انتكاسة النطق عند طفل التوحد دليل عملي لاستعادة التواصل

فقدان الكلام عند طفل التوحد، أو ما يُعرف بالانتكاسة، هو أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر. تقول إحدى الأمهات: «لدي طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات تم تشخيصه على أنه طيف توحد، بدأ بإخراج أصوات وبعض الكلمات، قبل أن تحدث له انتكاسة، فتوقف عن إخراج الأصوات أو الكلمات، وأصبح مشتتًا لا يستطيع التركيز لبضع ثوانٍ، فما العمل؟ وكيف يمكنني مساعدته لكي يتمكن من التحدث مرة أخرى؟».

إنها لحظة مؤلمة ومحيرة حين يصمت صوت طفلك الذي بدأ للتو في الكلام، فكثير من الأمهات يتساءلن: لماذا توقف طفلي عن الكلام فجأة؟ وماذا يمكنني أن أفعل لأساعده؟ إذا كانت هذه المشكلة تهمكِ، فتابعي هذا المقال الذي يقدم لكِ خارطة طريق عملية ومطمئنة.

الانحدار التوحدي (Autistic Regression)

في البداية، لا بد من التوقف قليلًا عند مفهوم انتكاسة التوحد، وأسباب الانتكاسة طفل التوحد، الانتكاسة تعني فقدان الطفل لمهارة سبق أن اكتسبها، وهو ما يُعرف علميًا بالانحدار التوحدي، كما في هذه الحالة على سبيل المثال، وهي التوقف عن النطق بعد أن كان ناطقًا، أو فقدان التواصل البصري مع الأشياء والأشخاص، أو العودة إلى اللزمات الصوتية أو الحركات التكرارية بعد توقفها وهكذا. تعد هذه الظاهرة إحدى صور انتكاسة الطفل التوحدي.

أسباب انتكاسة طفل التوحد

لماذا تحدث الانتكاسة في التوحد؟ تحدث أسباب توقف طفل التوحد عن الكلام في كثير من الحالات:

قد يكون حدث تغير مفاجئ في روتين الطفل التوحدي المعروف بحبه للروتين وكرهه للتغيير، خاصة إذا حدث الأمر بصورة سريعة ومفاجئة ودون مقدمات: كأن تنتقل الأسرة إلى بيت جديد، أو أن تطرأ تغيرات جوهرية على روتينه اليومي في المنزل، أو تعرضه لمثيرات مزعجة، سواء كانت أضواء أو أصواتًا مزعجة أو الوجود في أمكنة مزدحمة وغيرها من المحفزات الزائدة.

اضطراب النوم، سواء بقلة النوم أو النوم المتقطع، قد يكون أحد الأسباب في ذلك، كونه يؤثر في الانتباه والتركيز لدى الطفل.

وقد توجد أسباب طبية للانتكاسة، كنقص الفيتامينات أو الحديد، أو مشكلات في السمع كالتهابات الأذن وغيرها.

الخطوة الأولى: ماذا يجب على الأم أن تفعل؟

إزاء هذه التغيرات المفاجئة، يتعين على الأمهات مراقبة سلوكيات أطفالهن، وكتابة ملاحظاتهن اليومية من ناحية نوعية الأكل، والنوم، وبداية ظهور التغيير، والوقوف على الأسباب التي أدت إليه: هل بسبب الجوع؟ أم المثيرات المحفزة كالضوضاء الشديدة أو الزحام؟ وغيرها.

والخطوة الأهم على الإطلاق هي استشارة فريق من المختصين فورًا (طبيب أطفال تنموي، أخصائي تخاطب، طبيب نفسي) لاستبعاد أي أسباب طبية والبدء في وضع خطة علاج انتكاسة التوحد.

الأمر المطمئن للأمهات اللاتي يعانين هذه المشكلة أن تعرض الطفل لمثل هذه الانتكاسة لا يعني أنه تراجع للأبد، بل إن كثيرًا من الأطفال يستعيدون مهاراتهم التي فقدوها بالتدخل المناسب والهادئ.

4 مهارات ما قبل اللغة يجب البدء بها لطفل التوحد

لأن اللغة والتواصل يبدآن قبل أن يتحدث الطفل، كان لا بد من أخذ مهارات ما قبل اللغة في الحسبان قبل تدريب طفل التوحد على الكلام بعد تعرضه لانتكاسة في اللغة أو التواصل، إذ يجب تدريبه عليها من جديد.

1. الانتباه المشترك 

مهارة الانتباه المشترك عند طفل التوحد من المهارات الأساسية التي يجب تدريب طفل التوحد عليها، لا سيما في هذه الحالة التي أمامنا، وذلك بتدريبه على أن يلتفت إلى الشيء الذي تنظرين إليه أو تُشيرين إليه بإصبعك، سواء كان لعبة أو فاكهة أو شخصًا أو شيئًا آخر. هدفنا هنا هو تعزيز قدرة الطفل على مشاركة الانتباه مع الأم أو أفراد الأسرة، إن تدريب الانتباه المشترك للتوحد هو مفتاح بناء التواصل الهادف.

2. التواصل البصري

من المهارات الضرورية لطفل طيف التوحد، لا سيما أن أحد أهم مشكلات هذا الطفل غياب التواصل البصري عند أطفال التوحد مع من حوله؛ فيتحاشى النظر في العيون أو حتى الوجوه. لذلك توجد عدة حيل وألعاب يمكن من خلالها تدريب الطفل على مهارة التواصل البصري، مع المجسمات والأشخاص.

3. التقليد

ونقصد بهذه المهارة قدرة الطفل على تقليد الحركات والأصوات؛ كأن تصفقين الأم، فيقلدها طفلها دون أن تنطق بكلمة واحدة، أو أن تُصدرين صوتًا فيحاول تقليده وهكذا. الهدف هنا هو تنشيط مهارة التقليد كونها تدعم نطق الطفل لاحقًا. بعض الأمهات قد تقول: «إن طفلي لا يمكنه تقليد الأصوات أو الكلمات». في هذه الحالة تُجرين تدريبات الفكين والشفاه لتقليد الحركات البسيطة للشفاه، قبل أن تنتقلين إلى مرحلة التقليد بالأصابع.

4. طاعة الأوامر وتنفيذ التعليمات

من دون هذه المهارة لا يمكن توقع شيء من الطفل، وتعني ببساطة قدرة الطفل على فهم وتنفيذ التعليمات مثل: هات، خذ، افتح، اخبط، رَكب، وغيرها من الأفعال. استجابة الطفل لهذه التعليمات معناها ببساطة أن الطفل قادر على الفهم ومن ثم التنفيذ.

أنشطة وألعاب عملية لتنمية هذه المهارات في المنزل

إليكِ بعض الألعاب البسيطة التي يمكنكِ ممارستها مع طفلكِ لتعزيز هذه المهارات، كما توصي مؤسسات مثل Child Mind Institute:

  • لعبة الفقاعات (للانتباه المشترك): انفخي الفقاعات وانتظري حتى ينظر طفلك إليها، ثم انظري أنتِ إليها وقولي "انظر!" وشجّعيه على تتبعها معكِ.

  • لعبة "أين أنفي؟" (للتواصل البصري): اجلسي أمامه مباشرة، وغني أغنية بسيطة ولمسي أنفك وقولي "أنفي!"، ثم حاولي لمس أنفه بلطف وشجعيه على النظر إلى وجهك.

  • لعبة المرآة (للتقليد): اجلسي أمام مرآة كبيرة مع طفلك وقومي بحركات وجه بسيطة (مثل الابتسامة أو إخراج اللسان) وشجعيه على تقليدك.

  • لعبة "أعطني" (لطاعة الأوامر): ضعي أمامه لعبتين يحبهما وقولي بوضوح "أعطني السيارة". عندما يعطيكِ إياها، كافئيه بالمدح الفوري.

من المختصون الذين يمكنهم مساعدة طفل التوحد؟

إن علاج الانتكاسة اللغوية عند أطفال التوحد يتطلب فريق عمل متكامل. لا تترددي في طلب المساعدة من المختصين التاليين:

لا يجب البدء بالنطق والكلام لطفل الانتكاسة، وإنما يجب البدء بمهارات ما قبل اللغة، كونها الأساس الذي تنبني عليه لغة الطفل وتواصله. إن فهم أسباب الانتكاسة في التوحد والبدء بالأساسيات الصحيحة هو أول خطوة للإجابة عن سؤالك: كيف أساعد طفلي التوحدي على استعادة الكلام؟.

رحلة علاج انتكاسة التوحد تتطلب صبرًا وحبًا وفريق عمل متكامل. تذكري دائمًا أنكِ لستِ وحدكِ في هذه الرحلة، وأن كل خطوة صغيرة تخطوها مع طفلكِ هي انتصار كبير. بالدعم المناسب والتدخل المبكر، يوجد دائمًا أمل في أن يستعيد طفلكِ صوته وقدرته على التواصل من جديد.

وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات، شاركونا آراءكم وأسئلتكم واستفساراتكم في التعليقات لكي نجيب عليها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة