انحدار الفن في العراق

كانت بغداد مركزًا فنيًّا وأدبيًّا منذ العصر العباسي في الغناء والشعر والأدب والموسيقى والرسم والنحت والخط.

تأثر الفن العراقي كثيرًا بعد الغزو المغولي، ومن ثم أخذ طابعًا فارسيًّا تارة نتيجة الغزو الصفوي، وآخر عثمانيًّا بسبب الفتح العثماني.

وهكذا بقي الفن العراقي يتأثر بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، نتيجة الحروب والغزوات والانقلابات والتدخل السياسي في الفن، ما دفع كثيرًا من الفنانين لترك العراق والتوجه نحو الغربة، ليبتعدوا عن الصراع والتدخل في عملهم من قبل السلطات.

اقرأ أيضًا: أهمية الفن في الحياة اليومية

لكن بعد التغيير الذي حدث 2003، لم تتدخل السلطة كثيرًا في إنتاج الأعمال أو فرض سياستها على الأعمال الفنية؛ لأن السلطة بعد 2003 أصبحت تتكون من عدة أحزاب سياسية، وكل حزب سياسي لديه مؤسسة إعلامية ينتج عن طريقها الأعمال الفنية وغيرها؛ لذلك فأغلب الأعمال الفنية إما فيها توجه سياسي معين، وإما فن مبتذل.

ومع التطور الهائل في وسائل الإعلام والإنتاج، ووفرة الأموال، وازدياد المشكلات الاجتماعية، وفسحة بسيطة في الحرية، لكن الفن فقد بريقه وتأثيره؛ بسبب تناوله موضوعات هي في أغلبها ذات طابع سياسي أو مبتذل، ما صار مملًّا أو غير ملائم لذائقة المجتمع العراقي.

بينما نجد في زمن النظام السابق وفي ظل الحصار المفروض على العراق، كان للفن دور كبير في تناول كثير من المشكلات. ومن أشهر المسلسلات في نهاية التسعينيات، مسلسل (عالم الست وهيبة)، فقد ناقش مسألة زواج القاصرات وخطورتها، وتناول مشكلة زواج الأم بعد وفاة زوجها وفي ذمتها أولاد، وكيف يتعرضون للظلم والتشرد.

وأيضًا من المسائل المهمة التي تناولها المسلسل الجهل في مجال الطب والصحة وعدم الاعتناء بالنظافة، وتناول أيضًا مسألة (الفصل العشائري)، ومن أهم المشكلات التي تناولها هي المخدرات وتأثيرها السلبي في مستقبل الشباب والمراهقين.

كانت هذه من أهم المشكلات التي كان يعاني منها المجتمع العراقي في تلك المدة، وكان للمسلسل صدى اجتماعي واسع، بل ما زال العراقيون يشاهدون المسلسل على (يوتيوب)، وهذا إن دل فهو يدل على تأثيره داخل المجتمع، على الرغم من انعدام إمكانيات مادية وإنتاجية كما اليوم.

واليوم -للأسف- فالممثل ليس مهمًّا أن يكون خريج معهد أو كلية الفنون الجميلة، بل المهم أن يكون له مشاهدات ومتابعون على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما شاهدناه في الموسم الرمضاني الفائت.

نحتاج حقيقة إلى ثورة في مجال الفن، وأن تترك القضايا السياسية التي تعبِّر عن رأي المؤسسة أو الجهة الإنتاجية.

اقرأ أيضًا: مقدمات لجيل سينمائي جديد في العراق

والمشكلة ذاتها في بقية الفنون الأخرى كالشعر مثلًا، حيث لم ينتج العراق كالجواهري والسياب والرصافي، وفي مجال النحت كجواد سليم ومحمد غني حكمت، أو في مجال التمثيل كيوسف العاني وسامي عبد الحميد.

وبطبيعة الحال لا ننكر وجود مجموعة من الفنانين الموهوبين وخصوصًا الرواد، فهم نجوم لامعة في سماء الفن العراقي والعربي، حتى من فئة الشباب فقد ظهرت في المدة الأخيرة مجموعة لا يستهان بما يقدمونه من فن لافت ومؤثر.

نتمنى أن يعود الفن العراقي إلى بريقه، وألا يكون همُّ الفنان المال، وأن توجد قيمة فنية تتناول الواقع الاجتماعي، ونقده والعمل على معالجته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة