بالفعل، ساهم انتشار فيديوهات يومياتي أو «يوم في حياتي» (Day In My Life) في كشف وفضح الوجه المثالي المزيف للحياة المثالية التي كان المؤثرون يصدرونها على هيئة فيديوهات ولقطات استعراضية، حيث سمحت فيديوهات اليوميات للجمهور برؤية التفاصيل اليومية الواقعية وكسر الصورة النمطية والمثالية من خلال إبراز الكواليس الحقيقية، وهو ما جعل كثيرًا من الجمهور يفضلون المحتوى العفوي على المحتوى التمثيلي المزيف.
وفي هذا المقال نوضح لك كيف كشفت فيديوهات «Day In My Life» الفيديوهات الحياتية المثالية المزيفة، ولماذا انتشر هذا النوع من المحتوى في هذا الوقت بالذات، وما السر النفسي وراء جاذبية فيديوهات اليوميات للمشاهد، وكيف استغلت العلامات التجارية هذا الترند في التسويق الخفي.
ما هي فيديوهات Day In my life؟
- هي نوع من المحتوى القصير والمكثف الذي انتشر مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي، والذي يقوم على توثيق الحياة الروتينية اليومية للمؤثر ونشاطاته على مدار 24 ساعة في مقطع سريع لا يتعدى دقيقتين أو 3 دقائق.
- غالبًا ما تتكون فيديوهات «Day In My Life» من لقطات سريعة يتم فيها دمج عشرات اللقطات القصيرة للحركات والمهام التي يقوم بها الشخص على مدار اليوم، مع صوت تعليقي يسجل فيه صانع المحتوى ما يقوم به ويشارك الأفكار مع الجمهور.
- معظم الفيديوهات تبدأ بالتسلسل الزمني الطبيعي، بدءًا من الصباح والاستيقاظ والقيام بالأمور الروتينية، ثم الذهاب إلى العمل أو الدراسة مع لقطات في المكتب وإنجاز المهام، ثم العودة للمنزل وإعداد وجبات العشاء وممارسة الهوايات مثل القراءة ومشاهدة التلفاز.
- سميت الفيديوهات بهذا الاسم لأنها تستهدف مشاركة العادات الإيجابية والإنتاجية وتحفيز المتابعين على ترتيب وتنظيم حياتهم، لكي تتخذ الأمور الروتينية والطقوس العادية منحنى المتعة والنظام.

كيف كشفت فيديوهات Day In my life الحياة المثالية المزيفة؟
كشفت الفيديوهات حقيقة الحياة المثالية المزيفة التي كانت تصدرها فيديوهات المؤثرين والمشاهير في الفترة الأخيرة عن طريق تفكيك الصورة النمطية للمشاهير والمؤثرين وتحويل التركيز إلى الواقعية والديناميكية، وهو ما يمكن تفنيده كالتالي:
- من اللقطة الثابتة إلى العملية الكاملة: بدلًا من النظر إلى صورة ثابتة مُفلترة مثالية أو جسد رياضي أو غرفة فائقة الترتيب، أصبح المتابع أو المشاهد يرى الكواليس ويرى المؤثر وهو يجمع الفوضى وينظف الغبار ويرتب المكان، وهو ما يتطلب جهدًا عاديًا وليس حالة طبيعية دائمة.
- إظهار الروتين العادي: أظهرت الفيديوهات الضوء على حياة المؤثرين والمشاهير التي كان الناس يظنونها عرضًا مستمرًا من الحفلات والسفر والهدايا الفاخرة، وأظهرت الروتين الحياتي الطبيعي حيث النوم والاستيقاظ وغسل الصحون وتنظيف الأرضيات والمعاناة من الزحام، وهو ما يتشابه مع حياة معظم الناس.
- فضح صناعة العفوية: كثير من فيديوهات اليوميات فضحت المؤثرين والمشاهير الذين يحاولون التمثيل والادعاء. فعلى سبيل المثال، كيف يستيقظ المؤثر عفويًا أمام الكاميرا؟ وهو ما يعني أنه قام أولًا من نومه ووضع الكاميرا، ثم شغلها، ثم عاد إلى السرير مرة أخرى ليمثل الاستيقاظ، وهو ما صنع حالة من الإدراك لدى الناس أنه يعرض سيناريو وليس حياة حقيقية.
- ظهور ترند الواقعية الصادمة: ظهر ترند فيديوهات اليوميات الحقيقية كرد فعل على الفيديوهات التمثيلية التي تحاول تزييف الروتين، وتميزت تلك الفيديوهات بإظهار الجانب الآخر تمامًا، حيث الغرف غير المرتبة، والفشل في إنجاز المهام، والشعور بالإحباط والكسل، وهو ما كان ضربة قوية للحياة المثالية المزيفة.
لماذا انتشرت فيديوهات اليوميات في هذا الوقت بالذات؟
ربما كان انتشار فيديوهات «Day In My Life» في هذا الوقت بالذات نتيجة التحول التكنولوجي والنفسي الجماعي الذي يعيشه العالم بحثًا عن الأصالة وسط زحام التزييف الرقمي، وهو ما يمكن تفنيده في العناصر التالية:
- الثورة المضادة: بعد سنوات من التشبع الرقمي بالصور المثالية المفلترة والأجساد الخالية من العيوب والسفر الفاخر والهدايا المدهشة، وصل الناس إلى حالة من الإرهاق وعدم الواقعية، وهو ما عجل بظهور فيديوهات اليوميات كبديل بصري يشبه حياة الناس الحقيقية.
- أثر جائحة كورونا: ربما كان لجائحة كورونا أيضًا تأثير كبير على إعادة صياغة علاقة الإنسان مع يومه، حيث تحول الروتين الممل سابقًا إلى أداة نجاة نفسية، وبدأ كثير من الناس يشاركون التفاصيل اليومية لمواجهة العزلة مثل ترتيب الغرفة، وصنع القهوة، والعمل من المنزل.
- فيديوهات الثواني المعدودة: لا يمكن إهمال دور المنصات التي تدعم الفيديوهات القصيرة في انتشار تريند Day In My Life، حيث تدفع الخوارزميات بالفيديوهات العفوية والبسيطة التي يصورها أشخاص عاديون إلى ملايين المشاهدات.
- صعود اقتصاد التحفيز الذاتي: من ناحية أخرى، فإن فيديوهات اليوميات أصبحت مصدر إلهام بصري للشباب لتنظيم حياتهم والتخلص من الفوضى والمشتتات الرقمية من خلال رؤية أشخاص آخرين يستيقظون ويمارسون الرياضة، حيث تبدو المشاهدة ممتعة ومحفزة في نفس الوقت.
كيف استغلت العلامات التجارية تريند Day In my life في التسويق الخفي؟
كعادتها مع التكنولوجيا وغيرها، فإن العلامات التجارية تستغل أي اهتمام جماهيري أو تريند لتسويق منتجاتها، وهو ما حدث بطريقة مذهلة مع فيديوهات «Day In My Life» من خلال الأساليب التالية:
- الدمج في الروتين: بدلًا من قطع الفيديو أو توقف المؤثر أثناء الفيديو أمام الكاميرا للتحدث عن مميزات المنتج، أصبحت الشركات تدمج المنتجات في الفيديو بشكل لا يتجزأ من الروتين، فيظهر النجم يستخدم الأدوات والمنتجات وآلات القهوة، وهو ما يبدو عفويًا ومتناسقًا مع الجو العام.
- بيع أسلوب الحياة: في هذا الترند، لم تسعَ الشركات لبيع المنتجات، وإنما لبيع أسلوب الحياة، حيث يشتري المستهلك الشعور أو النتيجة الموجودة في الفيديو. فعلى سبيل المثال، هو لا يشتري الحذاء الرياضي، بل يشتري فكرة الاستيقاظ المبكر والركض بنشاط وتنظيم الحياة، وهو ما يعد أكثر تأثيرًا في السلوك الشرائي للمستخدم.
