.

في الختام، يظل الأب أنستاس الكرملي منارة مضيئة في سجل الخالدين الذين وهبوا حياتهم لخدمة لغة الضاد. لقد استعرضنا دور الكرملي في الحفاظ على اللغة العربية. وتوقفنا عند أبرز مؤلفاته وإرث مجلس الأب أنستاس الكرملي، يبقى إرث الكرملي شاهدًا حيًا على أصالة اللغة وعمق الثقافة العربية وقدرتها على الثبات.

فهل قرأتم شيئًا من مقالاته في مجلة لغة العرب أو اطلعتم على معجم المساعد؟ شاركونا آراءكم في التعليقات حول هؤلاء الرواد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة