أعلم أنني قد أبدو غريبًا أو حتى مجنونًا في نظر البعض، لكنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل ما لم أختره بملء إرادتي، لا يمتُّ إليَّ بصلة. الوطن الذي لم أختَره ليس وطني، هو رقعة من الأرض وُلدتُ عليها صدفة لا أكثر.
لا يحملني في قلبه كما يُفترض أن أحمله في قلبي. واللغة التي لم أختر أن أنطق بها، وإن أجَدتُها، تبقى غريبة على روحي، لا تعبِّر عن جوهري، بل تقيِّدني بقواعدها الصمَّاء.
حتى الهدايا -تلك التي يقدمها لي الناس في مناسبات لا تعني لي شيئًا- ليست لي. هي نتيجة لصورهم، لذكرياتهم، لا لذاتي. لا أمسك بها، بل أحتفظ بها كأنها أشياء تخصُّ شخصًا آخر، لا تمثلني، ولا تلامس تلك الزاوية العميقة في داخلي التي لا ترضى بأنصاف الانتماء.
أعترف، قد أبدو عنصريًا في نظري لنفسي، لا بمعناها الضيِّق الجاهل، بل بمعنى أنني أنتمي فقط لما يصنعني أنا، لا لما يُفرض عليَّ. لي آرائي التي لا تقبل التزييف، ولي عقلي الذي لا يخضع إلا للمنطق.
الحب؟ ليس عاطفة أعيشها كأُسطورة، بل موقف، موقف يُبنى على وعي، لا على خيال.
أما الدين، فهو عندي الله، الله وحده، بلا وسائط ولا شعائر جوفاء تُفرغ المعنى من قدسيَّته.
هناك زاوية في دماغي لا ترحم الواقع، تراه عاريًا من الزخرفة، وتُجرده من الأقنعة التي يصنعها البشر ليخدعوا أنفسهم. تلك الزاوية لا تؤمن بالمسلمات، ولا تهادن الأعراف. تُفتِّش عن الحقيقة كما هي، دون مُجاملات... دون زينة.
أنا ببساطة، لا أريد أن أكون نسخةً من شيءٍ لم أصنعه، ولا مرآةً تظهر ما يُتوقَّع مني. أريد أن أكون ذاتي، حتى لو كانت تلك الذات وحيدة، ناقصة، أو مرفوضة، فالحرية التي لم أولد بها، سأخلقها بيدي.
سأرتكب أخطائي بنفسي، وسأتعلم منها دون وصاية، دون من يُملي عليَّ الصواب من علياء التجربة. لن أُكرِّر دروس غيري، بل سأصنع دروسي من وجعي، من انكساري، من محاولاتي التي قد لا يراها الآخرون منطقية، لكنها تشبهني.
فما الفائدة من أن أعيش حياة كاملة ليست لي؟ ما قيمة أن أنجح في طريق لم أرسمه بيدي؟
إن الوعي أثقل من أن يُحتمل أحيانًا، لكنه أثمن من أن يُتخلَّى عنه، أنا لا أبحث عن السلام الذي يأتي من التكيُّف، بل عن السلام الذي يولد من الصدق. لا أريد أن أتكيَّف مع واقع لا يشبهني، بل أن أواجهه، أن أصرخ في وجهه، أن أرفضه إن لزم الأمر، فالاستسلام لا يُناسب قلبي، ولا يُشبه تلك الزاوية التي في عقلي، الزاوية التي تشبه خنجرًا من وضوح.
أنا لا أكره العالم، لكنني لا أثق به بسهولة، لا أسير خلف الأفكار لأنها شائعة، ولا أرتدي المبادئ كأنها أزياء موسمية.
رائعة كالعادة
سلمت يداك ودمتى مبدعة 💜
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.