- الاعتماد على المؤثرين الصغار: كثير من العلامات التجارية اعتمدت في ترند «Day In My Life» على المؤثرين الصغار أصحاب أعداد المتابعين المتوسطة والصغيرة، حتى يبدو الأمر أكثر واقعية وتشبه حياتهم حياة المتابعين اليومية، وهو ما يمنح المنتجات فرصة بيع أكبر وأكثر مصداقية.
- روابط البيع بالعمولة: بالطبع، لم تكتفِ الشركات والعلامات التجارية بهذه الاستراتيجيات، وإنما اعتمد الكثير منها على روابط البيع بالعمولة الذكية من خلال العبارة التي يطلقها المؤثر في نهاية الفيديو، والتي تشير إلى روابط المنتجات المثبتة في التعليقات، والتي يتقاضى عليها نسبة من المبيعات.

ما هو القادم بعد تريند Day In my life؟
لا نستطيع أن نتوقع بشكل أكيد التريند القادم وإنما يمكن القول إن التطور الطبيعي للتريند هو الاتجاه نحو الواقعية الخام وغير المفلترة، وبالتالي قد تكون ملامح التريندات القادمة كالتالي:
- فيديوهات ضد الجماليات: قد تركز التريندات القادمة على إظهار الجانب الفوضوي من الحياة، وتصوير الأمور بشكل غير مرتب، والتحدث بدون مكياج أو إعداد أو تنظيم، والتخلي عن الفلاتر وزوايا التصوير الجيدة ليصبح المحتوى أكثر عفوية.
- تريند يوم سيئ في حياتي: قد ينتقل المؤثرون من توثيق الأيام الإيجابية إلى توثيق أيام سيئة مرتبطة بالفشل أو الإحباط، حيث لحظات البكاء والشعور بالاحتراق النفسي مع توثيق فشل الخطط أو المهام بهدف طمأنة المتابعين بأن عدم الإنتاجية أمر طبيعي.
- التفكير بصوت عالٍ: من المتوقع أن يتراجع التسجيل الصوتي والتعليق على الفيديوهات، ويتجه المؤثرون إلى التحدث مع الكاميرا عما يدور في أذهانهم في حالة من مشاركة الأفكار العشوائية والمخاوف والنقاشات الفلسفية دون تحضير مسبق.
- مكافحة التأثير داخل اليوميات: بعض الآراء تتحدث عن اتجاه المؤثرين وصناع المحتوى إلى تحذير المشاهدين من عمليات الشراء والاستهلاك غير الضرورية، وهو ما قد يتحول إلى تريند عكسي حيث التركيز على استخدام الأشياء القديمة والبدائل الرخيصة ومقاومة الاستهلاك المفرط.
في النهاية، يمثل صعود تريند «Day In My Life» صرخة جماعية وبصيرة رقمية جديدة تبحث عن الأصالة والواقعية بعد سنوات من التزييف البصري والمثالية المفرطة. ورغم أن هذا المحتوى العفوي نجح في كسر القيود وتقريب المسافات بين المشاهد وصانع المحتوى، فإنه تحول بدوره إلى مساحة ذكية للتسويق واستثمار العادات الحياتية.
ويبقى الوعي هو الفاصل الحقيقي بين الاستمتاع بيوميات ملهمة تدفعنا للنظام، وبين السقوط في فخ مقارنة حياتنا العادية بـ «سيناريوهات عفوية» صيغت بدقة خلف الكواليس.
هل تجدون فيديوهات «يوم في حياتي» محفزة لكم في حياتكم اليومية، أم بدأ ينتابكم شعور بأن بعضها أصبح تمثيليًا ومكررًا؟ لا تنسوا مشاركة المقال لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.